ليلة بيضاء.. الجماهير تخرج إلى شوارع طنجة حاملة الأعلام الوطنية احتفالا بفوز الأسود على اسكتلندا

ودية المغرب-النرويج.. الحواصلي يشيد بذكاء محمد وهبي - الدروس المستخلصة - حظوظ الأسود في المونديال

قمة الماص والرجاء.. إحماءات اللاعبين قبل انطلاق المباراة

افتتاح النسخة الثانية من دوري مولاي الحسن بقرية با محمد

لحظة وصول منتخب بنين بالبراق إلى طنجة

المتطوعون في قلب الحدث..دورهم البارز في استقبال الجماهير بمداخل ملعب مولاي عبد الله

مدرب الاتحاد الاسلامي الوجدي: ضيعنا الفوز بالدربي

مدرب المولودية الوجدية: شكرًا للجماهير.. والانتصار على الغريم بداية طريق العودة إلى القسم الأول

بوسحابة يكتب: مشاهد عصيبة قبل الدقيقة 90 حبست أنفاس المغاربة ولم ترصدها كاميرات المونديال

بوسحابة يكتب: مشاهد عصيبة قبل الدقيقة 90 حبست أنفاس المغاربة ولم ترصدها كاميرات المونديال

أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة

هناك مدربون تصنعهم الانتصارات، وهناك مدربون تصنعهم اللحظات التي يكون فيها كل شيء على وشك الانهيار. ففي مثل هذه المباريات، لا تُقاس قيمة المدرب بعدد التعليمات التي يوجهها، ولا بعدد التبديلات التي يجريها، وإنما بقدرته على إدارة الخوف قبل إدارة الكرة. ومواجهة المغرب أمام هولندا، فجر اليوم الثلاثاء، كانت من هذا النوع النادر؛ مباراة بدا فيها المنتخب المغربي متجهاً نحو الإقصاء حتى الدقائق الأخيرة، قبل أن يعود بهدف قاتل، حسم به بطاقة التأهل إلى ثمن نهائي كأس العالم 2026 عبر ركلات الترجيح.

 لكن بينما انشغلت الكاميرات بتفاصيل الاحتفال، وبهدف عيسى ديوب، وبتصديات ياسين بونو، كانت هناك قصة أخرى تُكتب بصمت على خط التماس، بطلها الإطار الوطني محمد وهبي، الذي خاض ربما أهم اختبار في مسيرته التدريبية، ونجح فيه بطريقة تكشف عن شخصية تتجاوز حدود التكتيك إلى القيادة الحقيقية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في قراءة تصرفات وهبي خلال تلك الدقائق العصيبة، هو أنه رفض أن يمنح منافسه أي انتصار نفسي. فالمنتخب المغربي كان متأخراً بهدف دون رد، والوقت كان يمر بسرعة، والجماهير كانت تعيش حالة من الترقب والقلق، لكن المدرب المغربي بدا وكأنه يعيش مباراة مختلفة تماماً. لم يندفع في احتجاجات متكررة على قرارات الحكم، ولم يتحول إلى مدرب يركض بعصبية على طول المنطقة التقنية، ولم تظهر على وجهه علامات الاستسلام التي اعتاد المتابعون رؤيتها حتى عند كبار المدربين في البطولات الكبرى. على العكس من ذلك تماما، ظل ثابتاً في وقفته، هادئاً في حركته، ودقيقاً في توجيهاته، وكأن النتيجة لا تعكس حقيقة ما يدور في ذهنه.

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة بالنسبة للمشاهد العادي، لكنها في عالم التدريب ليست كذلك. فالدراسات المتخصصة في علم النفس الرياضي تؤكد أن اللاعبين يقرؤون لغة جسد مدربهم باستمرار، وأن الحالة الانفعالية على دكة البدلاء تنتقل بسرعة إلى داخل الملعب. المدرب الذي يفقد هدوءه يرسل، من حيث لا يشعر، رسالة خوف إلى لاعبيه، بينما المدرب الذي يحافظ على اتزانه يمنح فريقه شعوراً بأن المباراة ما تزال قابلة للتغيير. ولهذا السبب، لم يكن هدوء محمد وهبي مجرد سلوك شخصي، بل كان أداة قيادية ساهمت في حماية الفريق من الانهيار النفسي في أكثر لحظات المباراة تعقيداً.

غير أن الشخصية القيادية لا تُقاس فقط بطريقة الوقوف على خط التماس، وإنما بالقرارات التي تُتخذ تحت الضغط، وهنا ظهرت اللقطة التي ربما تختزل شخصية محمد وهبي أكثر من أي مشهد آخر. ففي الوقت الذي كان المنتخب المغربي متأخراً في النتيجة، وكانت المباراة تقترب من نهايتها، اتخذ قراراً يخالف تماماً المنطق التقليدي لكرة القدم. ففي مباريات خروج المغلوب، حيث يعني أي خطأ نهاية المشوار، يميل أغلب المدربين إلى الاعتماد على أصحاب الخبرة وتقليص هامش المجازفة إلى الحد الأدنى، لأن الرغبة في تجنب الخطأ تصبح أقوى من الرغبة في البحث عن الحلول.

لكن محمد وهبي فعل العكس تماماً. لم يبحث عن الأسماء الأكثر تجربة، ولم يسمح للضغط بأن يدفعه إلى التخلي عن قناعاته، بل أشرك ثلاثة لاعبين من جيل أقل من 21 عاماً دفعة واحدة؛ ياسين جاسم (20 عاماً)، سمير المرابيط (20 عاماً)، وشمس الدين طالبي (21 عاماً). قد تبدو هذه مجرد تبديلات على الورق، لكنها في الحقيقة كانت إعلاناً واضحاً بأن الناخب الوطني لا يدبر مجريات المقابلة وفق منطق العمر أو عدد المباريات الدولية، وإنما وفق معيار واحد هو الجاهزية والثقة. وإشراك ثلاثة لاعبين شباب في مباراة إقصائية، والفريق متأخر بهدف، يظل من القرارات النادرة في كرة القدم الحديثة، لأنه يحمل في طياته مخاطرة كبيرة لا يقدم عليها إلا مدرب يؤمن تماماً بما يفعل.

ولم يحتج محمد وهبي إلى كثير من الوقت حتى يحصل على الدليل العملي على صحة رهانه. فالمهاجم الشاب شمس الدين طالبي، الذي دفع به المدرب في لحظة حساسة من المباراة، لم يكن مجرد تبديل اضطراري أو محاولة لإحياء الإيقاع الهجومي، بل تحول سريعًا إلى عنصر حاسم في قلب مجريات اللقاء. فبعد دقائق قليلة فقط من دخوله، قدّم تمريرة حاسمة في اللحظة المناسبة، هي التي ترجمها عيسى ديوب إلى هدف التعادل، وهو الهدف الذي لم يغيّر النتيجة فحسب، بل قلب الحالة النفسية للمباراة بالكامل. ففي لحظة واحدة، انتقل الضغط من المنتخب المغربي إلى المنتخب الهولندي، وتحولت الثقة التي كان يتمتع بها المنافس إلى حالة من الارتباك، بينما استعاد "أسود الأطلس" إيمانهم الكامل بإمكانية قلب النتيجة.

ومن يعرف مسيرة محمد وهبي، يدرك أن هذا القرار لم يكن وليد لحظة يأس أو محاولة أخيرة للهروب من الإقصاء، بل كان امتداداً طبيعياً لفلسفة رافقته منذ إشرافه على منتخبات الفئات السنية. فقد بنى الرجل سمعته على منح الثقة للمواهب الشابة، وإقناعها بأن قميص المنتخب لا يرتبط بالعمر، بل بالكفاءة. وخلال السنوات الماضية، ساهم في تطوير عدد من اللاعبين الذين أصبحوا اليوم يشكلون العمود الفقري للكرة المغربية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يلجأ، في أصعب لحظة خلال كأس العالم، إلى الفكرة نفسها التي آمن بها دائماً، حتى وهو يعلم أن أي قرار غير موفق سيضعه في مرمى الانتقادات إذا انتهت المباراة بالإقصاء.

ومن هنا، يصبح من الظلم اختزال تلك اللقطة في عبارة "تبديل ناجح"، لأن ما حدث كان في جوهره انتصاراً لفكرة تدريبية كاملة. فقد قرأ وهبي المباراة بطريقة مختلفة، وأدرك أن هولندا بدأت تتراجع بدنياً وذهنياً مع مرور الوقت، وأن الفريق يحتاج إلى لاعبين يملكون الجرأة والسرعة والقدرة على كسر الإيقاع، وليس فقط إلى أسماء أكثر خبرة. ولذلك لم يكن هدف التعادل وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لقرار تكتيكي محسوب، ولشجاعة مدرب رفض أن يدافع عن الخسارة، وقرر أن يهاجمها حتى اللحظة الأخيرة.

وحتى بعد العودة في النتيجة، لم يتغير شيء في سلوك محمد وهبي. فلم ينجرف وراء نشوة هدف التعادل، ولم يتعامل مع الأشواط الإضافية باعتبارها مكسباً في حد ذاتها، بل واصل إدارة المباراة بالهدوء نفسه، محافظاً على توازن فريقه وعلى تركيز لاعبيه. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، بدا المنتخب المغربي أكثر تماسكاً وثقة من منافسه، وهي حالة يصعب فصلها عن الصورة التي رسمها المدرب طوال 120 دقيقة. فركلات الترجيح ليست اختباراً للمهارة فقط، بل هي اختبار للأعصاب، وغالباً ما يفوز بها الفريق الذي يصل إليها وهو أكثر استقراراً من الناحية الذهنية.

قد تسجل الإحصاءات الرسمية أن المغرب تأهل بركلات الترجيح، وأن عيسى ديوب سجل هدف التعادل، وأن ياسين بونو تألق مجدداً في اللحظات الحاسمة، لكن هناك رقماً لن يظهر في أي تقرير فني أو قاعدة بيانات، وهو عدد المرات التي كان يمكن فيها لمحمد وهبي أن يتخلى عن قناعاته تحت ضغط النتيجة... ولم يفعل. لم يسمح للخوف بأن يغيّر فلسفته، ولم يتردد في منح ثقته لجيل شاب في أكثر لحظات البطولة حساسية، ولم يفقد هدوءه حتى عندما كانت كل المؤشرات توحي بأن الحلم يبتعد.

وربما لهذا السبب، فإن أهم ما كشفته مواجهة هولندا لم يكن فقط شخصية منتخب يرفض الاستسلام، بل أيضاً ميلاد مدرب يمتلك صفات نادرة في كرة القدم الحديثة؛ هدوء القائد، وجرأة صاحب القرار، وثقة المربي الذي يعرف قيمة اللاعبين الذين صنعهم بيديه. الكاميرات تابعت الكرة وهي تعانق الشباك، ورصدت احتفالات التأهل، لكنها لم تستطع أن تنقل للمشاهدين ذلك الانتصار الهادئ الذي تحقق أولاً على خط التماس، عندما آمن محمد وهبي بأن المباراة لم تنتهِ، في الوقت الذي كان كثيرون قد بدأوا يقتنعون بالعكس. وفي بطولات بحجم كأس العالم، قد يكون هذا النوع من الإيمان هو الفارق الحقيقي بين مدرب يدير مباراة... ومدرب يصنع تاريخاً.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات