موجة هجمات إلكترونية تقلق اليابان وكوريا الجنوبية.. والسلطات تحقق في أسلوب جديد

موجة هجمات إلكترونية تقلق اليابان وكوريا الجنوبية.. والسلطات تحقق في أسلوب جديد

تواجه اليابان وكوريا الجنوبية تصاعداً لافتاً في الهجمات الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات المالية والشركات الكبرى، وسط مخاوف من تحول عميق في أساليب القرصنة الرقمية، بعدما باتت أدوات الذكاء الاصطناعي تتيح تنفيذ عمليات معقدة بسرعة أكبر وبتكاليف أقل، حتى من طرف مهاجمين لا يمتلكون خبرات تقنية متقدمة، وهو ما يضع أنظمة الحماية التقليدية أمام تحديات متزايدة.

ووفق تقرير نشرته وكالة «رويترز»، الجمعة 9 أكتوبر 2026، تحقق تسعة بنوك وكنيستان كبيرتان في كوريا الجنوبية في هجمات إلكترونية يُشتبه في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي خلالها، بينما طالت حوادث أمنية مماثلة شركات يابانية بارزة، من بينها «دايوا سيكيوريتيز» للخدمات المالية و«سوفت بنك» للاتصالات وسلسلة متاجر «لوسون»، في وقت لا تزال فيه التحقيقات جارية لتحديد طبيعة الاختراقات وحجم الأضرار ومدى ارتباطها بالأدوات الذكية.

وتكشف الأرقام المسجلة في اليابان عن اتساع نطاق التهديد، إذ رصدت شركة «TrendAI» المتخصصة في الأمن السيبراني 86 حادثاً خلال شتنبر الماضي، بزيادة تقارب 18 في المائة مقارنة بغشت و37 في المائة قياساً بيوليوز. كما تجاوز مجموع الحوادث المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة الحالية حصيلة سنة 2025 كاملة، ما يعكس تصاعد الضغوط التي تتعرض لها الأنظمة المعلوماتية للشركات والمؤسسات.

غير أن التطور الأكثر إثارة للقلق ظهر في التحقيقات المتعلقة بالهجمات على البنوك الكورية الجنوبية، حيث كشفت شركة «كراود سترايك» الأمريكية للأمن السيبراني عن مؤشرات تربط بعض العمليات بمشتبه به يُعتقد أنه يبلغ 26 عاماً ويقيم في الصين، استعان بأداة ذكاء اصطناعي صينية تحمل اسم «ARTEX»، إلى جانب برنامج «Claude Code» التابع لشركة «أنثروبيك». ووفق تقييم الشركة، فإن القدرات التقنية للمشتبه به ربما لم تكن كافية لتنفيذ هذه الهجمات بالوتيرة نفسها دون المساعدة التي وفرتها له الأدوات الذكية، مع بقاء هويته ومكان وجوده قيد التحقق.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد وسيلة لمساعدة المبرمجين، بل أصبح قادراً على تسهيل مراحل متعددة من الهجوم الإلكتروني، بدءاً من البحث عن الثغرات الأمنية وتحليل الأنظمة المستهدفة، وصولاً إلى إعداد رسائل تصيد احتيالي أكثر إقناعاً. كما تساعد أدوات معالجة اللغة المهاجمين على تجاوز الحواجز اللغوية، ما يوسع نطاق الهجمات العابرة للحدود ويجعل اكتشاف بعضها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تُنفذ عمليات كثيرة بصورة آلية وفي فترات زمنية قصيرة.

وفي كوريا الجنوبية، سجلت السلطات 1236 حادثاً إلكترونياً خلال النصف الأول من سنة 2026، بارتفاع بلغ 20 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وشهدت الهجمات الرامية إلى تعطيل الخدمات عبر إغراق الخوادم بطلبات الاتصال زيادة بنسبة 56.7 في المائة، فيما ارتفعت هجمات برامج الفدية بنسبة 76.8 في المائة، وهي مؤشرات تعكس تنوع الأساليب المستخدمة واتساع المخاطر التي تواجه المؤسسات الرقمية.

ولا تقتصر تداعيات هذه الاختراقات على الخسائر المالية المباشرة، إذ يحذر خبراء من احتمال استغلال المعلومات الشخصية التي يتم الاستيلاء عليها في عمليات احتيال لاحقة، من خلال رسائل إلكترونية أو نصية تنتحل صفة البنوك والشركات الموثوقة. وترى كارين وو، المحللة لدى وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، أن هذه الحوادث قد تفرض على المؤسسات المتضررة تكاليف إضافية مرتبطة بتعويض العملاء والعقوبات التنظيمية وتعزيز أنظمة الحماية، حتى في الحالات التي لا تسجل فيها خسائر مالية كبيرة عند وقوع الاختراق.

وأمام هذه التطورات، بدأت السلطات في البلدين تشديد إجراءات الوقاية، حيث وجهت لجنة الخدمات المالية في كوريا الجنوبية المؤسسات المعنية إلى إجراء تقييم ذاتي للأمن السيبراني يشمل 12 بنداً، بينما عقدت الحكومة اليابانية اجتماعاً مشتركاً بين الوزارات والهيئات المختصة لبحث سبل التصدي للهجمات المتزايدة، مع الاستعداد لتوجيه تحذيرات وإرشادات أمنية إلى الشركات. وتأتي هذه الإجراءات في ظل إدراك متزايد بأن حماية البيانات لم تعد مسؤولية تقنية معزولة، بل أصبحت مرتبطة باستمرارية النشاط الاقتصادي وثقة العملاء في المؤسسات.

ويرى نوبو ميوا، رئيس شركة «S&J» اليابانية المتخصصة في الأمن السيبراني، أن المهاجمين تجاوزوا مرحلة جديدة من حيث السرعة والقدرة على تنفيذ العمليات، بينما لا تزال وسائل الدفاع بحاجة إلى تطوير مماثل لمواكبة التهديدات الناشئة. ورغم عدم ثبوت استخدام الذكاء الاصطناعي في جميع الحوادث المسجلة، فإن ما تكشفه التحقيقات يثير مخاوف من اتساع دائرة القادرين على تنفيذ هجمات مؤثرة، بعدما كانت هذه العمليات تتطلب سابقاً خبرات تقنية وموارد أكبر، وهو ما قد يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر جذرياً في استراتيجيات حماية أنظمتها وبيانات عملائها.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.