أيوب مشموم: الخطاب الملكي يؤسس لتعاقد سياسي وأخلاقي جديد

أيوب مشموم: الخطاب الملكي يؤسس لتعاقد سياسي وأخلاقي جديد

أكد أيوب مشموم، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، في تصريح لجريدة "أخبارنا"، أن الخطاب الملكي السامي، الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الجديدة، يشكل وثيقة توجيهية ذات أبعاد سياسية ومؤسساتية واستراتيجية عميقة، تتجاوز المناسبة الدستورية لتؤسس لمرحلة جديدة من التدبير العمومي، قوامها النجاعة في الإنجاز، والمسؤولية السياسية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وأوضح مشموم أن الخطاب الملكي حمل رؤية استشرافية واضحة لمغرب المستقبل، من خلال التأكيد على ضرورة الانتقال إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الوطنية، يرتكز على تعزيز السيادة الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، وتأمين الأمن المائي والطاقي والغذائي، والانخراط الفعلي في التحولات التي يفرضها الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

واعتبر أن هذا التوجه يعكس انتقال المملكة من منطق تدبير الإكراهات الظرفية إلى منطق بناء القدرات الاستراتيجية للدولة، بما يضمن تحصين الاقتصاد الوطني أمام التقلبات الدولية، وتعزيز موقع المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وشريك دولي موثوق.

وفي قراءته للبعد الاجتماعي للخطاب، أبرز مشموم أن جلالة الملك جدد التأكيد على أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يشكل غاية في حد ذاته، ما لم ينعكس بصورة ملموسة على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

وشدد في هذا السياق على أن وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية يحمل دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية، باعتبار أن استعادة ثقة الشباب في المؤسسات تظل رهينة بمدى قدرتها على توفير فرص حقيقية للتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي والارتقاء الاجتماعي.

وعلى المستوى الترابي، اعتبر مشموم أن الخطاب الملكي حمل رسالة واضحة بشأن ضرورة الانتقال من الجهوية المتقدمة باعتبارها ورشاً مؤسساتياً إلى الجهوية باعتبارها ممارسة فعلية للسلطة التنموية، من خلال التسريع بتنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، ونقل الاختصاصات والموارد إلى الجهات والأقاليم، وتمكين الفاعلين الترابيين من اتخاذ القرار والاستجابة المباشرة لحاجيات المواطنين.

وأضاف أن هذا التوجيه يعكس إرادة ملكية لتجاوز الاختلالات المرتبطة بمركزية القرار وبطء المساطر، وترسيخ نموذج جديد للتدبير العمومي يقوم على القرب والفعالية والنتائج، بما يجعل المواطن والمجال الترابي محوراً أساسياً لتقييم نجاعة السياسات العمومية.

وفي ما يتعلق بالبعد السياسي والمؤسساتي، أكد مشموم أن من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب الملكي إعادة الاعتبار للوظيفة التمثيلية للبرلمان، من خلال التأكيد على أن الانتداب البرلماني ليس مجرد تفويض انتخابي محدود في الزمن، وإنما التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مستمر بين المنتخب والمواطن.

واعتبر أن هذه الرسالة تكتسي أهمية خاصة في سياق انطلاق ولاية تشريعية وحكومية جديدة، إذ تضع مختلف الفاعلين السياسيين أمام مسؤولية تحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم، وتؤكد أن المشروعية الانتخابية ينبغي أن تتعزز بمشروعية الإنجاز وخدمة الصالح العام.

وعلى الصعيد الدولي، أبرز مشموم أن تأكيد جلالة الملك على الطابع السيادي للشراكات الدولية يعكس نضج المقاربة الدبلوماسية المغربية، القائمة على الاحترام المتبادل وتوازن المصالح والوفاء بالالتزامات، بعيداً عن منطق الضغوط أو العلاقات غير المتكافئة.

واعتبر أن هذه الرؤية تؤكد أن المغرب، وهو يعزز موقعه الاقتصادي والدبلوماسي، يسعى إلى الانتقال من موقع الشريك المتلقي للتوجهات إلى موقع الفاعل القادر على اقتراح نماذج جديدة للتعاون، بما يخدم مصالحه الاستراتيجية ويساهم في تحقيق التنمية والاستقرار الإقليمي.

وخلص أيوب مشموم إلى أن الخطاب الملكي رسم معالم خارطة طريق متكاملة للمرحلة المقبلة، ووضع الحكومة والبرلمان والمؤسسات الترابية والقطاع الخاص أمام مسؤوليات متكاملة، عنوانها الانتقال من منطق البرامج والنوايا إلى منطق الأثر والنتائج.

وأكد أن الرسالة السياسية الأعمق للخطاب تتمثل في أن المغرب الصاعد لا يُقاس فقط بحجم استثماراته ومشاريعه الكبرى، وإنما أيضاً بقدرته على جعل ثمار التنمية محسوسة في حياة المواطنين، وبمدى نجاح مؤسساته في تحويل الثقة إلى إنجاز، والانتماء الوطني إلى مسؤولية، والطموح الجماعي إلى واقع ملموس.

 

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.