تونس الثورة،" بنعلي اهرب. . . بنعلي ارجع"؟

تونس الثورة،" بنعلي اهرب. . . بنعلي ارجع"؟

الحسين اربيب

 

           في خضم الربيع العربي الذي تساقطت أوراقه حتى  قبل أن تزهر في كل الدول العربية، وللأسف اغلبها  أجهض في المهد، بات الأن  الأمل معلقا على تونس الثورة وحدها بعد أن سقط الأمل في الربيع العربي في كل من مصر واليمن والبحرين وليبيا وسوريا التي تحول ربيعها إلى حروب أهلية ارتكبت فيها اشنع جرائم الإبادة على يد أنظمة استبدادية لا تعرف الرحمة لقلوبها سبيلا ، خاصة في سوريا الأسد .                                                                                                                                                        

         بقيت تونس واحة الأمل في هذا المحيط العربي المظلم بين حروب تقليدية تستعمل فيها كل أنواع الأسلحة وحروب ذكية فيها قمع الحريات بخطوط حمراء وضعتها الأنظمة المستفردة بالسلطة للالتفاف حول كل مطالبة بالتغيير، وتجويع وتجهيل للشعوب حتى تظل في جاذبية هيمنة القوى القمعية التي تتلون كالحرباء وتلبس لبوس قديسة ترفع أكفها للرحمان تارة وتارة أخرى تركب على دبابة وتدوس كل من رفع صوته مطالبا بالحرية والشرعية كما في مصر ، ليلعب العسكر لعبة قديمة ، لعبة حماية الوطن من الأخطار المحدقة به ، والحال أن ذوي الخوذات هم الخطر ذاته على الشعوب العربية التي عانت من الاستبداد بأنواعه المختلفة .                                                                                                   

  إن تونس 14 يناير ليست هي تلك اللحظة التي سمعنا ذلك التونسي  الأبي يصرخ بملء حنجرته'" بنعلي اهرب بنعلي اهرب" حيث تنفس جل التونسيين الصعداء وانقشع الظلام بعد اكثر عقدين من الزمن كان فيها نظام بنعلي البوليسي يحصي أنفاس التونسيين حيث كان الشعب تحت المراقبة الشديدة من قبل أكثر من الف خلية من الحزب الوحيد حزب التجمع الدستوري الديموقراطي، طبعا بمساعدة ودعم من فرنسا بالخصوص والغرب عامة .بل إن تونس اليوم هي في مرحلة انتقالية فيها الهاجس المهيمن على كل النخب السياسية ورجال الدولة والكل الشعب التونسي من مثقفين وفلاحين وعمال وطلبة ، هو تجنب السقوط فيما لحقت بالثورات الجارة ليبيا ومصر .         

                                                                        تونس البوعزيزي بعد الثورة مازالت تئن تحت وطأة الوجع الاجتماعي المتسم بالفوارق الاقتصادية والاجتماعية  الخارقة في صفوف أبناء الشعب الواحد المتجلية في البطالة والإقصاء الممزوج بالوضع الأمني الهش الذي تهدده مجموعات إسلامية ووضع اقتصادي متأزم بفقدان مالية الدولة لعائدات ثلثي أسواق صادرات الفوسفاط ،  لأن النخبة السياسية التي قادتها الثلاثية في حكومتي الإتلاف لحمادي الجبالي ومن بعد علي لعريض ، والمشكلة من ثلاثة أحزاب ممثلة في الجمعية التأسيسية من أجل تكوين أغلبية مريحة ،في أفق سياسي يقطع الطريق عن نداء تونس التكتل السياسي الذي يتزعمه شيخ السياسة التونسية باجي قايد السبسي ، الذي أصبح بقدرة قادر وبسرعة فائقة الحزب الرئيسي في الخريطة الحزبية التونسية ويذكرنا ببعض الأحزاب التي نطلق عليها في المغرب بأحزاب الكوكوت مينوت ، أو الأحزاب الإدارية ،باتت تتأرجح بين ضمان استقرار النظام وكيفية تلبية المطالب الشعبية وتحقيق الاستحقاقات السياسية والقانونية  للجمهورية  التونسية الثانية  .                                                                                                                                         إلا أن الوضع السياسي في تونس يجعل المحلل السياسي شيئا ما في حيرة خاصة لما نجد مثل الحزب " نداء تونس" بسرعة جنونية يكتسح الساحة السياسية وبمؤهلات تقنية ومالية وتنظيمية لا يحصل عليه أي حزب إلا من تراكم تاريخي لن يكون حصل عليه سوى من قبل بقايا الحزب الوحيد الذي حكم تونس منذ عهد بورقيبة منذ 1934 مع الحزب الدستوري الجديد والحزب الاشتراكي الدستوري من 1964 إلى 1988حيث تم تحويله إلى حزب التجمع الدستوري الديموقراطي بعد الانقلاب الذي أطاح ببورقيبة بوصفة طبية لأن هذا الأخير كان رئيسا أبديا كما كانت عادة الرؤساء العرب ومازال بعضهم على تلك الموجة ولم يقوموا بتحيين الساعة السياسية كما في الجزائر والسودان ناهيك عن أمراء وملوك- كما قال احدهم- "يرثون الأرض والبشر" تحت مرجعيات لم يعد العالم المتحضر يقبلها في حياته اليومية بقدر ما يدعمها على الخريطة العربية والإفريقية وبعض الدول الأسيوية خدمة لمصالحه طبعا.                                                                                                                                                                                                            

          فالثورة التونسية قام بها الشعب التونسي وفي الطليعة شبابه من أجل إقرار احترام كرامته وإقامة  عدالة اجتماعية واقتصادية وسياسية محورية لنظام سياسي يستمد وجوده من روح وأرواح الثوار الذين ضحوا من أجل أن تعيش تونس الشابي بعيدا عن الحفر التي زج بشعبها فيه لعقود عديدة ، لذا لا نستغرب أن نرى  تونس الثورة تشتغل بكل طاقاتها حيث كانت و لمدة ثلاث سنوات مختبرا سياسيا طرحت فيها كل الأفكار السياسية والبرلمانية والاقتصادية وتخللتها عمليات من العنف المسلح  والجرائم السياسية ، مما أصاب كل المتتبعين والذين يراهنون على الثورة التونسية بنوع من الترقب والخوف من عدم وصولها لبر النجاة ضمن كل هذا المحيط العربي الذي أصيب بالإحباط والفشل والسقوط في بحر من الدماء والحروب الأهلية ، غير أن حكمة وتبصر  و"براغماتية "بعض النخب السياسية وبعض التشكيلات الحزبية والنقابية وهيئات من المجتمع المدني والشباب التونسي الذي هو عماد تلك الثورة وسبب نجاحها منذ البداية، كل هؤلاء  هم القادرون على الحفاظ عليها بالانخراط بشكل مكثف في العمل السياسي وعدم ترك الساحة فارغة ، لأن المتربصين بالثورة غير بعيدين من السلطة بل هم موجودون في كل الإدارات والأجهزة من بوليس وجيش ومراكز الرأسمال والمؤسسات العمومية، وما حزب النداء إلا الوجه الظاهر من جبل الجليد في بحر تراكمات سنوات فردانية  الحكم الذي استمر منذ 1957 إلى 2011.                                                                                                                                    .

         معلوم أن الثورة حالة وقمة سياسية للتغيير يعلو سقفها بمقدار المعانة التي يكون تعرض لها الشعب ، لذا فالتقيد بقواعد سياسية فرضتها اللعبة الديموقراطية قد تقيد الفاعلين في الحركة مما يجعل المسار السياسي الثوري يبدو تراجعيا لأن الربط بين النظري والعاطفي وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلاد ، وفي هذا السياق أذكر السياسي الماركسي لنين في كتابه " المرض الطفولي للشيوعية ، اليسارية" الذي يعبر بصدق عن وضع تعيشه كل ثورة في مراحل التأسيس لنظامها السياسي حيث يتحولق حولها الانتهازيون والمتربصون بها ويبعد عنها الكثير من الثوار الذين قاموا بها ،  جراء ذلك.                                               .                                                                           أن منجزات التشكيلات السياسية التي قادت المرحلة السياسية الانتقالية لما بعد الثورة كانت على الصعيد السياسي لها نصيب من النجاح لأنها استطاعت ولو بكثير من التعثر الخروج بدستور تونسي توافقي بين حزب النهضة والقوى السياسية المكونة للجمعية الوطنية التأسيسية ، بعد نقاشات وصراعات حول كل بند من بنوده ، ولقد جاء بالفعل دستورا يعتز بنضال الشعب التونسي لبناء الدولة والتخلص من الاستبداد استجابة لإرادة هذا الشعب وتحقيقا لأهداف ثورة الحرية والكرامة ، ثورة 17ديسمبر 2014 و14 يناير جافيي  2011  ، كما جاء في الديباجة " التوطئة " .                                                                                                                                                                                                واليوم وبعد كل ما جرى هل لنا ان نقول أن الشعب التونسي اجتاز امتحان الثورة بسلام وأن شبح عودة الاستبداد قد ولى؟ يتوقف هذا على يقظة الشعب وحراسته للثورة ولمكاسبه، وذلك بالوقوف بجانب الأحزاب التي تضع مصالح الشعب في قلبها دون الاهتمام بالكراسي، وحذار من السقوط في الإغراء السياسي لأن الثورات علمت الشعوب أن المتربصين بهذا يفعلون المستحيل للعودة ولو تحت مسميات مختلفة ، لذا نتمنى أن نقول فقط "بنعلي اهرب وليس بنعلي ارجع..."  .                                                                                        

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات