بوسحابة يكتب: المنصوري تكسب معركة "الخميس".. فهل تكسب رهان جيوب المغاربة قبل انتخابات 2027؟
لم تكن جلسة أمس الخميس مجرد طقس دستوري لمناقشة برنامج حكومي والتصويت عليه، بل كانت مسرحا سياسيا مفتوحا تحولت فيه رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري من موقع المدافعة عن وثيقة إلى موقع المهاجمة لخصوم يعرفون جيدا من أين تؤكل كتف الكلام. في قاعة البرلمان، وأمام كاميرات تنقل السجال مباشرة، اختارت المنصوري أن ترفع السقف، أن تسمي الأشياء بمسمياتها، وأن تواجه فريق العدالة والتنمية تحديدا بخطاب مباشر لا يلتف ولا يجامل، قالت إن خطاب المظلومية لم يعد صالحا وإن تخوين الأحزاب يسيء للمؤسسات، وإن زمن التشكيك في نزاهة الانتخابات حسب المزاج الانتخابي قد ولى.
ولأن السياسة في المغرب صارت تقاس بعدد المشاهدات قبل عدد المقاعد، فقد انفجرت مواقع التواصل مباشرة بعد الجلسة بإشادة واسعة، البعض وصفها بريمونتادا سياسية بلمسة مراكشية، والبعض الآخر اعتبر أنها أخيرا كسرت احتكار البيجيدي لفن الرد والإقناع، وأنها تفوقت عليه في ملعبه التاريخي، ملعب المرافعة الأخلاقية واللعب على وتر المظلومية. وهو توصيف ليس مجانيا، فالبيجيدي ظل لسنوات سيد هذا النوع من الخطاب، واليوم يجد نفسه أمام خصم يتقن نفس الأدوات بلغة أكثر حدة.
لكن دعونا نخرج قليلا من نشوة التصفيق البرلماني وصدى الفيسبوك، لنطرح السؤال الذي لا يحب السياسيون سماعه بعد الانتصارات الخطابية: ماذا بعد؟ هل سيشعر المواطن في سوق الجملة بالدار البيضاء أو في سوق أسبوعي بالحوز أن شيئا تغير في جيبه لأن رئيسة الحكومة كانت بليغة في خطابها عبر البرلمان؟
هذه هي المسافة الخطيرة التي تفصل بين السياسة كعرض فرجوي والسياسة كتدبير يومي، فالمغاربة حفظوا عن ظهر قلب كل الخطب القوية، لكنهم لا يحفظون إلا ما تغير في قدرتهم الشرائية. الانتصار في مواجهة البيجيدي قد يمنح الحكومة جرعة ثقة إضافية داخل الأغلبية، وقد يعيد ترتيب أوراق المعارضة، لكنه لا يخفض سعر الطماطم ولا يخلق منصب شغل ولا يمول دواء مزمنا. بل أكثر من ذلك، كلما ارتفع سقف الخطاب السياسي دون أن يوازيه سقف للإنجاز الملموس، كلما اتسعت الهوة بين المؤسسة والمواطن، وهي الهوة التي اشتكت منها المنصوري نفسها حين قالت إن هذا النوع من الخطاب هو ما جعل المشاركة في الانتخابات ضعيفة.
إن الحكومة الجديدة تعيش اليوم شهر عسل خطابي، حصلت على ثقة 204 نواب مقابل 127، وتملك فرصة ذهبية لتثبت أن القطيعة مع ممارسات الماضي ليست شعارا، لكن هذا الشهر لن يطول. الملفات الثقيلة لا تنتظر البلاغة، ملف الأسعار، ملف التشغيل، ملف الحماية الاجتماعية، ملف التعليم والصحة، كلها ملفات تريد أرقاما ومراسيم وتأشيرات أداء، لا تريد جملا منمقة تحت قبة البرلمان.
والأخطر أن الساعة الانتخابية بدأت تدق مبكرا جدا، فالاستحقاقات المحلية والجهوية على بعد أشهر في العام المقبل، وهي انتخابات لا ترحم، لأنها لا تجرى في بلاطوهات الأخبار، بل في الأزقة و الأحياء والدواوير، حيث يسأل الناس عن الإنارة والواد الحار والنقل والمستوصف. هناك لا ينفع أن تقول لهم لقد هزمنا البيجيدي في المناظرة، سيقولون لك وماذا هزمتم من أجلنا؟ وأي تأخر أو تلكؤ في تنزيل الوعود الانتخابية والبرنامج الحكومي، سيترجم مباشرة إلى عزوف جديد، وإلى عقاب جماعي لكل مكونات الأغلبية، وسيكون البيجيدي أول من يلتقط هذه الهدية.
لقد ربحت المنصوري معركة الخميس، وهذا يحسب لها كزعامة سياسية جديدة تريد أن تفرض إيقاعها. لكن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد، إنها حرب الجيب، وحرب الثقة، وحرب المعيش اليومي. والتاريخ السياسي المغربي علمنا أن الجماهير قد تصفق اليوم لمن يتقن فنون الكلام، لكنها ستعاقبه لا محالة غدا إذا لم يملأ لها القفة.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.