بوسحابة يكتب: لماذا لجأ بنكيران مبكرا إلى "التصعيد" قبل ولادة حكومة المنصوري؟

بوسحابة يكتب: لماذا لجأ بنكيران مبكرا إلى "التصعيد" قبل ولادة حكومة المنصوري؟

يطرح عدد من المحللين والمهتمين بالشأن السياسي، بل وحتى المتابعين للمشهد، أكثر من علامة استفهام عريضة حول طبيعة التصعيد الذي لجأ إليه عبد الإله بنكيران، زعيم حزب العدالة والتنمية، تجاه عدد من خصومه السياسيين، وذلك حتى قبل أن تتشكل الحكومة الجديدة أو تبدأ عملها. 

فبنكيران لم يكتف بإعلان اصطفاف حزبه في المعارضة، وهو خيار سياسي مشروع، بل عاد إلى أسلوب ظل حاضرا بقوة في خطابه خلال السنوات الأخيرة، قوامه الهجوم الحاد والتجريح وتوجيه الاتهامات وتقديم الخصوم باعتبارهم جزءا من المشكلة، في مقابل وضع حزبه في موقع الطرف الذي يمتلك وحده القدرة على التشخيص. 

والأكثر إثارة أن هذا الأسلوب لم يكن مجرد رد فعل على نتائج الانتخابات، بل تحول إلى قاعدة في الحملات الانتخابية الأخيرة، حيث جرى توظيف خطاب المظلومية واستحضار منطق "نحن في مواجهة الجميع" لاستمالة قاعدة واسعة من المتعاطفين وإعادة شحن الرصيد السياسي للحزب. ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بسبب اختيار بنكيران للمعارضة، وإنما بسبب استعجاله فتح جبهة المواجهة قبل أن تولد الحكومة أصلا.. وهل بدأ الرجل مبكرا في بناء معركة سياسية تمتد إلى استحقاقات 2027 وربما إلى ما بعد حكومة المنصوري؟

بنكيران، الذي كان يراهن على عودة أقوى للعدالة والتنمية، لم تمنحه صناديق الاقتراع صدارة المشهد، وإن كانت قد أعادت الحزب بقوة إلى البرلمان مقارنة مع انتكاسة 2021. وهذه النتيجة تحمل أكثر من رسالة، فهي من جهة تؤكد استمرار حضور البيجيدي وقدرته على استعادة جزء من قاعدته، لكنها من جهة أخرى لا تعني أن الناخب أعاد إليه موقع القيادة. بل يمكن قراءة جزء منها باعتباره استمرارا لحكم انتخابي على تجربة ولايتين حكوميتين، بعدما دفع الحزب سنة 2021 ثمنا سياسيا ثقيلا. لذلك، فإن التعامل مع النتيجة باعتبارها تفويضا جديدا لإصدار الأحكام على الجميع يبدو قراءة ناقصة.. فالناخب أعاد الحزب إلى المشهد، لكنه لم يمنحه الصدارة، وهذه رسالة يفترض أن تدفع قيادته إلى مراجعة أسباب التراجع بقدر ما تدفعها إلى مهاجمة الخصوم.

اختيار المعارضة في حد ذاته ليس موضع النقاش، وإنما طريقة ممارستها. فمن حق بنكيران أن يرفض المشاركة في الحكومة، ومن حقه أن ينتقد المنصوري ومكونات أغلبيتها، لكن تحويل المعارضة إلى إعلان مبكر عن فشل حكومة لم تتشكل بعد يضع الخطاب السياسي أمام مفارقة واضحة. كيف يمكن محاسبة حكومة على حصيلة لم تبدأ، أو الحكم على وزراء لم يتولوا مهامهم بعد؟ والأهم أن هذا النوع من الخطاب يعيد النقاش إلى منطق قديم يقوم على تقديم الخصوم باعتبارهم أصل المشكلة، دون أن يرافق ذلك بالقدر نفسه اعتراف بما راكمه البيجيدي من أخطاء خلال تجربته الحكومية السابقة. فالمعارضة الجادة لا تحتاج إلى انتظار فشل الآخرين فقط، بل تحتاج إلى أن تشرح للناخب لماذا ستكون خياراتها أفضل، وما البدائل التي تملكها.

وهنا تبرز حسابات 2027 باعتبارها جزءا مهما من تفسير هذا التصعيد. فالسنة الفاصلة عن الاستحقاقات المحلية تمنح بنكيران والحزب فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعبئة القاعدة، واستثمار الحضور البرلماني الجديد في استعادة مزيد من الثقة. وخطاب المظلومية والهجوم على الخصوم يوفر، بلا شك، مادة سهلة للتعبئة، لأنه يعيد إنتاج صورة الحزب المحاصر في مواجهة الجميع. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة واضحة.. فإذا ظل البيجيدي يراهن على استعادة الناخب عبر مهاجمة الآخرين، دون تقديم مراجعة مقنعة لتجربته السابقة وبرامج بديلة، فقد يتحول التصعيد من وسيلة لاستعادة الرصيد إلى غاية بحد ذاتها. أما الاتهامات التي تتجاوز الخصومة السياسية، من خلال ربط خصوم بأجندات أو جهات خارجية، فهي أكثر كلفة، لأنها تنقل النقاش من البرامج والحصيلة إلى الولاءات والنيات، وقد تفتح توترات لا تخدم لا المعارضة ولا صورة النقاش السياسي.

في النهاية، يبدو أن بنكيران اختار أن يبدأ معركته قبل أن تبدأ الحكومة نفسها، وربما لأن حسابات المرحلة المقبلة لا تسمح له بالانتظار طويلا. لكن الرهان الحقيقي لن يكون في عدد التصريحات النارية أو حجم الهجوم على الخصوم، وإنما في قدرة العدالة والتنمية على تقديم معارضة تقنع الناخب بأنها تعلمت من تجربة الحكم، وتملك بدائل حقيقية، وقادرة على مساءلة الحكومة بالأرقام والوقائع بدل إصدار الأحكام المسبقة. فاستعادة الثقة لا تتم فقط بإقناع المتعاطفين بأن الآخرين أخطأوا، وإنما بإقناع الناخب بأن الحزب نفسه تغير. وبين الحكومة المرتقبة واستحقاقات 2027، ستكون أمام بنكيران فرصة لإثبات ذلك.. وإلا فإن التصعيد قد ينجح في إبقاء البيجيدي تحت الأضواء، لكنه لن يكون كافيا وحده لإعادته إلى الموقع الذي كان يطمح إليه.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.