تحقيق في سرقة لوحات فنية بملايين اليوروهات يقود الشرطة الفرنسية إلى اكتشاف غير متوقع
تحولت عملية سرقة استهدفت لوحات فنية نادرة في أحد متاحف جنوب فرنسا إلى قضية أمنية مثيرة، بعدما تمكن المحققون من كشف خيوط شبكة يُشتبه في تورطها في سرقات منظمة للأعمال الفنية، واستعادة لوحتين ثمينتين للفنان الفرنسي الشهير أوغوست رينوار، في عملية كشفت تفاصيلها عن دور حاسم لأدلة صغيرة تركها اللصوص خلفهم أثناء فرارهم.
وتعود بداية القضية إلى الثامن من شتنبر الماضي، عندما اقتحم مجهولون متحف رينوار في بلدة كاني سور مير، الواقعة على الريفييرا الفرنسية بالقرب من مدينة نيس، مستهدفين مجموعة من اللوحات الفنية التي يحتفظ بها المتحف، الذي كان في السابق منزلاً للفنان الانطباعي الشهير خلال السنوات الأخيرة من حياته.
وبحسب التفاصيل التي كشف عنها المدعي العام في مرسيليا، نيكولا بيسون، خلال مؤتمر صحفي عقد الاثنين 12 أكتوبر، فقد استخدم اللصوص منشاراً كهربائياً لقطع السياج الخارجي للمتحف، قبل التسلل عبر إحدى النوافذ في الطابق الأرضي، والتوجه مباشرة نحو أربع لوحات، حيث شرعوا في فك المثبتات التي تربطها بإطاراتها تمهيداً للاستيلاء عليها.
غير أن العملية لم تسر كما خطط لها منفذوها، إذ أدى تشغيل جهاز الإنذار إلى استنفار الشرطة التي وصلت إلى المكان خلال أربع دقائق فقط. وأمام سرعة التدخل الأمني، أصيب المشتبه فيهم بالارتباك واضطروا إلى الفرار، تاركين لوحتين داخل غلاف واقٍ عُثر عليه لاحقاً في محيط المتحف، بينما تمكنوا من الهروب بلوحتين أخريين.
وبدأت المفاجأة عندما أخضع المحققون الغلاف المتروك للفحص الجنائي، ليعثروا عليه على آثار حمض نووي مكنت من تحديد هوية مشتبه فيه يبلغ من العمر 29 عاماً، كان يخضع أصلاً لتحقيق منفصل يتعلق بالاتجار في المخدرات، وهو ما أتاح للشرطة الاستفادة من معلومات كانت تجمعها بشأن تحركاته وعلاقاته.
وساعدت بيانات تتبع سيارة المشتبه فيه المحققين على إعادة بناء جزء من مسار المجموعة بعد السرقة، حيث تبين أنه انتقل برفقة رجل آخر يبلغ من العمر 41 عاماً إلى منزل شخص ثالث. ومع توسيع التحريات ومراقبة الاتصالات والتحركات، توصلت الأجهزة الأمنية إلى معلومات قادتها في النهاية إلى مكان إخفاء اللوحتين المسروقتين.
وكانت اللوحتان مخبأتين خلف جدار مستعار تحت درج داخل أحد المنازل، في محاولة لإبعادهما عن الأنظار. ويتعلق الأمر بلوحتي "بورتريه مدام كولونا رومانو" و"شابة عند البئر"، اللتين تقدر قيمتهما الإجمالية بنحو 4.2 ملايين يورو، أي ما يعادل حوالي 4.7 ملايين دولار أمريكي، وهما من مقتنيات متحف أورسي في باريس، وكانتا معارتين لمتحف رينوار.
ورغم نجاح عملية الاسترجاع، كشفت المعاينات عن تعرض لوحة "بورتريه مدام كولونا رومانو" لتمزق، بينما سجلت أضرار طفيفة في إطار لوحة "شابة عند البئر"، ما يستدعي تدخل خبراء ترميم الأعمال الفنية لتقييم الأضرار ومعالجتها، خصوصاً بالنظر إلى القيمة الفنية والتاريخية للعملين.
ولم تتوقف التحقيقات عند استعادة الأعمال الفنية، إذ كشفت المراقبة الأمنية أن المشتبه فيه الرئيسي زار، يوم الثالث من أكتوبر، مؤسسة ماغت الفنية في بلدة سان بول دو فانس، التي تضم أعمالاً لفنانين عالميين من بينهم جورج براك وألبيرتو جياكوميتي. كما التقى شخصاً معروفاً لدى السلطات بسوابق مرتبطة بسرقة الأعمال الفنية وتزويرها، ما عزز شكوك المحققين بشأن التحضير لعملية سرقة جديدة، ودفعهم إلى التدخل قبل تنفيذها.
وأسفرت العملية الأمنية عن توقيف ستة أشخاص، وُجهت إلى أربعة منهم اتهامات أولية، بينها السرقة في إطار عصابة منظمة وإخفاء ممتلكات مسروقة والانتماء إلى جماعة إجرامية، بحسب دور كل مشتبه فيه. وبينما تتواصل التحقيقات لتحديد المسؤوليات، أعادت القضية تسليط الضوء على أهمية وسائل الحماية والتقنيات الجنائية في مكافحة الاتجار غير المشروع بالتراث الفني، بعدما تحول أثر بيولوجي صغير تُرك على غلاف لوحة مهملة إلى خيط ساعد الشرطة على استعادة أعمال تقدر قيمتها بالملايين، وربما منع سرقة فنية أخرى قبل وقوعها.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.