الانفصال في الصحراء المغربية... نهاية السير!
نهاية هذا الشهر سيخلد المغرب الذكرى الأولى لعيد الوحدة الذي أقره العاهل المغربي الملك محمد السادس قبل سنة، وينتظر أن تكون خلاصات مجلس الأمن بخصوص قضيته الوطنية تتضمن تقدماً جوهرياً في اتجاه حل هذا النزاع، وأساساً لتجديد التأكيد على كون الحكم الذاتي هو الحل الوحيد الممكن، واتخاذ قرار طال انتظاره بخصوص بعثة المينورسو، إذ لا يعقل استمرار آلية مؤسساتية أممية، تجاوزتها الأحداث، وولايتها توجد في تعارض كلي مع توجهات مجلس الأمن الجديدة.
في هذا السياق، حظيت الصيغة المسربة لمسودة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الموجه إلى أعضاء مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء المغربية، بكثير من الاستفسارات والتأويلات غير الدقيقة بخصوص القضايا التي كانت موضوع تفاوض بين مختلف أطراف النزاع، سواء في مدريد أو واشنطن؛ ولعل أبرز ما توقف عنده البعض، هو موضوع "عودة" الحديث عن الاستفتاء وتشكيل مجلس انتقالي.
دون الخوض في مناقشة كل ما جاء في تقرير غوتيريش، يمكن القول إنه كشف بوضوح أن الأطراف، وفق ما حددها مجلس الأمن (المغرب، الجزائر، موريتانيا والبوليساريو) باشرت فعلياً تنفيذ قرار مجلس الأمن2797، الذي جعل من مبادرة الحكم الذاتي، التي تقدمت بها المملكة المغربية منذ نيسان/أبريل 2007، الأساس الوحيد للمفاوضات، وبالتالي قبول الجزائر والبوليساريو العملي بها، بغض النظر عما يقوم به الطرفان في الجانب الدعائي الموجه أساساً إلى الداخل.
بخصوص الاستفتاء والمجلس الانتقالي، مما ورد في تقرير غوتيريش، فهي مقترحات قدمها المغرب في مبادرة الحكم الذاتي منذ 2007 ويمكن الاطلاع عليها من خلال فقرتين:
الأولى: الفقرة 27، والتي جاءت في إطار الحديث عن مسار الموافقة على نظام الحكم الذاتي وتفعيله، وجاء فيها: "يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديموقراطية. ويعد هذا الاستفتاء، طبقاً للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من لدن هؤلاء السكان لحقهم في تقرير المصير". يذكر هنا أن الصحافة الإسبانية (موقع أتالايار) كشفت بعد جولة المفاوضات في مدريد في شباط/فبراير 2026، وبعدما طلب من المغرب تقديم تفاصيل أكثر عن تصوره للحكم الذاتي، أن مسألة الاستفتاء المشار إليها في الفقرة 28 من مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007، أصبح المعني بها، ليس فقط ساكنة الصحراء ومخيمات تيندوف بل مجموع الشعب المغربي.
الثانية: الفقرة 32، وتضمنت ما يأتي: "بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، يساهم مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف، في تدبير عودة سكان المخيمات إلى الوطن، ونزع السلاح والتسريح، وإعادة إدماج العناصر المسلحة التي توجد خارج تراب الجهة، وكذا في أي مسعى يهدف إلى إقرار هذا النظام وتطبيقه، بما في ذلك العمليات الانتخابية". وهذه القضايا أشار تقرير غوتيريش إلى مباشرة النقاش حولها سواء في مدريد أم في واشنطن.
الملاحظة التي اعتبرها البعض سلبية، واحتفى بها بعض مؤيدي الانفصال، هي الفقرة الأخيرة من الفقرة 10 من تقرير غوتيريش، وهي منسوبة إلى المبعوث الشخصي للأمين العام، والتي جاء فيها: "إن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي ينبغي أن تدعمه ضمانات دولية قوية، وأن أي تسوية للنزاع يجب أن تتضمن عملية تشاور ذات مغزى مع الشعب الصحراوي، وفقاً لمبدأ تقرير المصير"، فإنها لا تتناقض مع ما طرحه المغرب في مبادرة الحكم الذاتي، خاصة ما جاء في الفقرة 27، بل إن المغرب معني بموضوع الضمانات أكثر من الجبهة الانفصالية، وذلك لتأمين عدم تحول الحكم الذاتي، بكل ما يمنحه من سُلَط ومؤسسات، إلى مطية لإعادة إحياء مشروع الانفصال بنفس جديد وشعارات مختلفة. وعلى كل حال، فإن جبهة البوليساريو، قبل أيام، انتقدت بأشد العبارات دي ميستورا، فقط لأنه اعتبر، بشكل واضح لا لبس فيه، أن حل الحكم الذاتي هو الحل الوحيد الممكن للنزاع.
الجبهة لا تزال تتبنى عبارة "تقرير المصير" كشعار إيديولوجي معلب منذ خمسين سنة، بينما الواقع القانوني يؤكد أن الأمم المتحدة لم تضع تقرير المصير في تناقض مع حق الدول في وحدتها الترابية. القرار الأممي 2797 أكد أن الحكم الذاتي المغربي ليس حلاً واقعياً فحسب، بل تجسيد فعلي لحق تقرير المصير ضمن الدولة الموحدة.
سردية الانفصاليين كانت تتمثل في أن الاستفتاء يجب أن يكون ثنائياً: نعم أم لا، استقلال أو اندماج، بينما تجارب تيمور الشرقية وجنوب السودان وكوسوفو أظهرت فشل الاستفتاءات الثنائية، علماً بأن هذه التجارب جرت في غياب اتفاق قبلي للأطراف على الكتلة الناخبة.
في الصحراء، المغرب قبل بالاستفتاء، لكن الخلاف كان حول تعريف الجسم الانتخابي، إذ اعتمدت الأمم المتحدة إحصاء إسبانيا لعام 1974، مما أدى إلى استبعاد آلاف الصحراويين الرحل والمقيمين داخل المغرب. وبالتالي، أصبح ملف كل ناخب محتمل نزاعاً سياسياً وقبلياً في إطار ما عرف بمسلسل تحديد الهوية. بعد سنوات، استوعبت الأمم المتحدة أن العملية غير قابلة للحسم، وهو ما دفع مجلس الأمن منذ 2004 لطلب حل سياسي من الأطراف، وهو ما استجاب له المغرب عبر مقترح الحكم الذاتي في 2007. بالمقابل، تجارب الحكم الذاتي عبر التاريخ مثل أرخبيل أورلاند وتيرول الجنوبي وغرينلاند وكيبيك وفي إسبانيا، حيث توجد 13 منطقة للحكم الذاتي، وحلول مثل اتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا الشمالية، تثبت أن تقرير المصير يمكن استيعابه ضمن الدولة الموحدة وتوسيع الحقوق وليس التفكيك والتجزئة.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.