أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
أثار إعلان توظيف لمنصب "Pompiste" بإحدى محطات الوقود ضواحي مدينة مراكش، موجة غضب عارمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اقترح أجرًا شهريًا يبدأ من 2000 درهم مقابل 12 ساعة من العمل يومياً، مع توفير السكن و اشتراط التوفر على خبرة في المجال.
الإعلان، الذي نشره صانع محتوى مغربي يهتم بعروض الشغل وفرص التوظيف، سرعان ما تحول إلى موضوع نقاش واسع، بعدما اعتبر متفاعلون أن الأجر المقترح لا يتناسب مع حجم ساعات العمل، خصوصاً في ظل الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، فيما رأى آخرون أن مثل هذه العروض تكشف هشاشة فئة من الباحثين عن العمل، ممن يجدون أنفسهم أمام خيار القبول بشروط صعبة أو العودة إلى البطالة.

وبعيداً عن الحكم المسبق على قانونية العرض، فإن الأرقام الواردة فيه تطرح أسئلة مشروعة حول احترام مقتضيات قانون الشغل المغربي. فالحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية أصبح، منذ فاتح يناير 2026، محدداً في 17.92 درهماً للساعة، فيما تخضع ساعات العمل التي تتجاوز المدة العادية لمقتضيات خاصة بالتعويض عن الساعات الإضافية، وهو ما يجعل طبيعة العقد وطريقة احتساب ساعات العمل والأجر عناصر أساسية في تقييم أي عرض من هذا النوع.
المشكلة، في المقابل، لا تتعلق بهذا الإعلان وحده، وإنما بمدى فعالية المراقبة في سوق الشغل، إذ إن وجود قوانين واضحة يفترض أن يوازيه تفتيش فعلي وعقوبات رادعة لكل من يستغل حاجة الشباب إلى العمل لفرض شروط مخالفة أو مجحفة. كما أن عروض التوظيف المنشورة عبر مواقع التواصل تحتاج بدورها إلى قدر أكبر من الوضوح، من خلال تحديد الأجر وساعات العمل ونوع العقد والحقوق الاجتماعية بشكل صريح.
والأخطر أن استمرار الأجور الضعيفة في مقابل الارتفاع الكبير في كلفة الحياة لا يغذي فقط النقاش حول ظروف العمل، بل يساهم في تعميق حالة التذمر لدى فئة من الشباب، خصوصاً عندما يصبح الراتب عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من الاستقلال والاستقرار. وهنا لا يمكن تجاهل أن هذا النقاش يتزامن مع أحداث سبتة الأخيرة، التي أعادت إلى الواجهة سؤال الهجرة ودوافع شباب مستعدين للمخاطرة بأرواحهم من أجل البحث عن مستقبل أفضل خارج البلاد.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اختزال ظاهرة الهجرة في عرض توظيف واحد، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن تراكم البطالة وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة والشعور بانسداد الأفق قد يجعل فكرة الهجرة أكثر إغراءً لدى البعض.
ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على توفير مناصب شغل، بل ضمان جودة هذه المناصب أيضاً، عبر تشديد مراقبة احترام الحد الأدنى القانوني للأجر وساعات العمل والتعويضات، وتسهيل التبليغ عن التجاوزات، وتشديد العقوبات على كل من يثبت استغلاله لحاجة الشباب، مع وضع ضوابط أكثر صرامة على عروض التوظيف التي تنشر شروطاً مبهمة أو مهينة.
فالشباب لا يحتاج فقط إلى فرصة عمل كيفما كانت، وإنما إلى عمل يحفظ كرامته ويوفر له الحد الأدنى من الاستقرار، لأن تحويل الحاجة إلى الشغل إلى وسيلة لفرض شروط مجحفة لن يؤدي سوى إلى تعميق الإحباط، وتوسيع الفجوة بين الشباب وسوق الشغل، وربما تعزيز الرغبة في البحث عن المستقبل خارج الحدود.
