من يوميات مستشار جماعي ـ الجزء الأول ـ

من يوميات مستشار جماعي ـ الجزء الأول ـ

نور الدين الطويليع

قضى الفتى ردحا من الزمن متنقلا بين الناس، لم يكن لسانه يفتر عن ترديد عبارات الشجب والاستنكار لواقع مدينة ينخرها الفساد، ملقيا باللائمة على رؤساء مجلسها الحضري المتعاقبين الذين اتهم السابق منهم بتسليم مشعل الفساد للاحق، معتبرا ألا أحد منهم كان رشيدا، وأنهم جميعا عجزوا عن تخليص المدينة من بعبع القهر والاندحار والتخلف الجاثم على صدرها سنين عددا.

هذا ما كان ينقله الفتى للتجار والحرفيين ورواد المقاهي والمتسكعين في الطرقات، والمهمشين والمحرومين الذين ملك عليهم البصر والفؤاد، فلم يعودوا يرون منقذا لسفينة مدينتهم الموشكة على الغرق غيره، وصاروا يدعون الله بالليل والنهار ليطوي الأيام والشهور حتى تنتهي ولاية مجلسهم، وتفاءلوا خيرا بزعيمهم التاريخي الذي وعدوه وعد الحر الذي لا يخون بأن يجلسوه على عرش المجلس ليكون ناطقا رسميا باسم طبقتهم المسحوقة.

مع مرور الأيام ازداد رصيد الفتى الشعبي، حتى صار أتباعه يعدون بالمئات، وأعلن حواريوه عن استعدادهم للفداء بالنفس وكل غال ونفيس من أجل بقاء رمزهم، بعد تناسل شائعات حول عقد بعض خصومه النية على تصفيته، وتربصهم به لقتله بسبب التهديد الذي صار يشكله عليهم  في الاستيلاء على عرش مجلس ذهبي أصبح قاب قوسين أو أدنى من التربع عليه.

بمجرد ما أعلن عن انطلاق الحملة الانتخابية تسابق أنصار الفتى إلى تسويق اسمه، لم يتركوا بيتا في المدينة إلا طرقوه مبشرين أهله بفتح عظيم يزيل عنهم نحس السنوات العجاف إن هم صوتوا لصالح الزعيم الذي كان يعد الناس بدوره بأن تكون ولايته الانتخابية، في حال نجاحه، بداية النهاية لرؤوس الفساد، وبأن يبني الأسس المتينة للتسيير العقلاني، ويضع حدا للفوضى والريع والارتجالية والتهافت على المصالح الشخصية...، لقيت هذه الوعود تجاوبا كبيرا من لدن الكادحين المقهورين، وازداد تعاطفهم معه بعدما تنازل لهم عن ديون راكموها بشراء السلع الأساسية من دكانه، وازداد قطر المحبة اتساعا بتبرعات مالية وزعها عليهم بسخاء، متخذا من الأحياء الهامشية قاعدته لبسط اليد، وإدخال البسمة على نفوس خاصمت الفرح، مقدما وعدا تلو الآخر بأن يكون عطاؤه أول الغيث، ثم لن يلبث طويلا قبل أن ينهمر في شكل تنمية ستبث الحياة في يابس المدينة وقاعها الصفصف.

ملأ الفتى بوعوده هذه الدنيا وشغل الناس، حتى إذا جاء اليوم الموعود طفحت الصناديق الانتخابية بلون حزبه الذي غلب ألوان بقية منافسين تقهقروا وكبكبوا، ولم تجد الأغلبية الساحقة منهم عزما في مجاراته ومنافسته على عرش  مجلس خلا له وجهه، وتربع عليه آمنا مطمئنا بلا نصب ولا لغوب، بعدما قدموا إليه بأنفسهم مبايعين.

في الأيام الأولى لتقلده مهام الرئاسة تجول الفتى في كل أنحاء المدينة، وجدد للساكنة الوعد بتنفيذ ما تعهد به، وجاءهم هذه المرة بمعطيات اختلاسية عن فترة سلفه، متهما إياه بغياب المروءة، وافتقاد الغيرة الوطنية، والسعي وراء المصلحة الشخصية.

 

                                     ـ  يتبع ـ

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات