بوسحابة يكتب: اقتراع 23 شتنبر يرسم طريق "البام".. أربعة دروس لا تحتمل التأجيل

بوسحابة يكتب: اقتراع 23 شتنبر يرسم طريق "البام".. أربعة دروس لا تحتمل التأجيل

بعد أن يُسدل الستار على الانتخابات التشريعية، بالكشف عن نتائجها النهائية، فإن أول ما ينبغي على حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر لهذا الاستحقاق، أن يضعه نصب عينيه، ليس عدد المقاعد التي حصدها ولا حجم الانتصار الذي حققه، وإنما كيف يحافظ على هذا الرصيد، وكيف لا يحول انتصاره الانتخابي إلى بداية لتآكل الثقة فيه. فالتجربة القريبة للتجمع الوطني للأحرار تقدم درساً بالغ الدلالة: الصدارة قد تُكتسب في محطة انتخابية، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى رصيد دائم، خصوصاً حين تتراكم الأخطاء والهفوات، وتجد المعارضة فيها مادة خصبة لبناء خطاب سياسي قادر على استثمار الغضب وتحويله إلى مكاسب انتخابية. ولعل القفزة التي حققها العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، رغم ما رافق تجربته الحكومية السابقة من انتقادات واسعة، تكشف بوضوح أن أخطاء الخصوم قد تكون أحياناً أفضل وقود للعودة السياسية.

أول درس ينبغي أن يستوعبه "البام" هو ألا يتعامل مع الصدارة باعتبارها تفويضاً مفتوحاً، لأن الـ97 مقعداً التي حصل عليها الحزب تمنحه موقعاً متقدماً، لكنها في المقابل ترفع سقف الانتظارات وتضاعف حجم المسؤولية. فالحزب الذي يصل إلى موقع القيادة يصبح أكثر عرضة للمساءلة، وأقل قدرة على تحميل الآخرين مسؤولية التعثرات. ولذلك فإن المطلوب منذ اليوم الأول هو الاشتغال بمنطق أن كل قرار، وكل وعد، وكل تعثر، سيخضع لاحقاً لحساب سياسي وانتخابي. تجربة الأحرار أثبتت أن امتلاك رصيد انتخابي كبير في بداية الولاية لا يكفي وحده لضمان الاستمرار، وأن الناخب يمكن أن يعيد ترتيب أوراقه عندما يشعر بأن المسافة اتسعت بين ما انتظره وما تحقق على أرض الواقع.

والدرس الثاني، وربما الأخطر، هو أن الهفوات لا تختفي بمجرد تجاوزها زمنياً، بل يمكن أن تتحول إلى ذخيرة سياسية للخصوم. فالعدالة والتنمية، الذي سبق أن قاد الحكومة لولايتين وتعرض بدوره لانتقادات وغضب واسع، استطاع أن يستثمر أخطاء المرحلة السابقة، وأن يبني جزءاً من خطابه على التقاط الهفوات والتركيز عليها، قبل أن يحولها إلى مادة انتخابية. وهنا ينبغي على "البام" أن يتعامل مع كل خطأ بجدية مضاعفة: ليس المطلوب أن تكون المرحلة المقبلة خالية من الأخطاء، فهذا غير واقعي، وإنما المطلوب ألا تتحول الأخطاء إلى تراكم، وألا يسمح الحزب بترك فراغ في التواصل يملؤه الخصوم بتفسيراتهم. فالمعارضة لا تحتاج دائماً إلى تقديم إنجازات استثنائية كي تتقدم؛ أحياناً يكفيها أن تجد أمامها أخطاء متكررة ووعوداً مؤجلة وخطاباً دفاعياً مرتبكاً.

والدرس الثالث أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة الإنجاز قبل الخطاب. فالمواطن لن يبقى طويلاً أسير الشعارات والوعود، وسينتقل سريعاً إلى السؤال عن أثر السياسات العمومية على حياته اليومية، من التشغيل إلى الصحة والتعليم والقدرة الشرائية والخدمات العمومية. ولذلك سيكون على "البام" أن يضع أهدافاً واضحة، وآجالاً محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، حتى لا تتحول الوعود الانتخابية بعد سنوات إلى عناوين للمساءلة. كما أن تدبير التوقعات سيكون حاسماً؛ فالمبالغة في الوعود قد تمنح مكاسب سياسية سريعة، لكنها تخلق في المقابل فجوة يصعب ردمها عندما تبدأ مرحلة التنفيذ. وفي السياسة، لا شيء أخطر من وعد كبير يتحول مع مرور الوقت إلى تذكير دائم بما لم يتحقق.

أما الدرس الرابع، فيتعلق بالتواصل والانضباط السياسي. فالحزب الذي يتصدر الانتخابات لا يمكنه أن يترك خصومه يشرحون قراراته نيابة عنه، ولا أن يتعامل مع كل انتقاد باعتباره استهدافاً سياسياً. المطلوب هو تواصل واضح وهادئ، يشرح القرارات، يقدم الأرقام، يعترف بالتعثر حين يقع، ويُسرع إلى التصحيح قبل أن يتحول الخطأ إلى قضية عامة. وبالموازاة مع ذلك، سيكون على "البام" أن يحذر من تضخم الحزب بعد الفوز، ومن تحول الصدارة إلى جاذب لكل الباحثين عن النفوذ والمواقع؛ لأن توسيع الصفوف دون صرامة في اختيار الوجوه ومراقبة الأداء قد يخلق للحزب مشاكل أكبر مما يضيف إليه من قوة. فالحزب الذي يكبر انتخابياً يحتاج بالقدر نفسه إلى أن يكبر مؤسساتياً وأخلاقياً وانضباطاً.

وفي المحصلة، فإن أكبر درس يمكن أن يخرج به "البام" من هذه الانتخابات هو أن الصدارة لا تحمي صاحبها من المصير نفسه الذي عرفه من سبقه. فصعود "البيجيدي" يقدم مثالاً واضحاً على قدرة حزب متراجع على العودة عندما يجد أمامه أخطاء سياسية يستثمرها، بينما تراجع الأحرار يوضح أن الرصيد الانتخابي، مهما كان كبيراً، يبقى قابلاً للتآكل. لذلك فإن الـ97 مقعداً ينبغي ألا تكون مدعاة للاطمئنان، بل دافعاً إلى مضاعفة الحذر والعمل والإنجاز. فالانتخابات المقبلة لن تبدأ قبل أشهر من موعدها، وإنما بدأت فعلياً مع إعلان النتائج الحالية، وكل خطأ سيقع اليوم قد يتحول غداً إلى شعار انتخابي، وكل إنجاز سيتحقق اليوم سيصبح رصيداً للمستقبل. وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام "البام": أن يتعلم من أخطاء الأحرار قبل أن يجد نفسه، بعد خمس سنوات، موضوعاً لدرس سياسي جديد.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.