قانون المالية يضع حكومة تصريف الأعمال أمام اختبار دستوري.. هل تفرض الضرورة انتظار تنصيب حكومة المنصوري؟

قانون المالية يضع حكومة تصريف الأعمال أمام اختبار دستوري.. هل تفرض الضرورة انتظار تنصيب حكومة المنصوري؟

يسود كثير من الغموض بخصوص حدود صلاحيات حكومة تصريف الأعمال عندما تتزامن المرحلة الانتقالية مع استحقاقات دستورية لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها إعداد قانون المالية. ويكتسي هذا الإشكال راهنية خاصة في ضوء الإعلان، مساء أمس الاثنين، عن التحالف الحكومي الجديد الذي يضم حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري إلى جانب كل من الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، بالتزامن مع انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب زوال اليوم الثلاثاء، واقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027.

وبينما تتقدم ترتيبات تشكيل الحكومة الجديدة، يطرح احتمال استمرار حكومة عزيز أخنوش في وضعية تصريف الأعمال إلى حين استكمال إجراءات التنصيب سؤالاً يتجاوز تدبير المرحلة الانتقالية إلى صميم التأويل الدستوري: هل يمكن أن تتحول القيود المفروضة على الحكومة المنتهية مهامها إلى عائق أمام استمرارية الدولة، أم أن الضرورة قد تبرر تدخلاً استثنائياً لتفادي تعثر المسار المالي؟ هذا هو الإشكال الذي ينطلق منه الدكتور سليمان التجريني، الباحث في القانون الدستوري، للدفاع عن إمكانية اتخاذ تدابير استثنائية تفرضها الضرورة، مع التشديد على أن الأمر لا يتعلق بمنح حكومة تصريف الأعمال صلاحيات مفتوحة.

ويستند التجريني في قراءته إلى الفصل 87 من الدستور والمادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13، الذي يضبط نطاق تصريف الأمور الجارية ويستبعد منه تدابير من قبيل المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية. غير أن الباحث يستحضر قرار المجلس الدستوري رقم 15/955 م.د لسنة 2015، الذي أشار إلى ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها، باعتباره أساساً تأويلياً يسمح بمناقشة إمكان تجاوز المنع المعتاد عندما تفرض الظروف ذلك.

وتقوم هذه الأطروحة على أن تصريف الأعمال لا يعني تجميد عمل الدولة، وأن احترام القيود المفروضة على الحكومة ينبغي ألا يؤدي، في ظروف استثنائية، إلى تعطيل التزاماتها الدستورية. لكن الضرورة، وفق هذا المنظور، لا تنشئ اختصاصاً جديداً، ولا تبيح للحكومة المنتهية مهامها ممارسة صلاحياتها كاملة، بل تظل مبرراً استثنائياً يتوقف على قيام حاجة فعلية، وتعذر البدائل القانونية الأقل مساساً بقواعد تصريف الأعمال.

ويعزز الفصلان 75 و77 من الدستور أهمية هذا النقاش، بالنظر إلى تنظيم الأول مسطرة التصويت على قانون المالية وبعض حالات تعذر المصادقة عليه أو تنفيذه، وتأكيد الثاني مسؤولية البرلمان والحكومة عن الحفاظ على توازن مالية الدولة. غير أن هذه المقتضيات، وإن كانت تؤكد ضرورة ضمان استمرارية المالية العمومية، لا تمنح في حد ذاتها تفويضاً عاماً لحكومة تصريف الأعمال لإعداد قانون مالية جديد والمصادقة عليه خارج الضوابط الدستورية.

وعلى هذا الأساس، يرى الطرح الذي يقدمه التجريني أن تعذر تنصيب حكومة فاطمة الزهراء المنصوري قبل حلول الاستحقاق المالي قد يفتح المجال للدفاع عن تدخل استثنائي من حكومة عزيز أخنوش، إذا ثبت أن الانتظار سيؤدي إلى اختلال مالي أو مؤسساتي جسيم. غير أن مشروعية هذا التدخل تظل مرتبطة بضرورة فعلية، وتناسب الإجراء مع الغاية منه، واحترام الاختصاصات والمساطر الدستورية الواجبة في إعداد مشروع قانون المالية والمصادقة عليه وإحالته على البرلمان.

وتكمن النقطة الحاسمة في هذا التحليل في التمييز بين إمكان اتخاذ تدابير تشريعية استثنائية تفرضها الضرورة، وبين الجزم بجواز المصادقة على قانون المالية وتمريره من طرف حكومة تصريف الأعمال. فاجتهاد المجلس الدستوري لسنة 2015 يتيح أساساً للتأويل، لكنه لا يحسم بمفرده في مدى انطباق الاستثناء على مختلف مراحل المسطرة المالية.

وهكذا، لا يتعلق الإشكال بمجرد الاختيار بين انتظار الحكومة الجديدة وضمان استمرارية المالية العمومية، بل بكيفية التوفيق بين مقتضيين دستوريين: عدم تجاوز حكومة تصريف الأعمال حدود اختصاصاتها، وعدم السماح للمرحلة الانتقالية بتعطيل وظائف الدولة. وبينهما، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الضرورة الدستورية قادرة على تبرير تدخل استثنائي في قانون المالية، دون أن تتحول إلى مدخل لتوسيع صلاحيات الحكومة المنتهية مهامها خارج الحدود التي يرسمها الدستور.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.