على هامش إضراب الفوسفاطيين في 29 أكتوبر
يوسف الإدريسي
مرّ إضراب 29 أكتوبر في ظروف وأجواء مسؤولة استطاعت أن تنتزع تثمين كل الفرقاء السياسيين والنقابيين على اختلاف تلاوينهم وانتماءاتهم، محققا نسبة نجاح بلغت 84 في المائة وفق ما أكدته المركزيات النقابية الداعية للإضراب. بدورها شهدت الساحة الفوسفاطية سجالات قبلية بين مدعمي الإضراب ومناهضيه، وصلت في بعض الأحيان إلى اللمز والنبز والتشكيك في النوايا، لدرجة اللجوء إلى أساليب العنف اللفظي والاستعانة بعبارات من قاموس التخوين والعمالة، ما جعل البعض يحجم عن الردود نائين بأنفسهم عن المراء المقيت والنقاش البيزنطي.
وبغض النظر عن بواعث هذه التفاعلات في توزيع الاتهامات جزافا بين من يعتقد أن التدبير الحكومي صائب في بعده الإصلاحي الاستراتيجي، ومن يرى أن المواطن المغربي معني أساسا بثمن قفة الصباح وأنين أمعاء أبنائه الفارغة، وبغض النظر أيضا عما صاحب قرار الإضراب من تحرك ملحوظ للآلة الإدارية في التعبئة المضادة وثني المستخدمين عن القيام بحقهم المشروع والذي تكفله لهم جميع المواثيق الدولية وحقوق التشغيل، وبعيدا أيضا عن الخوض في تفنيد أو تأكيد نسبة النجاح بمختلف المراكز الفوسفاطية، فإن ما يهمنا الآن، والكلام موجه إلى الممارسين النقابيين والعمال الفوسفاطيين على حد سواء، هو تقييم وتقويم هذا الشكل الاحتجاجي على ضوء ما أفرزه من تجليات وتداعيات بشأن تفاعل مكونات المؤسسة بكل أصنافها.
على المستوى الإداري، لوحظ ارتباك غير مبرر من لدن رؤساء المصالح يوحي إلى امتداد سنوات التسلط وممارسة الوصاية على العمال، سواء بأساليب الترغيب أو الترهيب، وهذا يتنافى بشكل جلي مع شعار "الرؤية التشاركية والتصور الإنتاجي للمؤسسة"، ذلك أن حكماء الإدارة لم يستوعبوا الدروس السابقة من تداعيات خنق صوت الطبقة الشغيلة، ولم يدركوا أيضا أن التضييق على الحريات والحقوق لن يزيد العامل إلا إصرارا وتشبثا بما يعتقده ويؤمن به، خصوصا وأن الإضراب جاء في سياق سياسي متأزم يعيشه المغرب لا يمت بصلة للمشاكل القطاعية التي تنتظرها محطات حوارية لتصريف الإشكالات القطاعية العالقة، فلماذا حالة الاستنفار والدخول في متاهات قد تأتي بنتائج عكسية.
على المستوى العمالي، بدت من أول تعليق بالمنتديات التواصلية إشكالية احترام الخيار وخصوصية الاختيار لدى شريحة مهمة من الفوسفاطيين، والذي يعكس نمطا آخر للتحديات النقابية في توعية المنخرطين باحترام القناعات والأفكار والتركيز على النقط المتقاطعة في أهداف مختلف الإطارات النقابية والتي تفتل في حبل واحد للوصول إلى حقوق مشتركة، بدل شحنهم وحقنهم بفيروس التعصب الانتمائي في خطوة غير محسوبة لتعميق الشرخ وتحوير النقاش إلى قضايا هامشية لا تنسجم مع ديباجة البيانات النقابية التي تتضمن شعارات من قبيل الوحدة النقابية قيم ومبادئ...عاشت الوحدة النقابية...التشبث بالتنسيق النقابي...، تعبير بلا معنى وجسد بلا روح، إن عمدنا إلى مثل هذه الشعارات نستنطقها ونتواطأ معها ضد حقوقنا ومكتسباتنا دون تجسيدها على أرض الواقع ودونما امتلاك رؤية استشرافية لمستقبل أوضاع الشغيلة وبلورتها لتصبح بوصلة موجّهة ومنارا ينير طريق التدافع لاسترجاع الحقوق والحفاظ على المكتسبات.
مرة أخرى أقول بأنه آن الأوان كي نفكر بصوت واحد وندع الصراعات النقابية جانبا وأن نفتح نقاشا عاما وهادفا حول أوضاعنا ومعاناتنا المشتركة بعيدا عن الحسابات الضيقة والحساسيات المفرطة ، لنرسم معالم مستقبل الشغيلة الفوسفاطية بإشراك جميع الفرقاء لتحقيق رغبة واحدة وهدف مُوحّد، وهذا لن يتأتى إلا بتفعيل مبادئ التربية النقابية التي تقوم على أساس رد الاعتبار لقيم التدافع النضالي و نكران الذات مع تحرّي الأداة، حتى يغدو الفعل النقابي ناصرا للمستضعفين ومدافعا عن المظلومين.
