الاشتراكي المغربي الموحد .. التحية مع قليل من الاختلاف !!

الاشتراكي المغربي الموحد .. التحية مع قليل من  الاختلاف !!

 

الأستاذ : الصادق بنعلال

1 – ظلمة و .. شعاع من نور : 

تعتبر المملكة المغربية من الأقطار العربية القليلة التي عرفت منذ استقلالها في الخمسينيات من القرن العشرين ، حراكا سياسيا متميزا تجلى بشكل خاص في "التعددية "الحزبية و "الانتخابات" الدورية و "التعديلات" الدستورية الظرفية ، و "تعاقب" الحكومات بشكل "سلس" ، مما قد يؤدي إلى استنتاج استلزامي مفاده أن التجربة السياسية المغربية قد راكمت قدرا غير يسير من الإنجازات الهامة على مستوى الفكر الحزبي ثقافة و ممارسة ، بيد أن واقع الحال لا يرقى إلى هذه الصورة الوردية ، بل يمكن القول إن الحلقة الأضعف في المنجز السياسي المغربي تتجسد في تردى الوضع الحزبي و تكلسه و ترهله ، و عجزه شبه التام عن أي فعل موجب يكون في مستوى اللحظة التاريخية ، و تلبية انتظارات الشعب و تطلعات المواطنين نحو الإصلاح التنموي الأشمل . فلئن كان حزب الاستقلال هو الإطار السياسي الذي ركن إليه المناضلون و رجال المقاومة من أجل مواجهة الاحتلال الأجنبي و نيل الحرية.. فإنه قد شهد انشقاقات درامية بعد الاستقلال بسنوات قليلة ، فأصبحنا الآن أمام كم هائل من "الأحزاب" ؛ قليل منها ينتمي إلى الدائرة "الديمقراطية" الوطنية ، و ما تبقى و هو كثير، من إبداع و إخراج السلطة المركزية ، مما وسع الهوة بين هذه الهياكل "الوطنية" و "الإدارية" و بين أفراد الشعب بمختلف نزعاتهم و انتماءاتهم الأيديولوجية و الاجتماعية و المجالية (الترابية) .. و أفرز ما يصطلح عليه بالمغرب بثقافة "المقاطعة" و العزوف عن الاهتمام بالشأن العام و امتناع الأغلبية الساحقة من المواطنين عن القيام بواجب التصويت في الاستحقاقات البرلمانية و المحلية السابقة . إذ كيف يمكن أن نغري مواطنا بجدوى المشاركة و الحال أن المؤسسة الحزبية في مجملها تئن تحت وطأة الفساد و المحسوبية و التوريث و الكسل وإعادة إنتاج نفس النخب منتهية الصلاحية و الافتقاد للاستقلالية ، و الجري وراء المصالح الفردية الضيقة ، بدل العمل من أجل المصلحة العليا للوطن و تأطير "المناضلين " و توعيتهم و التقرب منهم بالشكل الأجدى و الملموس ؟ !إلا أن في الأفق شعاع من الأمل يتمثل في عدد محدود جدا من هذه الأطر الحزبية (لا تتعدى أصابع اليد الواحدة) ، و التي يمكن أن نطلق عليها أحزابا حقيقية دون الخوف من السقوط  في المبالغة ، و على رأسها الحزب الواعد الاشتراكي الموحد .

2 -  السياسة من منظور .. أخلاقي :

و هكذا يشكل هذا الحزب علامة مضيئة في المشهد الحزبي المغربي الداكن ، و قد رأى النور في سياق سياسي وطني بالغ التعقيد ؛ إثر تصويت الأحزاب المغربية "الكبرى"  ذات المشروعية "التاريخية" على دستور 1996 ، و إقامة حكومة "التناوب" التي لم تحظ بقبول هيئات سياسية وازنة ، فازداد الوضع الحزبي انفجارا و تشظيا ، فكان مآل هذا الوضع العصيب حزمة من الاستقطابات و التكتلات ذات اليمين و ذات اليسار، و في هكذا مناخ مأزوم تلتقي منظمة العمل الديمقراطي بقيادة المجاهد طيب الذكر؛ بنسعيد آيت إيدر بكوكبة من المناضلين المنسحبين من الاتحاد الاشتراكي الذين رفعوا شعار الوفاء للديمقراطية و من ضمنهم الأستاذ الذي يحظى باحترام الجميع الأخ محمد الساسي ، فضلا عن بعض الحساسيات اليسارية من أجل إعطاء الانطلاقة لتجربة حزبية خلاقة ؛ تمارس السياسة من منظور أخلاقي و سلوك حضاري رفيع ؛ ساهمت طيلة العقد الأخير في تنوير الرأي العام و تربية  المواطنين و توعيتهم بشكل مخصوص و مبدع ، بفضل أطر تتميز بالكفاءة و المهنية و المواطنة بحصر المعنى . تماما كما أن الحزب يشهد تيارات و توجهات في التعاطي مع الشأن الوطني و الدولي ، و ديمقراطية داخلية موفقة ، كل ذلك جعل منه هيئة سياسية تتخذ من المقاربة العقلانية و العلمية منطلقا ، و ترفض الخيارات الحدية و التمترس وراء الرؤية العدمية .. على الرغم من ضعف تواجده في المؤسسات الرسمية من برلمان و مجالس بلدية ، لأنه يختلف راديكاليا عن الأحزاب الانتخابوية التي "تناضل" بغرض الفوز بأكبر قدر ممكن من المناصب و الكراسي الوثيرة ؛ فالغاية عندها تبرر الوسيلة !

و ينطلق الربيع الديمقراطي و ينفجر الشارع العربي انفجارا ، و يزلزل زلزلة ، و يجد الاشتراكي الموحد نفسه كما كان منتظرا في مقدمة الحركة العشرينية المغربية ؛ المطالبة بالإصلاحات العميقة و إسقاط الاستبداد و الفساد ، من أجل العيش بكرامة و حرية و عدالة .. و تفاعل النظام نسبيا مع هذه المطالب الشعبية المشروعة ، فأحدث مؤسسات اجتماعية و اقتصادية و حقوقية محورية ، و تم تغيير الدستور و الإعلان عن تنظيم انتخابات برلمانية سابقة لأوانها و كان ذلك استثناء عربيا أكيدا!

3 – محبة و .. عتاب :

  فكيف تعامل الحزب مع مفردات الراهن الوطني ؟ و ماهي الاستراتيجية التي انتهجها لمعالجة المعادلة الصعبة لهذا الانعطاف التاريخي العصيب ؟ لقد عبر بكامل الاستقلالية و المسؤولية عن رفضه للدستور الجديد على اعتبار أنه "لاديمقراطي ممنوح" ، و لا يرقى إلى مستوى تطلعات بعض الفرقاء و الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي المغربي العام . و الواقع أنه ليس من حق أي كان أن يعاتبه على هذا القرار الحر، الذي جاء بعد استشارة القواعد و الاحتكام إلى المنهجية الديمقراطية ، و إن كان كاتب هذه السطور يرى أن الدستور الجديد تضمن فصولا و مواد غير مسبوقة ؛ و بشكل خاص ما يرتبط بتنازل العاهل المغربي عن صلاحيات هامة لرئيس الحكومة و البرلمان ، و الإصلاحات التي تتلاءم و إيقاع الحركية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية المغربية . و في نفس الساق أقدم المجلس الوطني للحزب على اتخاذ قرار مقاطعة الاستحقاقات البرلمانية القادمة (25.11.2012) . و هو قرار وازن و صادم ، خاصة إذا أدركنا أن كل الأعضاء المنضوين في الحزب المعني بالأمر يؤمنون إيمانا قويا بالمشاركة السياسية ، و العمل المشروع من أجل إصلاح النظام من الداخل . و مرة أخرى من غير الجائز إعطاء الدروس و المزايدة على هيئة حزبية لها ما يكفي من الكفاءات في ميدان التنظير و الإضافات النوعية في النموذج السياسي المغربي ، إلا أننا كنا نمني النفس أن يتمهل أكثر، و يقرأ المشهد من كل الزوايا و يتخذ القرار الصعب ؛ قرار المشاركة في الانتخابات بدل الركون إلى الحل الأبسط : المقاطعة و الانسحاب . نحن نتفهم موقف بعض الأحزاب الصغيرة جدا و التي وجدت في مقاطعة الاستحقاقات الوطنية هواية مفضلة ، و ملاذا آمنا لإخفاء حجمها الضئيل و حضورها غير المرئي ، كما نتفهم مقاطعة بعض المتاجرين في العدم و "الحلم في زمن الوهم" ، بيد أننا نجد صعوبة بالغة في هضم قرار "يفتقر" إلى دراسة معمقة لحزب نحترم زعماءه و قواعده ، و نرى في هؤلاء نموذجا لنظافة اليد و رجاحة العقل . أملنا أن يعيد الرفاق الطيبون النظر في القرار غير المقدس ،  و يشاركوا في الانتخابات التشريعية ؛ في ظل دستور جديد لبى بعض التطلعات و أغفل أخرى ، من أجل المساهمة في بناء وطن نحبه جميعا رغم المثبطات و الشبهات ! و نقف في وجه الفاسدين و السفهاء و المتربصين بمستقبل أبنائنا !

– باحث في قضايا الفكر و السياسة

[email protected]

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة