أخبارنا المغربية - عبد الفتاح عدلي
في محكم التنزيل، وبكلمات موجزة تحمل في طياتها أسرار الوجود، قرر الخالق سبحانه قاعدة ذهبية لتربية النفس وصيانة الجسد بقوله: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. لم يأتِ الصيام في التشريع الإسلامي كعقوبة أو حرمان، بل جاء بوصفه "خيراً مطلقاً" يتجاوز حدود الزمان والمكان. إنه دعوة ربانية للخروج من ضيق العادات المادية إلى سعة الروح، ومن فوضى الاستهلاك إلى انضباط التقوى، ليؤكد لنا الوحي أن في هذا المنع الظاهري عطاءً باطنياً لا يدركه إلا أولو الألباب.
الخيرية الروحية وتزكية النفس
تتجلى خيرية الصيام في كونه أعظم مدرسة لتربية الإرادة. فحين يمتنع الصائم عن المباحات طاعةً لربه، فإنه يعلن سيادته على غرائزه، ويتحرر من أسر العادات التي تستعبد النفس. هذا الانقطاع المؤقت عن الماديّات يمنح الروح فرصة للتحليق، ويحول الجوع من ألم جسدي إلى طاقة إيمانية تُهذب الأخلاق وتغرس صفة المراقبة الذاتية، وهو جوهر التقوى التي هي الثمرة الكبرى للصيام.
"إن كنتم تعلمون".. أسرار الطب الحديث
تأتي الخاتمة المعجزة للآية لتقرع أجراس البحث العلمي. فقد كشف الطب الحديث أن الصيام هو "المشرط" الذي يجري عمليات التنظيف الداخلي دون جراحة. فمن خلال عملية "الالتهام الذاتي" (Autophagy)، يقوم الجسم بالتخلص من النفايات الخلوية والبروتينات التالفة، مما يجدد المناعة ويقي من أمراض العصر. إن "الخير" الذي تحدثت عنه الآية قبل قرون، يفسره العلم اليوم بأنه إعادة ضبط للجهاز الهضمي، وتنقية للدماء من السموم، ومنح أعضاء الجسم استراحة بيولوجية هي أحوج ما تكون إليها.
البُعد الإنساني والاجتماعي
لا تكتمل خيرية الصيام إلا بآثاره الاجتماعية؛ فهو العبادة التي توحد الأمة في الشعور والممارسة. في الصيام، يختبر الغني مرارة الجوع التي يعيشها الفقير، فتتحرك كوامن الشفقة والمواساة. هذا "الخير" الاجتماعي يحول المجتمع إلى جسد واحد متراحم، يدرك أفراده أن كفاية النفس لا تتحقق إلا بمواساة الآخرين، مما يعزز قيم التكافل والترابط الإنساني.
الصيام منهاج حياة
إن آية {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} ليست مجرد تشريع لموسم عابر، بل هي منهج متكامل لصناعة الإنسان القوي في بدنه، الزكي في روحه، المستنير في عقله. إنها تذكرة دائمة بأن أوامر الله هي محض نفع للعباد، وأن العلم كلما تقدم، سجد خاضعاً بين يدي الحقائق القرآنية. فليكن صيامنا استحضاراً لهذا الخير، ويقيناً بأن الله لا يمنعنا ليحرمنا، بل يمنعنا ليطهرنا ويرتقي بنا.
