20 سنة سجنا نافذا لمتهم قتل شخصا بعد نزاع في جلسة خمرية

20 سنة سجنا نافذا لمتهم قتل شخصا بعد نزاع في جلسة خمرية

تعرض محمد للضرب المبرح من طرف صديقه مصطفى أمام الملأ، لكنه لم يصدر منه أي رد فعل تجاه خصمه قوي البنية رغم الإهانة الكبيرة التي تعرض لها، إذ كتم غضبه وصمم في قرارة نفسه على الانتقام لشرفه وكرامته التي مرغت في التراب بطريقته الخاصة، وهكذا وبعد مرور عدة أيام على الحادث دعا مصطفى إلى جلسة خمرية وصار يناوله الخمر بينما حافظ هو على يقظته، وفي اللحظة المناسبة استل سكينا ووجه إلى غريمه طعنة في بطنه لم تمهله كثيرا، إذ سقط صريعا وهو في طريقه إلى المستشفى. 

كان بعض الأطفال يلعبون بساحة «سقاية بن عمر» بالمدينة القديمة حين أبصروا شابا يتمايل ويحاول أن يجر قدميه ليسرع في خطواته متجها نحو سوق الجزارين. كانت الساعة تشير آنذاك إلى حوالي الثامنة مساء حيث كان أغلب التجار قد أغلقوا أبواب محلاتهم. لم يكن يتبين للأطفال وجه الشاب الثمل إذ لا أحد منهم كانت له الجرأة للاقتراب منه ولكنهم كانوا يقتفون أثره ويحاولون فهم ما يجري.

لعب أطفال ومطاردة ثمل

كان الأطفال يتفرجون على ترنح الشاب وتمايله وتثاقل خطواته، وكان صمته يريبهم، حيث إن أغلب الأشخاص الثملين الذين كانت لهم فرصة التفرج عليهم، كانوا يصيحون ويصرخون ويسبون ويشتمون. كانوا يضحكون ويقهقهون ويقلدونهم في مشيتهم ويصيحون هم كذلك وينادونهم بـ«السكايري» الأمر الذي كان يثير غضب هؤلاء فيزيدون في الصراخ والشتم. لكن الشاب لم يكن كذلك وكان يضع يده اليسرى على أسفل بطنه ويسرع في مشيته التي كانت تتباطأ كلما قطع مسافة من الطريق. زاد ذلك  حب الاستطلاع لدى الأطفال وعمق حيرتهم فقرروا أن يتبعوه إلى حين فك اللغز...  كان الشاب قد قطع مسافة غير قليلة من الأمتار من شارع المغرب العربي، لكنها كانت تبدو له كيلومترات حين خَرَّ بكل جسده على الأرض على مستوى «دار السبتي» جثة هامدة. صاح الأطفال «طاح...طاح...». سقط الشاب على ظهره وسقطت يده من على بطنه كاشفة أمعاءه. صرخ الأطفال من هول ما رأوا وفهموا أن الأمر خطير ودلفوا مهرولين من حيث أتوا مقتفين آثار الدماء التي رسمت مسيرة الشاب مصطفى الذي كان يحاول في حربه ضد الموت وتمسكه بالحياة، الوصول إلى مستعجلات مستشفى الفارابي  التي تركها على بعد أمتار قليلة قبل أن يترك الدنيا والحياة...
ندماء على الخمر

كان مصطفى شابا يافعا في الخامسة والعشرين من عمره أبيض اللون، أصفر الشعر، قوي البنية، قصير القامة، عريض الكتفين. كان  وسيما وجميل المبسم، تنغلق عيناه عند الابتسامة حتى يظن مخاطبه أنه ينحدر من سلالة صينية أو يابانية. كان أنيقا في ملبسه وكان يحب ارتداء القمصان الصيفية ليظهر ذراعيه المفتولتين وصدره المكسو بشعر كثيف. كان يفتخر بعلامات رجولته بل يبرزها كلما سنحت له الفرصة ولو بالقوة والعنف. كان يلازم معشرا من الخلان والندماء بإحدى غرف فندق عتيق بـ»سوق الغزل» بوسط المدينة القديمة  حول قنينات الخمر وليالي السمر.
كانت السهرات تطول وتطول إلى أن ينسحب الظلام ويزول ويتعطل العقل. كانت إحدى تلك الليالي مناسبة لمصطفى لإظهار بطولته على محمد، أحد ندمائه المعروفين بذكائه وهدوئه وشجاعته. كان محمد معتدل القامة، ضعيف البنية، نحيل الجسم محدودب الظهر. كانت عظام وجهه بارزة رغم أنه لم يكن يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره. لم يكن يهاب أحدا، لكنه لم يكن لينسى إهانة خصوصا بين ندمائه ولو أدى به ذلك إلى دخول السجن الذي زاره ويحفظ أركانه...

ليلة  الجريمة

دخل مصطفى في حديث تافه مع محمد تحول إلى ملاسنة. «أنت ما تعرف والو في الدنيا. أنا كبير عليك ونوريك شلا حوايج»...«واسمو تعرف أنت كاع؟ واش آنت عالم أو لا أستاذ...». تسارعت الكلمات بين النديمين وتجاوزت العبارات حدودها بين المتخاصمين وأحس كل منهما أن كرامته مست وحرمته انْتُهكت رغم محاولة تدخل الندماء الآخرين لتهدئة الوضع وإفهامهما أنهما بصدد إفساد «الجلسة والتقصيرة». سكت محمد وابتلع ريقه في الوقت الذي تحركت عضلات خصمه ونديمه مصطفى ليوجه إليه لكمات بقوة مباشرة في الوجه أدمت شفتيه ومال على الحائط.
لم يكن محمد غبيا ليواجه خصمه القوي ومسح دمه بعد أن ابتلع جزءا منه ونظر إلى مؤدبه نظرة كمن يريد أن يرسم في ذاكرته صورة، بل يحفر تقاسيمها وحروفها حتى لا تُنسى أبدا ورَدَّ عليه بالصمت والتراجع والانسحاب من الحلبة، الأمر الذي اعتبره مصطفى نصرا، رفع لأجله كأسا مملوءة بالنبيذ الأحمر وأفرغه في فمه قبل أن يغلق فاه ويضغط على عضلات فكيه ويغمض عينيه ويناول الكوب للساقي...

خطة وسهرة وجريمة

مرت الأيام والشهور وتناسى محمد يوم مُرِّغت كرامته، ونَسِي مصطفى الليلة العنيفة التي مرغ فيها رجولة نديمه محمد. والتقى الندماء كعادتهم في ليلة أخرى، واتفقوا على افتتاح «التقصيرة» مع بداية العشية مُلِئت المائدة بالضروريات وزُيِّنت بالكماليات وصُفِّفت القنينات وتقدم محمد لشغل دور «الساقي» وبدأت الكأس تدور وتدور.
كان محمد قد رسم خطته، كان يحكي النكتة وينشط الجلسة ويناول الخمر. كان كلما وصلت الكأس إليه تجاوز دوره وناوله لمصطفى الذي كان يدخل شيئا فشيئا في الثمالة. كان محمد يُضاعف له الكمية ويكتفي هو بالجرعة. لم يكن يعلم أحد خطة الثعلب محمد الذي كان يحافظ على صحوته ويقظته في الوقت الذي كان يدفع غريمه مصطفى إلى إغراقه في الثمالة...
انتظر محمد ساعات طوالا ابتلع فيها غريمه كؤوسا وقنينات، حينئذ قام البطل محمد واستل سكينا كبيرا وتقدم نحو غريمه مصطفى وخاطبه «إيوا أدين أمك، وادروك اشنو ندير فيك؟ اشكون يخسر زين لاخور؟ أنت أو لا أنا؟».
 تمكن مصطفى من الوقوف وحاول أن يستوعب ما كان يقوله محمد، وقبل أن يجد الإجابة عن أسئلة نديمه، أحس بآلة حادة تخترق أسفل بطنه وتصعد إلى أعلاه محررة سائلا فوار وآخر مخاطيا قبل أن تتبعه أشياء رخوة. كانت أولى ردوده صرخة ثم حركة لِلُمِّ ما أَطَلَّ من البطن ومحاولة سد الفتحة الواسعة المُوقَّعة على بطنه بسكين غريمه الذي رفعها بدل الكأس إيذانا بالنصر...» يالله روح لسبيطار تْخيط كَرشَكْ واعْقَلْ عْلي».

جريمة وعقاب

كان محمد يعلم جيدا أنه لا مفر من تسليم نفسه إلى رجال الأمن ولم يكن يهاب السجن ولا أصحاب السجن، حيث سيجد صحبة أخرى من نوع آخر بسهرات بشكل آخر. اتجه إلى مركز الشرطة وسلم نفسه بعد أن حكى لهم قصته التي لم تفاجئهم. أحيل الجاني على العدالة بتهمه الضرب والجرح المفضيين إلى الموت وقضت المحكمة في حقه بعشرين سنة سجنا نافذا، استفاد من التخفيف لحسن السلوك وخرج بعد خمس عشرة سنة ورحل
 إلى إحدى المدن المغربية حيث يعيش هناك...

المساء



أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.