خطى الربيع العربي

خطى الربيع العربي

 

راجا عبد القادر

سمي ما يمكن أن يطلق عليه من زاوية لغوية محضة حراكا شعبيا بالربيع العربي الذي عاشت على إيقاعه مجموعة من مناطق العالم العربي و ما زالت ريحه الشتوية تهب على بقاع أخرى. قد يرمز الحراك إلى وضعية تتسم بالحركية الدائمة أو العابرة لها تأثيراتها و ضريبتها، وبهذا فالحراك و الربيع يقاسمان نفس الحمولة الرمزية المتجسدة في الحركية، لكن الربيع لا يترك وراءه إلا الخصب و الحياة ولا تجر ذيوله خيوطا من دم ولا ينتحر وسط برك حمراء، بل يبقى الربيع ذلك الغطاء الأخضر الدافئ الذي ترتديه مختلف مكونات الطبيعة بعد أن تخلع بحياء أوراقها وتغير قسمات وجهها الشاحب.

وﺇن كانت الطبيعة تخشى التكرار وتطوق إلى خلع ملابسها من حين ﻵخر ووضعها على مشجب مختلف طبعا، فالإنسان لا يحدو غير حدو الطبيعة التي تحيط به، فبطبيعته الإنسان يسعى إلى نسيان وتغيير روتين الأمس كما تغير المرأة مكان سرير نومها من فصل لأخر لكي لا تذبل ورود زواجها الجميل. جميلة تلك الرياح التي ما فتأت تهب على الواقع العربي و جميل هو ذلك الربيع الذي ما زال يكسو في سخاء جميل الجسد العربي المرتعد من برد الشتاء القارص. هبت رياح الربيع على بلد المعزوزي الذي وطأت قدماه بساط الربيع في البدء واستطاعت أن تسدل الستار على سنوات من القحط السياسي ببلد رفض رئيسه المخلوع الوقوف أمام القضاء ولو بشكل رمزي فاختار الرقود على سرير المرض عوض الوقوف على أرجله التي استقامتا على كرسي الحكم لثلاثين سنة، وحل الربيع ببلدان أخرى. لكن رياح التغيير طالت كذلك أرواح الأبرياء وشردت أناسا و أدمت شوارع و مناطق عدة وعذبت أجساد أطفال و شيوخ ليس بينهم وبين الحروب إلا الخير و الإحسان .وأمام الزلزال العربي كما وصف لم تجد بعض الدول الغربية بدا من التدخل بفرض عقوبات على بلدان التوتر أو التدخل العسكري بدعوى حماية المدنيين و إدانة سياسة القمع التي يعيش على إيقاعها الشارع العربي الساخن، و من هذه الدول من أصبحت في الواجهة كفرنسا التي أبدع رئيسها فرنسية عاطفية و متقطعة حين حل بليبيا للتعبير عن دعمه لكل الليبيين وللمجلس الانتقالي الذي لم يتوصل بعد إلى تكوين حكومته؛ غير أن المدافعين عن المدنيين و الديمقراطية سكتت ألسنتهم عندما لوح عباس أبو مازن

بلافتة طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين من أجل إدانة ما تقترفه إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني الصامد ووقف سياسة الاستيطان السرطاني الإسرائيلي . في المغرب الذي عرف ثورة خضراء كما قيل استطاع الشارع المغربي أن بتحرك من أجل المطالبة بإصلاحات سياسية و اجتماعية واقتصادية جادة وهادفة استجيب لها بإطلاق أوراش الإصلاحات التي دشن بدايتها دستور 2011. و استطاع المغرب كذلك تحقيق مجموعة من المكاسب غير أن الطريق مازال طويلا وما زالت مجموعة من الملفات في حاجة إلى وقفات تاريخية كاستقلال القضاء والصحة و تفعيل آلية محاربة الفساد في مختلف تجلياته علاوة على تكريس و احترام ثقافة حقوق الإنسان. ويبقى تنزيل الدستور الذي يعد بصدق محطة تاريخية كفيلا بوعي جميع المتدخلين من أحزاب سياسية ومجتمع مدني بأهمية التغيير وضرورة احترام خصوصيات الظرفية وتطلعات المغاربة. طبعا لن يختلف إنتان في أهمية ما يعرفه العالم العربي من تغييرات لكن الأهم ليست الثورات في حد ذاتها بقدر ما تكمن الأهمية في واقع ما بعد الثورة لأن الانتقال الديمقراطي و القطع مع سلوكيات الأمس لن تجد طريقها إلا بتكوين أنظمة و حكومات جادة في مبعد عن أي اعتبارات وحسابات غير اعتبارات الشعب و تطلعاته و بهذا يمكن أن نفدي ولو بشكل مجازي البصمات الحمراء لخطى الربيع الجميل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة