ميركاتو استثنائي للمغاربة.. كيف عزز "أسود الأطلس" حظوظهم بالانتقال إلى أندية أكبر؟
يختتم المحترفون المغاربة سوق الانتقالات الصيفية 2026 بحصيلة استثنائية، جمعت بين صفقات قياسية من حيث القيمة المالية، وانتقالات نوعية نحو أندية أكبر وأكثر تنافسية، في مسار يعكس الصعود المتواصل لقيمة اللاعب المغربي داخل السوق الأوروبية، ويحمل في الوقت نفسه دلالات مهمة بالنسبة لمستقبل المنتخب الوطني.
تصدر الشاب أيوب بوعدي، البالغ من العمر 18 سنة فقط، واجهة هذا الميركاتو، بعد انتقاله من نادي ليل الفرنسي إلى مانشستر سيتي الإنجليزي في صفقة تاريخية بلغت قيمتها 100 مليون أورو (85 مليون جنيه إسترليني)، منها 95 مليون أورو مضمونة و5 ملايين أخرى كحوافز. وبهذا الرقم القياسي، أصبح بوعدي أغلى لاعب مغربي في التاريخ، محطما الرقم الذي كان يحتفظ به أشرف حكيمي منذ انتقاله من إنتر ميلان إلى باريس سان جيرمان مقابل 68 مليون أورو.
وتكتسي هذه الصفقة أهمية مضاعفة بالنسبة للمنتخب المغربي؛ إذ ينتقل بوعدي إلى واحد من أقوى الأندية في العالم بقيادة المدرب بيب غوارديولا، ليجد نفسه في بيئة تدريبية واحتكاك يومي برفقة نخبة من أفضل لاعبي كرة القدم عالميا، وهو ما من شأنه أن يسرّع من نضجه الفني وتطوره.
في الاتجاه نفسه، أنجز إسماعيل الصيباري نقلة نوعية بانتقاله من نادي آيندهوفن الهولندي إلى بايرن ميونخ الألماني، أحد أعرق الأندية الأوروبية، في صفقة بلغت نحو 55 مليون أورو، ليصبح بذلك ثالث أغلى لاعب مغربي في التاريخ. ويمنح هذا الانتقال الصيباري فرصة اللعب في دوري ألماني يُعتبر من أكثر البطولات تنافسية من الناحية البدنية والتكتيكية.
كما عزز سفيان أمرابط حضور المغاربة في الدوري الهولندي، بعد تعاقده رسميا مع نادي أياكس أمستردام في صفقة انتقال حر، عقب فسخ عقده بالتراضي مع فنربخشة التركي، ليوقع عقدا يمتد حتى 30 يونيو 2028. ويحمل هذا الانتقال طابعا خاصا بالنسبة للاعب المخضرم، الذي انطلقت مسيرته الاحترافية من هولندا مع أوتريخت، إذ يمنحه العودة لأجواء يعرفها جيدا فرصة لاستعادة الاستقرار والانتظامية في المستويات، وهو ما ينعكس مباشرة على جاهزيته الدائمة مع المنتخب الوطني في مركز حساس بخط الوسط.
وعرف مسار الظهير الأيسر سفيان الكرواني تحولا لافتا خلال هذا الميركاتو؛ إذ كان قد انتقل انتقالا حرا في يونيو الماضي إلى نادي القادسية السعودي قادما من أوتريخت الهولندي بعقد يمتد حتى 2029، قبل أن يتوصل نادي بنفيكا البرتغالي إلى اتفاق مع النادي السعودي لضمه على سبيل الإعارة لموسم واحد، مع بند يتيح للنادي البرتغالي خيار الشراء النهائي بحلول يونيو 2027. ويمنح هذا الانتقال الكرواني فرصة مواصلة مساره الأوروبي ضمن أحد أعرق الأندية بالقارة العجوز، بعدما كانت تقديراته السوقية تُقدَّر بنحو 15 مليون أورو.
توصل نادي آر بي لايبزيغ الألماني إلى اتفاق مع روما الإيطالي لضم لاعب الوسط نائل العيناوي، على سبيل الإعارة لموسم واحد مقابل 4 ملايين أورو، مع خيار شراء نهائي بقيمة 25 مليون أورو. ويأتي هذا الانتقال بعد مستويات لافتة قدمها اللاعب، ليمنحه تجربة جديدة في بطولة تُعتبر من أكثر الدوريات الأوروبية إثارة للمواهب الشابة، بعدما فضّل مواصلة مساره الأوروبي رافضا عروضا سعودية.
من جهته، أكمل المدافع عيسى ديوب انتقاله إلى نادي إبسويتش تاون قادما من فولهام، بصفقة قُدرت قيمتها بنحو 10 ملايين أورو، ليوقع عقدا يمتد حتى صيف 2030. ويأتي هذا الانتقال بعد مشاركة مميزة لديوب مع المنتخب المغربي بنهائيات كأس العالم 2026، حيث سجل هدفا أمام هولندا وساهم في قيادة "أسود الأطلس" إلى ربع النهائي، ما رفع من قيمته السوقية بشكل ملحوظ.
كما عاد الظهير الأيسر الشاب آدم أزنو إلى الدوري الإسباني عبر بوابة نادي مالقا، قادما من إيفرتون الإنجليزي على سبيل الإعارة لموسم واحد، بعد أن فضّل العودة لبيئة كروية سبق أن أثبت فيها نفسه مع ريال بلد الوليد. وفي المسار نفسه، انتقل المهاجم ياسر الزابيري من ستاد رين الفرنسي إلى راسينغ سانتاندير، الصاعد حديثا للدوري الإسباني، على سبيل الإعارة، في خطوة تمنحه فرصة اللعب بانتظام أكبر واكتساب خبرة إضافية في بطولة تُعتبر مثالية لصقل مواهب اللاعبين الشباب.
ويرى متتبعون للشأن الكروي المغربي أن هذا التوجه المتنامي للاعبين المغاربة نحو أندية أوروبية أكبر وأكثر تنافسية يحمل أهمية استراتيجية بالنسبة للمنتخب الوطني، ذلك أن الاحتكاك اليومي بمستويات تدريبية وتنافسية أعلى ينعكس مباشرة على الجاهزية البدنية والفنية للاعبين عند التحاقهم بصفوف "أسود الأطلس"، سواء في المباريات الودية أو الاستحقاقات الرسمية الكبرى.
كما يمنح تعدد هذه الصفقات النوعية المدرب محمد وهبي هامشا أوسع من الخيارات التنافسية داخل كل مركز، في ظل التنافس الشديد بين اللاعبين لضمان مكان أساسي داخل التشكيلة، وهو عامل يُنتظر أن يرفع من مستوى الأداء الجماعي للمنتخب، خصوصا مع اقتراب موعد كأس أمم إفريقيا المقبلة، التي يترقب فيها المغاربة أن يظهر أثر هذا الاستثمار الفردي في مستوى اللاعبين بشكل جماعي على أرض الملعب.
ويؤكد هذا الحضور اللافت للاعبين المغاربة في أكبر الأندية الأوروبية أن الكرة المغربية دخلت مرحلة جديدة من النضج والاعتراف الدولي، بعدما باتت أسماء كأشرف حكيمي وإسماعيل الصيباري وأيوب بوعدي وسفيان أمرابط ونائل العيناوي وعيسى ديوب تتقاسم الصفوف الأولى مع أفضل لاعبي القارة، في مؤشر واعد على مستقبل مشرق ينتظر المنتخب الوطني.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.