مؤاخذات على التعليم وأساليبه في المغرب (1)

مؤاخذات على التعليم وأساليبه في المغرب (1)

 

 

بقلم طارق جبل

تذكير بأحداث الدار البيضاء في 23 مارس 1965

أصدر وزير التربية الوطنية يوسف بلعباس في مارس 1965 منشورا دوريا قرر فيه إقصاء التلاميذ الذين تتجاوز أعمارهم سبعة عشر سنة من الانتقال من مرحلة التعليم الإعدادي إلى السلك الثانوي. أثار هذا القرار استنكارا كبيرا في صفوف التلاميذ؛ الذين قرروا الاحتجاج في مظاهرات واسعة سرعان ما عززتها شرائح متباينة من المجتمع البيضاوي، كان من بينها جيش عرمرم من العاطلين يقدر عددهم بحوالي 400.000. بعد مدة قصيرة، ازدادت حدة المظاهرات وانتقلت عدواها إلى مدن أخرى كالرباط والقنيطرة وفاس ومكناس وخريبكة وسطات.

قرر المخزن التعامل مع المظاهرات في الدار البيضاء بعنف بربري ودموية ترانسيلفانية، حيث تكفل الجيش "بحل الأزمة" باستعمال الدبابات وإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. ويروى أن الجنرال أوفقير، وزير الداخلية ومدير الأمن الوطني ورئيس جهاز الاستخبارات (الكاب1) آنذاك، أبى إلا أن يكلف نفسه شرف إطلاق النار على المتظاهرين من مدفعه الرشاش على مثن طائرة مروحية من نوع Alouette II كان اللواء الهمام قد اقتلع بابها الجانبي. خلفت عنتريات أوفقير حوالي ألف قتيل دفنوا في مقابر جماعية أو تغذى بهم الحوت في المحيط ، بالإضافة إلى مئات الجرحى الذين لم تتجاوز أعمار غالبيتهم خمسة عشر سنة.

تعجب الحسن الثاني من احتجاج الشعب على المؤسسة الملكية عوض أن يصب جام غضبه على وزير التعليم، كما لو كان لكراكيز الحكومة الحق في إبداء الرأي في أحوال الطقس، فما بالك باتخاذ قرارات سياسية حرجة ومصيرية. كما اتهم الملك الراحل المفكرين بتوجيه أوباش القاصرين عن بعد بدل النزول من أبراجهم العاجية إلى ساحات التظاهر، كما لو كان يدعوهم لحوار عاقل متمدن مع مدرعات الجيش، وكما لو كان يتأسف على أنهم لم يضاعفوا أعداد الجرحى والقتلى والمفقودين. ثم اعترف في خطاب رسمي بحلم دفين، تمنى فيه لو أنهم كانوا من الأميين.

الحق في التعليم واجب أساسي من واجبات الدولة لكنها تعطله وتعرقله

ليس من قبيل الصدفة أن يكون أزيد من نصف ساكنة المغرب ما زالوا يتخبطون في مستنقعات الجهل وبراثن الأمية بعد مرور أزيد من نصف قرن على استقلال...إيكس ليبان. كما لا يمكن لعاقل أن يبتلع ما تبرر به الدولة هذه الوضعية المأساوية لتتنصل من مسؤوليتها المباشرة، متعذرة بسوء الحظ وشر القدر حينا وبدافعة أرخميدس وقوى كوريوليس أحيانا. إن المواطن المغربي على جهله وفقره وبطالته لم يهبط على الحكومات المتعاقبة هبوطا اضطراريا من زحل أو المريخ. بل هو محصلة سياسات ممنهجة ونوايا مبيتة غرضها تكريس هيمنة أوليغارشيا متسلطة على حساب مصلحة غالبية من الأوباش والحيوانات الأليفة. إذ تبذل الدولة قصارى جهدها، على امتداد عقود طويلة، في تبني استراتيجيات انتحارية (حيوية من وجهة نظرها) بهدف تعطيل وعرقلة حق الطبقات الشعبية في التعليم لتظل هذه الأخيرة أسيرة

حلقة مفرغة محطاتها الأمية والبطالة والفقر وانعدام الوعي السياسي بأبسط حقوق المواطنة. ترى الدولة في رواد الحضانات وروضات الأطفال براعم إرهابيين خطيرين وقنابل موقوتة تهدد سلاسة انتقال الرأسمال، ليس فقط بمفهومه الاقتصادي بل أيضا بمعناه الثقافي والمعرفي والسلطوي، بين فئة قليلة تتوارثه أبا عن جد. وإيمانا منهم بأن الوقاية خير من العلاج، فإن المسؤولين يتصورون أنه من واجبهم أن يزرعوا الألغام ويضعوا العراقيل بين مراحل التعليم المختلفة بدعوى فلترة مستوى المتعلمين. فتكون النتيجة أن يتوجه الضالون في مراحل التعليم الأولى إلى تكوين تقني مبكر، وأن يشتري المغضوب عليهم في الجامعات من الميسورين دبلوماتهم من مزابل أوروبا الشرقية.

ليس المطلوب من الدولة أن تمنح دبلومات الهندسة وشهادات الدكتوراه لكل سفيه أو معاق ذهني، لكن من واجبها أن تيسر سبل التحصيل العلمي "من المهد إلى اللحد" لكل الراغبين في ذلك من المواطنين دون أن تتصيد الفرص لإقصائهم بدعوى انتهاء مدة صلاحيتهم كلما تقدم بهم العمر أو كلما تربص بهم الفشل بسبب سوء التوجيه و تردي مستوى التأطير.

 

http://gibraltarblues.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة