أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
لم يكن خروج المنتخب المغربي أمام فرنسا من ربع نهائي كأس العالم، مساء أمس الخميس، هو الحدث الوحيد الذي استأثر باهتمام فئة واسعة من الجماهير المغربية، بل سرعان ما انفجرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقارنات بين مرحلة محمد وهبي ووليد الركراكي، بعدما وجد المدربان نفسيهما أمام الخصم ذاته، المنتخب الفرنسي، لكن في نسختين مختلفتين من كأس العالم.
البعض اعتبر أن المقارنة محسومة لصالح الركراكي لأنه بلغ نصف نهائي مونديال قطر، فيما رأى آخرون أن وهبي، رغم الإقصاء من ربع النهائي، قدم كرة أكثر إقناعا خلال البطولة. غير أن الحقيقة تبقى أبعد من هذه الأحكام السريعة، لأن المقارنة لا تكون عادلة إلا إذا انطلقت من السياق، لا من النتيجة المجردة.
صحيح أن المنتخب المغربي أقصي في المرتين أمام فرنسا، لكن الظروف لم تكن متشابهة. ففي قطر، توقف مشوار وليد الركراكي عند نصف النهائي، بينما انتهت مغامرة محمد وهبي في ربع النهائي. غير أن الفرق بين الدورين لا يكفي وحده للحكم على التجربتين، لأن كرة القدم لا تُقرأ من خلال محطة التوقف فقط، بل من خلال الطريق الذي قاد إليها، والجيل الذي خاضها، وحجم التحديات التي أحاطت بها.
ولا يمكن الحديث عن تجربة وليد الركراكي دون الاعتراف بأنها تجاوزت حدود المغرب. فما حققه في مونديال قطر لم يكن مجرد بلوغ نصف النهائي، بل كان لحظة مفصلية في تاريخ كرة القدم العربية والإفريقية. فقد كسر عقدة تاريخية عمرها عشرات السنين، وجعل المغرب أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ المربع الذهبي لكأس العالم، فاتحا بذلك بابا جديدا للحلم أمام كل منتخبات المنطقة.
لقد منح الركراكي المنتخبات العربية والإفريقية جرأة لم تكن موجودة من قبل. وبعد قطر، لم يعد الخوف من القوى الكروية التقليدية قدرا محتوما، ولم يعد الوصول إلى الأدوار المتقدمة يبدو مجرد حلم بعيد المنال. لقد غيّر سقف الطموح، ورسخ قناعة بأن التنظيم والإيمان والشخصية يمكن أن تهزم الفوارق التاريخية.
لكن الإنصاف يقتضي أيضا ألا تختزل تجربة الركراكي في أفضل لحظاتها فقط. فبعد الإنجاز التاريخي في قطر، لم ينجح المنتخب في ترجمة ذلك الزخم إلى تتويجات قارية، بعدما خرج من كأس إفريقيا في كوت ديفوار دون تحقيق الهدف المنشود. وهذا يؤكد أن أي مشروع كروي يعرف لحظات نجاح وإخفاق، ولا يجوز تقييمه من خلال محطة واحدة فقط.
أما محمد وهبي، فقد جاء في سياق مختلف تماما. فهو لم يتسلم منتخبا بلغ قمة النضج، بل دخل مرحلة إعادة بناء حقيقية، في حيز زمني حساس وقصير جدا، مع تغييرات واسعة في تركيبة المنتخب، والاعتماد على جيل شاب ما يزال في بداية مسيرته الدولية. لذلك فإن مقارنته بمجموعة راكمت سنوات طويلة من الانسجام والخبرة تبدو، من الناحية المهنية، مقارنة غير متكافئة.
ثم إن الطريق الذي فرضته القرعة على المنتخب المغربي في هذا المونديال لم يكن سهلا. فقد وجد وهبي نفسه مطالبا بخوض مواجهات من العيار الثقيل أمام البرازيل، ثم هولندا، ثم كندا، قبل الاصطدام بفرنسا في ربع النهائي. ورغم صعوبة هذا المسار، نجح المنتخب المغربي في الحفاظ على شخصيته، وقدم في أغلب المباريات كرة هجومية جريئة، وظهر أكثر قدرة على صناعة اللعب، وأكثر استعدادا لمقارعة مدارس كروية عالمية مختلفة دون خوف أو تردد.
بل إن كثيرا من المتابعين رأوا أن المنتخب المغربي، من حيث جودة الأداء والهوية الفنية، كان أكثر إقناعا مما كان عليه في محطات كثيرة خلال السنوات الماضية. غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن مباراة فرنسا شكلت الاستثناء الأبرز في مسار البطولة.
ففي الوقت الذي انتظر فيه الجميع أن يواصل المنتخب المغربي المستوى نفسه الذي قدمه أمام البرازيل وهولندا وكندا، ظهر أمام فرنسا بصورة مختلفة تماما. افتقد الفريق إلى شخصيته المعتادة، وبدا أقل جرأة، وأكثر ارتباكا، ولم ينجح محمد وهبي في إيجاد الحلول التكتيكية التي تسمح بإعادة المباراة إلى مسارها، وهو ما جعل الهزيمة تبدو صادمة، ليس بسبب الإقصاء في حد ذاته، وإنما بسبب الأداء الذي جاء دون مستوى ما اعتاد الجمهور رؤيته من هذا المنتخب طوال البطولة.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين التجربتين. ففي مونديال قطر، ورغم الإقصاء أمام فرنسا، خرج المغاربة، ومعهم جماهير عربية وإفريقية في عدد من العواصم، للاحتفال. لم يكن ذلك احتفالا بالهزيمة، بل كان احتفاء بإنجاز تاريخي كسر حاجزا ظل صامدا لعقود، وفتح باب الأمل أمام أمة كروية كاملة.
أما هذه المرة، فقد كانت الحسرة أكبر. ليس لأن ربع النهائي يعد نتيجة سيئة، بل لأن سقف الطموحات تغير. فالركراكي جعل الجميع يحلم، أما وهبي فوجد نفسه مطالبا بمواصلة ذلك الحلم، وهي مهمة أصعب بكثير من صناعة الحلم لأول مرة. ولذلك كان وقع الخسارة أمام فرنسا مختلفا، لأن الجمهور لم يعد يكتفي بالمشاركة المشرفة، بل أصبح يؤمن بأن المغرب قادر على الذهاب أبعد من ذلك.
وهذا في حد ذاته يعد أحد أهم مكاسب تجربة الركراكي. فقد غيّر عقلية الجمهور قبل أن يغيّر نتائج المنتخب، ورفع سقف الانتظارات إلى مستوى غير مسبوق. وفي المقابل، يدفع محمد وهبي اليوم ثمن هذا النجاح، لأنه يقاس بمعايير صنعها الإنجاز التاريخي لقطر، لا بمعايير البدايات.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من الأفضل، الركراكي أم وهبي؟ بل: ماذا أضاف كل واحد منهما لكرة القدم المغربية؟
الركراكي سيبقى الرجل الذي منح المغرب والعرب وإفريقيا أعظم إنجاز في تاريخ مشاركاتهم بكأس العالم، وكسر حاجز الخوف وغيّر نظرة المنطقة بأكملها إلى نفسها. أما محمد وهبي، فرغم مرارة الإقصاء، فقد قدم مؤشرات قوية على وجود جيل جديد يملك شخصية واضحة وهوية كروية واعدة، لكنه تلقى أمام فرنسا درسا قاسيا يؤكد أن الطريق إلى تكرار ملحمة قطر لا يزال مليئا بالتحديات.
المنتخبات الكبيرة لا تتطور بتحويل كل بطولة إلى استفتاء بين المدربين، ولا ببناء معارك وهمية بين الأشخاص، وإنما بتراكم التجارب، والاستفادة من النجاحات والإخفاقات على حد سواء. ولذلك، فإن المقارنة العادلة بين وليد الركراكي ومحمد وهبي لا تكون بإعلان منتصر وآخر مهزوم، وإنما بوضع كل تجربة في سياقها التاريخي والرياضي.
فالأول صنع الحلم... والثاني وجد نفسه مطالبا بالحفاظ عليه. وبين صناعة الحلم واستمراره، تكمن أصعب مهمة في كرة القدم.
