بعيدا عن الشعبوية.. القاسم الانتخابي آلية ضد هدر الأصوات وليس ضد إرادة الناخبين

بعيدا عن الشعبوية.. القاسم الانتخابي آلية ضد هدر الأصوات وليس ضد إرادة الناخبين

عاد الجدل حول القاسم الانتخابي والعتبة الانتخابية ليطرح من جديد سؤالا جوهريا حول فلسفة النظام الانتخابي في المغرب، وحدود التوازن بين فعالية المؤسسة المنتخبة وضمان تمثيلية موسعة تعكس التعددية الحزبية.

القاسم الانتخابي آلية لترجمة الأصوات وليس لإنشائها

تشير المعطيات القانونية إلى أن القاسم الانتخابي يمثل تقنية حسابية لاحقة على الاقتراع وفرز الأصوات وإحصائها، غايتها تحديد كيفية تحويل الكتلة الانتخابية إلى مقاعد وفقا للقواعد التي وضعها المشرع.

وفي هذا الصدد، سبق للقضاء الدستوري أن أكد أن اعتماد القاسم على أساس عدد الناخبين المقيدين وعدم اشتراط نسبة معينة للمشاركة في توزيع المقاعد، يندرج ضمن غاية تحقيق تمثيلية موسعة للناخبين وفتح المجال أمام مختلف القوى السياسية للمشاركة في القرار من خلال المؤسسة التشريعية.

وتبرز هذه القراءة أن الإرادة الشعبية تتجسد في المقام الأول في الأصوات التي يدلي بها الناخبون بحرية، ثم في ترجمة هذه الأصوات إلى تمثيل نيابي وفق قواعد قانونية معلومة ومحددة سلفا. 

ومن هذا المنطلق، فإن تقديم القاسم الانتخابي باعتباره آلية لـ"تشويه الإرادة الشعبية" يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الأصوات التي لا تتحول إلى مقاعد ليست أصواتا أقل شرعية.

وتكمن القضية الدستورية والسياسية ليس فقط في عدد المقاعد التي تحصل عليها القوى الكبرى، وإنما كذلك في مدى قدرة النظام الانتخابي على عدم إهدار التعدد السياسي الذي أفرزته صناديق الاقتراع. فالمؤسسة المنتخبة لا تستمد مشروعيتها من كونها أكثر تجميعا للأصوات في عدد محدود من القوى فحسب، وإنما تستمدها أيضا من قدرتها على عكس التعدد الفعلي داخل الهيئة الناخبة.

وقد انصب أثر القاسم الانتخابي على كيفية توزيع المقاعد بين القوى السياسية، مع توسيع نطاق التمثيل البرلماني لبعض الحساسيات السياسية الأقل وزنا انتخابيا.

العتبة الانتخابية بين الفعالية والتمثيلية

أما بخصوص العتبة الانتخابية، فتشير المعطيات إلى أن تقديمها باعتبارها "شرطا بديهيا" لقوة المؤسسة المنتخبة ليس أكثر من افتراض سياسي يحتاج هو نفسه إلى البرهنة.

فالعتبة ليست قيمة دستورية قائمة بذاتها، ولا يمكن تحويلها إلى معيار مطلق لقوة المؤسسة دون فحص أثرها الفعلي على التمثيلية. فإذا كانت تؤدي إلى استبعاد أصوات حصلت عليها لوائح أو تيارات سياسية من عملية توزيع المقاعد، فإن السؤال الموضوعي لا يمكن أن ينحصر في مدى تقليص عدد القوى الممثلة، وإنما ينبغي أن يمتد إلى مدى محافظة النظام على التوازن بين فعالية المؤسسة واتساع دائرة التمثيل.

محاكاة 2016 تؤكد ثبات ترتيب القوى

وتقدم محاكاة لنتائج 2016 معطيات رقمية دالة. فبتطبيق قواعد احتساب سنة 2016 على الأصوات المعبر عنها في اقتراع 2021، كان حزب الأصالة والمعاصرة سيحافظ على المرتبة الأولى، مع فارق يتمثل في حصوله على عشرة مقاعد إضافية، أي 107 مقاعد بدل 97 مقعدا.وهو ما يفيد أنه لا يمكن الحديث عن قلب إرادة الناخبين أو إعادة صياغة اختيارهم، بينما يؤدي تطبيق قاعدة حسابية مختلفة على الأصوات الانتخابية نفسها إلى المحافظة على ترتيب الأحزاب ذاته. 

فما يتغير في هذه الحالة ليس اختيار الناخب وإنما طريقة ترجمة مجموع الاختيارات إلى مقاعد.وتبين المحاكاة نفسها أن تحالف اليسار كان سيحصل، وفق قواعد الاحتساب السابقة، على مقعدين فقط، مقابل ثمانية مقاعد وفق القاسم الانتخابي المعتمد حاليا، وهو ما يبرز أن جزءا من الأثر الفعلي للقاسم يتمثل في استيعاب أصوات وتيارات كانت ستظل ممثلة تمثيلا أضعف.

التعددية ليست تشتتا

وفي قراءة أشمل، يتعين التمييز بين تعددية النتائج وتشتت المؤسسة. فليس كل تعدد تشتتا، كما أن كل تقليص لعدد القوى الممثلة لا يعني بالضرورة مزيدا من الفعالية المؤسساتية.

فالتعددية، متى ظلت محكومة بالقواعد الدستورية والتنظيمية، يمكن أن تكون تعبيرا عن تعدد الإرادات السياسية داخل المجتمع، وهو ما ينسجم مع ما أكدته المحكمة الدستورية بشأن ضرورة وجود نظام انتخابي مكرس للتعددية الحزبية وداعم للتناوب الديمقراطي.

ويبقى السؤال المطروح في خضم هذا النقاش: هل المطلوب نظام انتخابي يركز التمثيل في عدد أقل من القوى، أم نظام يوسع دائرة التمثيل بما يعكس تعدد الحساسيات السياسية؟


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.