بوسحابة يكتب: من يستثمر في غضب الناس اليوم.. قد يحصد غضبهم غدا
من كانت تزعجه حكومة عزيز أخنوش، فليتذكر أن الولاية الحكومية شارفت على نهايتها، والانتخابات على الأبواب، وأن حكومة جديدة ستأتي لا محالة. ومن يرى أن حصيلة المرحلة لم تكن في مستوى الانتظارات، فليتقدم إلى الواجهة، وليثبت أن في جعبته ما هو أفضل للبلاد والعباد، فالاختبار الحقيقي ليس في القدرة على انتقاد من سبق، بل في تحقيق الوعود وتحويلها الى إنجازات على أرض الواقع.
السؤال اليوم لا ينبغي أن يبقى أسير ماذا فعل أخنوش؟ وماذا لم يفعل؟، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سيفعل من سيأتي بعده؟ لأن من يرفع سقف الوعود والانتقادات اليوم، سيكون مطالبا غدا بتحمل مسؤولية ما وعد به، ولن يكون من السهل عليه الاحتماء بالتبريرات التي كان يرفض تقبلها من سلفه.
المفارقة أن سنوات من الخطاب السياسي كرست لدى جزء من الرأي العام قناعة بأن حكومة أخنوش لم تنفذ وليس لبرامجها أثر. وقد يكون هذا الخطاب مفيدا في الحسابات الانتخابية، لكنه قد يتحول غدا إلى عبء ثقيل على من سيخلفه. فهل بمجرد رحيل أخنوش سيصبح المغرب سويسرا؟ وهل ستنخفض الأسعار وتتراجع البطالة ومعها كل الإشكالات الاجتماعية بمجرد تغيير اسم رئيس الحكومة؟ بالتأكيد لا.
وهنا تكمن خطورة اختزال أزمات معقدة ومتراكمة في شخص واحد. فمن يقنع الرأي العام بأن المشكلة كلها في حكومة أخنوش، عليه أن يكون مستعدا للإجابة غدا عن سؤال أصعب: ها هي الحكومة قد تغيرت، فلماذا لم تنهي معها جميع المشاكل؟
السياسة ليست مجرد ضرب للخصم، بل تحتاج أيضا إلى تقدير العواقب. فمن يهاجم خصمه اليوم قد يجد نفسه غدا في الموقع نفسه، وعندها سيجد الرأي العام أمامه كل الوعود والانتقادات التي أطلقها بالأمس. ولن يكون مقبولا أن يتحول خطاب الأمس إلى أعذار اليوم.
المسألة ليست دفاعا عن أخنوش، ولا تبريرا لحصيلة حكومته، وإنما تتعلق بمنطق سياسي بسيط: الحكومات تتغير، والأشخاص يرحلون، لكن تحديات الدولة لا تختفي بتغيير الأسماء. ومن يرفع سقف انتظارات الناخبين، عليه أن يكون مستعدا لدفع ثمن تلك الوعود عندما يصبح في موقع المسؤولية.
لذلك، فإن الاستثمار في تأليب الرأي العام ضد الخصم قد يكون مفيدا انتخابيا، لكنه قد يكون مكلفا سياسيا ووطنيا. فمن يزرع في وعي الناس أن تغيير الشخص كفيل بتغيير الواقع، قد يجد نفسه غدا أول من يدفع ثمن هذه القناعة.
وهنا بالضبط تحتاج السياسة إلى الحكمة وبعد النظر: انتقد خصمك، حاسبه، وقدم بديلا، لكن لا تقنع الناس بأن خلاص البلد مرتبط برحيل شخص واحد. لأن الوجوه قد تتغير، لكن الأسئلة ستبقى، والتحديات ستبقى، وسيكون على من وعد بالتغيير أن يقدم الإجابات والنتائج، لا التبريرات.
وعليه، فإن من يزرع الغضب اليوم، عليه أن يتذكر أنه قد يجد نفسه غدا في الموقع نفسه الذي يوجد فيه خصمه اليوم، وعندها لن يكون أمامه سوى مواجهة تبعات ما زرعه بيده.
وفي النهاية، فإن التباري السياسي الحقيقي لا ينبغي أن يقوم على تأليب الرأي العام ضد هذا الطرف أو ذاك، ولا على خطابات شعبوية تستثمر في غضب الناس ومخاوفهم، وإنما على تقديم برامج بديلة، وحلول واقعية، وأفكار قابلة للتنفيذ.
فالناخبون لا يحتاجون إلى مزيد من الخطابات التي ترفع منسوب الغضب، بقدر ما يحتاجون إلى من يقنعهم بأنه يملك القدرة على تغيير واقعهم نحو الأفضل. أما الاكتفاء بتغيير الوجوه وتبديل الشعارات، فلن يغير شيئا في حياة المواطنين، ولن يحل المشاكل التي ستبقى قائمة مهما تغيرت الحكومات والأسماء.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.