أخبارنا المغربية ــ عبدالفتاح عدلي
مع حلول كل شهر فضيل، تمتلئ مساجد المغرب بالمصلين من مختلف الأعمار والمشارب، في مشهد ينم عن تدين فطري متجذر. لكن، وبدلاً من أن يكون هذا الإقبال فرصة للاحتفاء والترغيب، يطل علينا بعض الوعاظ والفقهاء بخطاب "توبيخي" يجلد المصلين الذين لا يظهرون إلا في رمضان، واصفين إياهم بـ"عباد رمضان". هذا النمط من الخطاب ينم عن "استعلاء ديني" يضع الفقيه في مقام الوصي على ضمائر الناس، ويحول بيوت الله إلى أندية مغلقة لا يدخلها إلا "المنتظمون"، وهو ما يتنافى مع شمولية الرحمة الإلهية.
سيكولوجية "العائد" وصدمة النقد
إن الشخص الذي يقرر التصالح مع الصلاة في رمضان، غالباً ما يأتي بقلب منكسر ورغبة في التغيير. حين يصطدم هذا الشخص بفقيه ينتقد "موسميته"، فإنه يتلقى رسالة سلبية مفادها أن "توبتك مؤقتة وغير مقبولة". إن هذا "التبخيس" للمجهود الروحي يساهم في تنفير الشباب خاصة، ويخلق هوة سحيقة بين المؤسسة الدينية والواقع الاجتماعي، فبدل أن يكون رمضان "جسراً" للاستمرارية، يحوله خطاب اللوم إلى "محطة" لجلد الذات ثم الهروب.
الخصوصية المغربية و"بركة الزمان"
يتميز التدين المغربي بارتباطه بـ"البركة" والمناسبات الكبرى؛ فالمغاربة يقدسون رمضان كزمن استثنائي للتطهر. إن انتقاد هذا الإقبال هو سوء فهم لتركيبة الشخصية المغربية التي ترى في رمضان "فرصة سنوية" لإعادة ترتيب الأوراق مع الخالق. إن دور الفقيه الحقيقي في بيئة كالمغرب هو استثمار هذا "الزخم الشعبي" لتحويله إلى سلوك مدني وأخلاقي مستدام، وليس السخرية من مصلين اختاروا العودة إلى المسجد ولو لشهر واحد في السنة.
البديل المطلوب (من الوصاية إلى الاحتواء)
إن ما يحتاجه الفضاء الديني المغربي اليوم هو الانتقال من فقه "اللوم" إلى فقه "الاستيعاب". على الدعاة والفقهاء أن يدركوا أن "رب رمضان هو رب بقية الشهور"، لكن الطريق إليه قد يبدأ بساجدٍ في ليلة القدر. المطلوب هو خطاب يفتح أبواب الأمل، يبتعد عن التصنيفات الإقصائية، ويركز على جودة الاستقبال. فالمسجد ليس ملكية خاصة لمن يصلي الفجر في جماعة طوال السنة، بل هو ملاذ لكل من ضاقت به السبل ووجد في رمضان محطة للراحة والسكينة.
