من الكركرات إلى تويزكي.. كيف مهد المغرب لإعادة هندسة معادلة السيطرة والتموقع الاستراتيجي شرق الجدار الأمني العازل؟
هل كانت عملية الكركرات في نونبر 2020 مجرد تدخل ميداني لتأمين المعبر الحدودي، أم أنها شكلت بداية تحول استراتيجي أوسع في طريقة تدبير المغرب للمجال الممتد شرق الجدار الأمني؟ سؤال يطرحه الدكتور محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، في قراءة تحليلية جديدة قدمها لموقع "أخبارنا"، يستعرض من خلالها التحولات العسكرية والجغرافية والأمنية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ويطرح فرضية مفادها أن المملكة ربما تكون قد راكمت، منذ 2020، شروطا ميدانية وجغرافية تمهد لإعادة تشكيل معادلة السيطرة وتدبير هذا المجال، بما قد يفضي مستقبلا إلى إدماجه ضمن منظومة الأمن والدفاع الوطنيين. ويؤكد الطيار أن الأمر يتعلق بقراءة استشرافية تستند إلى مؤشرات متراكمة، وليس بالإعلان عن قرار رسمي مغربي بهذا الخصوص.
وارتباطا بما جرى ذكره، يرى الطيار أن أهمية التحول بدأت تتضح مع أحداث الكركرات، التي لم تكن، بحسب قراءته، مجرد عملية لإعادة فتح معبر تجاري، بل محطة كشفت انتقال المغرب إلى مقاربة تربط بين الأمن الترابي وحماية الممرات الاستراتيجية وضمان التواصل مع العمق الإفريقي. وزادت هذه المعادلة وضوحا مع التطورات التي شهدتها منطقة تويزكي سنة 2021، وما رافقها من تعزيز الحضور الأمني وتوسيع نطاق الاهتمام بالمحاور الجنوبية، وصولا إلى مناطق كرارة العربي والأبعاج وطارف بوهندة وركزيز، فضلا عن محاور الزاك والمحبس. ويعتبر أن أهمية هذه التحركات لا تكمن فقط في المواقع التي شملتها، وإنما في الامتدادات الجغرافية التي تكشفها، وما تطرحه من انتقال محتمل من تدبير التهديدات في نقاط معزولة إلى تصور أوسع لمراقبة المجال وتأمين محاوره وحدوده.
وفي هذا الإطار، يستحضر الطيار معطيات تقرير الأمين العام للأمم المتحدة S/2021/843، الذي تحدث عن إنشاء حاجز رملي جديد بمنطقة الكركرات بطول يقارب 20 كيلومترا، وتعزيز الوجود المغربي في مساحة تقدر بنحو 40 كيلومترا مربعا، إلى جانب تطورات مرتبطة بالتحركات العسكرية والاستطلاع الجوي.
ومن أبرز ما يلفت إليه رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية البعد الجغرافي لهذا التحول، إذ يقدر المجال الواقع شرق الجدار الأمني بنحو 53 ألفا و200 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 20 في المائة تقريبا من مجموع مساحة الصحراء، وهي مساحة تتجاوز مجتمعة مساحة الكويت ولبنان وقطر بنحو 33 في المائة، وفق المقارنات الواردة في دراسته. ولا يتعلق الأمر، في نظره، بمجرد أرقام جغرافية، بل بمجال واسع ذي حساسية استراتيجية، بالنظر إلى امتداداته الحدودية وعلاقته بموريتانيا والجزائر، فضلا عن ارتباطه بالممرات التجارية واللوجستية المؤدية إلى العمق الإفريقي.
كما يتوقف ذات المتحدث عند مؤشرات ميدانية تتعلق بامتدادات الحواجز الدفاعية والمسافات الفاصلة عن بعض الحدود، معتبرا أن قراءة هذه المعطيات مجتمعة تفرض تجاوز النظرة التقليدية التي تحصر المنطقة في كونها مجالا خاضعا لترتيبات عسكرية مرتبطة بوقف إطلاق النار، والنظر إليها باعتبارها جزءا من معادلة أوسع للأمن الإقليمي. ويضيف أن التطور التكنولوجي، خاصة استخدام الطائرات المسيرة وأنظمة الاستشعار والمراقبة عن بعد، أصبح عاملا حاسما في إعادة تشكيل البيئة العملياتية، بعدما بات التفوق في تدبير المجال لا يرتبط فقط بالانتشار العسكري، وإنما أيضا بالقدرة على الرصد وتحليل المعطيات والاستجابة للتحركات.
ولا يفصل الطيار هذه التحولات الميدانية عن السياق السياسي والدبلوماسي الذي عرفه ملف الصحراء المغربية منذ أواخر 2020، بدءا من الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، مرورا بتطور مواقف فرنسا وإسبانيا الداعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وصولا إلى التحولات التي حملتها قرارات مجلس الأمن، وما أفرزته من نقاش متجدد حول مستقبل التسوية السياسية. كما يربط ذلك بالمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، التي تمنح المجال الجنوبي للمملكة قيمة استراتيجية إضافية، باعتباره ممرا مرتقبا للربط التجاري والاقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي.
ومن هذا المنظور، فإن تأمين المجال شرق الجدار لا يقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية، بل يتصل أيضا بحماية الممرات الاستراتيجية ومواجهة مخاطر التهريب والجريمة المنظمة والاضطرابات الأمنية بمنطقة الساحل، بما يجعل الأمن والتنمية والامتداد الإفريقي عناصر متداخلة في التصور المستقبلي للمنطقة.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة مع دخول ملف المينورسو مرحلة جديدة، عقب عدم تجديد مجلس الأمن ولاية البعثة في 30 أكتوبر 2026 وانتهاء ولايتها في اليوم الموالي، وما أعقب ذلك من إجراءات لإنهاء عملياتها وسحب مكوناتها. وهنا يطرح الطيار سؤالا استراتيجيا يتجاوز مصير البعثة الأممية ذاتها: هل نحن أمام انتقال تدريجي من منطق الترتيبات المؤقتة التي حكمت المنطقة منذ 1991 إلى مقاربة أمنية أكثر ارتباطا بمتطلبات الأمن والدفاع الوطنيين للمغرب؟ لكنه يشدد، في المقابل، على ضرورة عدم الخلط بين انتهاء ولاية المينورسو والإلغاء التلقائي لاتفاق وقف إطلاق النار أو الترتيبات القانونية المرتبطة به.
وخلص الطيار إلى أن تراكم المؤشرات الميدانية والجغرافية والدبلوماسية منذ 2020 يفتح المجال أمام فرضية مرحلة استراتيجية جديدة، قد تعيد صياغة طريقة تدبير المجال شرق الجدار، مؤكدا أن الرهان الحقيقي في مرحلة ما بعد المينورسو لن يتعلق فقط بما تغير على الأرض، بل بطبيعة المنظومة الأمنية والمؤسساتية التي يمكن أن تؤطر مستقبل هذا المجال.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.