يوم الحساب.. اليوم الذي تُكشف فيه الأعمال ويقف كل إنسان أمام مصيره

يوم الحساب.. اليوم الذي تُكشف فيه الأعمال ويقف كل إنسان أمام مصيره

يُعدّ يوم الحساب من أعظم أحداث يوم القيامة، إذ يقف الخلق بين يدي الله تعالى ليُحاسَبوا على أعمالهم في الحياة الدنيا، ويُجازى كل إنسان بما قدّم من خير أو شر، في يوم لا تخفى فيه خافية. وقد أكدت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية ثبوت الحساب، ودعت المسلم إلى الاستعداد له بالإيمان والتقوى والعمل الصالح.

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87].

ويُسمّى يوم القيامة بهذا الاسم لأن الناس يقومون من قبورهم للقاء ربهم، وهو يوم عظيم تشتد فيه الأهوال، وتتغير فيه أحوال الكون، ويقف الناس للحساب والجزاء.

ما المقصود بالحساب يوم القيامة؟

الحساب هو إطلاع الله تعالى عباده على أعمالهم التي قدموها في الدنيا، وتعريفهم بما لهم وما عليهم، وإقامة الحجة عليهم، ثم مجازاتهم بالعدل والفضل والرحمة.

وقد ورد ذكر الحساب في مواضع عديدة من القرآن الكريم، منها قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 27].

وتتجلى أهمية الإيمان بهذا اليوم في تذكير الإنسان بمسؤوليته عن أعماله وأقواله، وحثه على الابتعاد عن الظلم والمعاصي، والإكثار من الطاعات وأعمال الخير.

أدلة الحساب من القرآن الكريم والسنة النبوية

وردت أدلة كثيرة تثبت الحساب يوم القيامة، من بينها قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 17].

وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ۝ وَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-9].

وتوضح هذه الآيات أن الناس يتفاوتون في أحوالهم يوم القيامة، فمنهم من يُحاسَب حسابًا يسيرًا، ومنهم من يواجه حسابًا عسيرًا.

وفي الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ». متفق عليه.

وعندما سألت عائشة رضي الله عنها عن الحساب اليسير المذكور في القرآن، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود به العرض، أي عرض الأعمال على العبد، وليس التدقيق والمناقشة في كل عمل.

ما الفرق بين الحساب اليسير وحساب المناقشة؟

الحساب اليسير هو عرض أعمال العبد عليه دون استقصاء ومناقشة لكل صغيرة وكبيرة، وهو ما يُرجى للمؤمن بفضل الله ورحمته.

أما حساب المناقشة، فيعني التدقيق في الأعمال واستقصاء تفاصيلها، وقد بيّن الحديث النبوي خطورته، ولذلك ينبغي للمسلم أن يسأل الله العفو والمغفرة، وأن يحرص على التوبة ورد الحقوق إلى أصحابها.

كيف يستعد المسلم ليوم الحساب؟

الاستعداد ليوم الحساب لا يكون بمجرد تذكر الموت والآخرة، بل يقتضي أن ينعكس الإيمان به على سلوك الإنسان وحياته اليومية، ومن أهم وسائل الاستعداد:

- محاسبة النفس: مراجعة الأقوال والأفعال وتصحيح الأخطاء قبل أن يأتي يوم الحساب.

- المحافظة على الفرائض: أداء الصلاة وسائر الواجبات الشرعية، والحرص على الإخلاص في العبادة.

- التوبة من الذنوب: الإقلاع عن المعاصي والندم عليها والعزم على عدم العودة إليها.

- رد المظالم: إعادة الحقوق إلى أصحابها، والتحلل ممن وقع عليهم الظلم، ما أمكن.

- الإكثار من أعمال الخير: مساعدة المحتاجين، وصلة الرحم، والصدقة، وحسن معاملة الناس.

- مراقبة المال: الحرص على اكتسابه من الحلال وإنفاقه فيما ينفع، إذ يُسأل الإنسان عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه.

وقد نُقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا».

العبرة من الإيمان بيوم الحساب

إن الإيمان بيوم الحساب يذكّر المسلم بأن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف، وأن كل عمل، مهما بدا صغيرًا، له أثر ومسؤولية. وهو يدعوه إلى العدل والإحسان، والابتعاد عن الظلم، وعدم الاغترار بمتاع الدنيا الزائل.

وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].

لذلك، فإن خير ما يستعد به الإنسان لذلك اليوم هو الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والتوبة المستمرة، وحفظ حقوق العباد، مع حسن الظن بالله تعالى والرجاء في رحمته ومغفرته.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.