أخبارنا المغربية – عبد الإله بوسحابة
في لحظة دولية دقيقة يتراجع فيها منطق الشعارات الفضفاضة لصالح منطق الحلول القابلة للتنفيذ، جاء تفاعل منتدى فورساتين (المهتم بقضايا مخيمات تندوف) مع لقاء مدريد الأخير ليعكس قراءة متقدمة لمسار ملف الصحراء، قراءة ترى في هذه المشاورات أكثر من مجرد جولة دبلوماسية عابرة، بل منعطفًا حاسمًا يؤشر على دخول النزاع مرحلة جديدة عنوانها الواقعية السياسية والتنزيل العملي. المنتدى اعتبر أن لقاء مدريد شكّل اختبار قوة وفرزًا واضحًا بين مشروع متكامل الحلول تقوده مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وبين أطروحات استنفدت زمنها ولم تعد قادرة على الصمود أمام التحولات الدولية المتسارعة.
وارتباطا بما جرى ذكره، أوضح المنتدى أن الجديد في لقاء مدريد لا يقتصر على إعادة التأكيد السياسي على مركزية مبادرة الحكم الذاتي، بل يتجلى أساسًا في تثبيتها عمليًا كمرجعية وحيدة للنقاش، بعدما قُدمت في وثيقة رسمية محيّنة، لا كمقترح قابل للأخذ والرد، بل كأساس للعمل المشترك. وهو تحول نوعي في لغة التعاطي مع الملف، يعكس انتقال المجتمع الدولي من مرحلة الترافع النظري إلى منطق التشريع ثم الإعداد التقني للتنزيل، في اعتراف ضمني بأن الزمن تجاوز الأطروحات البالية التي ظلت جبهة البوليساريو تلوّح بها لعقود.
في مقابل ذلك، سجل منتدى فورساتين أن جبهة البوليساريو تعيش منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 حالة تخبط سياسي متصاعدة، تجلت في تناقض مواقفها وتسارع تراجعاتها. فبعد رفض القرار الأممي عند صدوره والتحريض ضده، وجدت الجبهة نفسها، في ظرف وجيز، خاضعة للضغط الأمريكي، مشاركة في جولة أولى بالولايات المتحدة ظهرت خلالها عاجزة عن تقديم أي طرح بديل أو تصور عملي، قبل أن تعود، بعكس خطابها الدعائي، للمشاركة في جولة مدريد، في تناقض صارخ بين ما يُقال داخليًا وما يُمارس فعليًا على طاولة المشاورات.
هذا التناقض، بحسب المنتدى، لم يعد خافيًا على ساكنة مخيمات تندوف، خاصة في ظل عجز قيادة البوليساريو عن مصارحة الساكنة بحقيقة ما يجري. ومع خروج بعض التسريبات، وإن كانت محدودة، بدأ يتشكل وعي متزايد داخل المخيمات بأن القيادة تفعل عكس ما تقول، وتواصل تضليل الأتباع خوفًا من صدمة داخلية باتت ملامحها واضحة، في ظل تنامي المطالب بإنهاء هيمنة نفس الوجوه وتجديد القيادة بما يستجيب لتحولات المرحلة.
وأشار المنتدى إلى أن الانفتاح التكنولوجي كسر تدريجيًا جدار العزلة، وجعل ساكنة المخيمات أكثر وعيًا بمصيرها وأكثر قدرة على التمييز بين من يدافع عن مصالحها ومن يوظف معاناتها. وقد وصلت مخرجات لقاء مدريد إلى المخيمات، حيث بات الصغير قبل الكبير يدرك أن أحد أبرز نتائج اللقاء يتمثل في الاعتراف الرسمي بأن مبادرة الحكم الذاتي هي الوثيقة الوحيدة المعتمدة للنقاش من طرف جميع الأطراف، بما في ذلك الجزائر، وهو ما شكّل منعطفًا نفسيًا وسياسيًا داخل المخيمات.
في ذات السياق، أشار المنتدى أن أوساط داخل المخيمات تداولت حديثًا عن إمكانية إحداث لجنة تقنية دائمة، بإشراف أمريكي-أممي، تُعنى بتفصيل تنزيل الحكم الذاتي على المستوى العملي، من قضايا الضرائب والقضاء إلى الأمن المحلي والتدبير الإداري. وهي مؤشرات، بحسب ذات المصدر، تعزز القناعة بأن الملف تجاوز مرحلة العموميات ودخل مرحلة التفاصيل، بما يحمله ذلك من آمال لدى ساكنة أنهكتها سنوات الانتظار في فيافي لحمادة الجزائرية.
كما سجل منتدى فورساتين بروز دور متزايد للمثقفين و الأطر الصحراوية داخل المخيمات، الذين باتوا يجاهرون برفضهم لاستمرار الوضع القائم، ويدعون إلى عدم تضييع ما يعتبرونه فرصة تاريخية. هؤلاء يواكبون المفاوضات وينقلون معطياتها للساكنة بلغة مبسطة، موضحين أن القانون الدولي لا تحسمه الشعارات، بل القدرة على الجمع بين الشرعية والواقعية، وهو ما نجح فيه المغرب عبر ربط تقرير المصير بالحكم الذاتي، وفرض منطق التنفيذ بدل استفتاء ثبت فشله و استحالته.
وختم المنتدى رسالته بالتأكيد على أن التحول الأبرز في هذه المرحلة يتمثل في كون الدفاع عن الحكم الذاتي لم يعد حكرًا على الخطاب المغربي الرسمي، بل أصبح صادرًا من داخل مخيمات تندوف نفسها. رجال ونساء وشيوخ، بدوافع تتراوح بين البراغماتية والعاطفة والانتماء والهوية، باتوا يعتبرون الحكم الذاتي الخيار الأكثر واقعية لإنهاء معاناة دامت عقودًا، واستعادة القرار من قيادة يتهمونها بالارتهان لأجندات خارجية والاستفادة من استمرار النزاع على حساب مستقبل أجيال كاملة.
