بوسحابة يكتب: من قلب العيون.. الاستقلال يرسم مشهدا للتاريخ برسائل قوية تتجاوز حسابات الانتخابات
أكثر من 60 ألف مناضل ومناضلة في قلب العيون... هكذا اختار حزب الاستقلال أن يرفع سقف الحملة الانتخابية، بمشهد جماهيري ضخم يتجاوز في دلالاته مجرد التنافس على مقاعد برلمانية. فعندما تحتشد عشرات الآلاف من أبناء الأقاليم الجنوبية في تجمع سياسي واحد، تزامناً مع انطلاق الاستحقاق التشريعي الوطني، فإن حجم المشاركة يفرض قراءة أوسع من الحسابات الحزبية، لأن هذا الحضور يعكس انخراطاً قوياً في الحياة السياسية، ومشاركة فعلية في الانتخابات والعمل الحزبي والمؤسسات الوطنية، بما يؤكد أن سكان المنطقة فاعلون في صناعة نخبهم واختياراتهم ومستقبلهم من داخل مؤسسات الدولة.
وهذه الرسالة تكتسب وزنا مضاعفا لأن مصدرها العيون، عاصمة الأقاليم الجنوبية، وفي توقيت سياسي شديد الدلالة. فالصحراء لم تعد مجرد موضوع للنقاش السياسي الوطني، وإنما أصبحت فاعلا داخله، لها نخبها وأحزابها وممثلوها وانتظاراتها ووزنها في صناعة التوازنات المؤسساتية. ومن هذه الزاوية، فإن مشهد أكثر من 60 ألفا لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره نجاحا تنظيميا للاستقلال، بل باعتباره صورة سياسية تؤكد قوة الانخراط في المسار الوطني، وتوجه رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن الأقاليم الجنوبية توجد في قلب الحياة السياسية والمؤسساتية للمملكة. وبالنسبة لكل الجهات التي تتابع ملف الصحراء، فإن مثل هذه الصور تكتسب أهميتها من كونها تعكس ما يجري على الأرض: مشاركة سياسية، انتخابات، أحزاب، مؤسسات، ونخب محلية تنخرط في صناعة مستقبل المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم الرسائل التي حملها خطاب نزار بركة من العيون، خصوصا حين وضع الحكم الذاتي والتنمية والتمثيلية السياسية ضمن عناوين المرحلة المقبلة. فالمغرب، بعد تراكم الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا وذا مصداقية، يواجه اليوم سؤالا أكثر تقدما: كيف ينتقل هذا الخيار من مستوى التصور السياسي والدبلوماسي إلى واقع مؤسساتي وتنموي أكثر تجسيدا؟ والجواب يمر حتما عبر مؤسسات قوية، ومشاركة سياسية واسعة، ونخب محلية مسؤولة، وتنمية تستجيب لانتظارات السكان، بما يجعل أبناء المنطقة شركاء حقيقيين في صناعة مستقبلها. لذلك فإن الحضور الجماهيري الكبير في العيون ليس مشهدا منفصلا عن هذا المسار، بل جزء من صورة أوسع تؤكد أن سكان الأقاليم الجنوبية يمارسون مواطنتهم من داخل المؤسسات، و يعبرون عن مطالبهم واختياراتهم عبر السياسة والانتخابات.
أما الرسالة السياسية الأهم، فهي أن الانتخابات مناسبة، لكن المشهد أكبر من الانتخابات. فالداخل مطالب اليوم بأن يتعامل مع الأقاليم الجنوبية باعتبارها ورشا وطنيا متكاملا، لا مجرد دوائر انتخابية، وعلى الأحزاب أن تقدم تصورات حقيقية للتشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والتنمية والتمثيلية، لأن المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما بمدى قدرة المؤسسات والنخب على مواكبة التحولات التي تعرفها المنطقة. وفي المقابل، فإن الخارج، وكل من يتابع قضية الصحراء، أمام صورة سياسية ومؤسساتية يصعب تجاهلها: عشرات الآلاف من المواطنين ينخرطون في الحياة السياسية الوطنية، والمؤسسات تعمل، والأحزاب تتنافس، والسكان يشاركون في تحديد ممثليهم وصناعة مستقبل منطقتهم. وهي رسالة هادئة في شكلها، لكنها قوية في مضمونها، لأنها تنقل النقاش من الخطابات إلى الواقع المعيش على الأرض.
قد تحسم صناديق الاقتراع في 23 شتنبر من يفوز ومن يخسر، وقد تتغير موازين القوى بين الأحزاب، لكن صورة أكثر من 60 ألفا في قلب العيون ستبقى، في تقديري، أكبر من نتيجتها الانتخابية المباشرة. لقد قدم حزب الاستقلال من خلال هذا المشهد صورة تتجاوز حساباته الحزبية، صورة تقول إن الأقاليم الجنوبية حاضرة بقوة في قلب الدولة ومؤسساتها وحياتها السياسية، وإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من مجرد الدفاع عن خيار الحكم الذاتي إلى التفكير الجدي في شروط تنزيله وترسيخه عبر التنمية والتمثيلية والمشاركة. وهنا بالضبط تكمن دلالة العيون: مشهد جماهيري ضخم، لكنه يحمل في عمقه سؤالا أكبر بكثير من الانتخابات، عنوانه من يصنع مستقبل الصحراء؟ والجواب، كما تقول الصورة، يبدأ من سكانها ومؤسساتها ومشاركتهم الفعلية في صناعة القرار.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.