لماذا لا تقطع سيارتك الكهربائية المسافة المتوقعة؟ عوامل خفية تستنزف البطارية دون أن تنتبه
قد يفاجأ بعض أصحاب السيارات الكهربائية بأن المسافة التي تستطيع سياراتهم قطعها بشحنة واحدة أقل بكثير من الأرقام التي تعلنها الشركات المصنعة، ما يثير مخاوف بشأن كفاءة البطارية أو احتمال تعرضها للتلف. غير أن الخبراء يؤكدون أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة وجود عطل تقني، إذ قد تكون عادات القيادة والظروف المناخية وراء استهلاك كميات إضافية من الطاقة دون أن ينتبه السائق إلى ذلك.
وتتأثر المسافة الفعلية التي تقطعها السيارة الكهربائية بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها السرعة والتسارع المفاجئ واستخدام التكييف والتدفئة، إلى جانب درجة الحرارة الخارجية ووزن الحمولة وطبيعة الطريق. ويؤدي اجتماع هذه العوامل إلى اختلاف ملحوظ بين المدى المعلن في الاختبارات الرسمية والمسافة التي يمكن تحقيقها في ظروف الاستخدام اليومي.
وتُعد القيادة بسرعات مرتفعة على الطرق السيارة أحد أبرز أسباب استنزاف الطاقة، إذ تزداد مقاومة الهواء كلما ارتفعت السرعة، ما يجبر المحرك الكهربائي على استهلاك المزيد من الكهرباء للحفاظ على وتيرة السير. ويزداد هذا التأثير عند تجاوز سرعات معينة، خصوصاً خلال الرحلات الطويلة، حيث يمكن أن يؤدي تخفيض السرعة قليلاً إلى تحسين المدى المتاح بصورة ملحوظة.
ولا يقتصر الأمر على السرعة وحدها، فالتسارع القوي والمتكرر يرفع بدوره استهلاك الطاقة، بينما تساعد القيادة الهادئة والمتوازنة على تحقيق كفاءة أفضل. وتستفيد السيارات الكهربائية داخل المدن من تقنية الكبح المتجدد، التي تسمح باستعادة جزء من الطاقة أثناء إبطاء السيارة وإعادتها إلى البطارية، وهي ميزة يقل تأثيرها نسبياً على الطرق السريعة التي تتطلب الحفاظ على سرعة ثابتة لفترات طويلة.
ويشكل تشغيل المكيف والتدفئة عاملاً إضافياً في استهلاك الكهرباء، إذ تعتمد هذه الأنظمة على الطاقة المخزنة في البطارية للتحكم في درجة حرارة المقصورة. ويكون تأثير التدفئة أكثر وضوحاً في الأجواء الباردة، خصوصاً في السيارات التي لا تتوفر على مضخات حرارية عالية الكفاءة، بينما يظل استهلاك أنظمة الترفيه والملاحة وشحن الهواتف محدوداً نسبياً مقارنة بالطاقة التي تتطلبها أنظمة التحكم الحراري.
وكشفت دراسة أجرتها مؤسسة "Recurrent" المتخصصة في تحليل بيانات بطاريات السيارات الكهربائية سنة 2025، وشملت نحو 30 ألف سيارة، أن ارتفاع درجة الحرارة إلى حوالي 38 درجة مئوية قد يؤدي إلى انخفاض المدى بنسبة تتراوح بين 17 و18 في المائة مقارنة بالظروف المثالية. وفي المقابل، أظهرت بيانات شتوية لاحقة أن السيارات المدروسة احتفظت في المتوسط بنحو 78 في المائة من مداها المعتاد عند درجات حرارة قريبة من الصفر، مع اختلاف واضح بين الطرازات وأنظمة إدارة البطاريات.
وتفسر هذه النتائج جانباً من التفاوت الذي يلاحظه السائقون بين فصول السنة، إذ تحتاج البطارية في الأجواء الباردة إلى ظروف حرارية مناسبة للعمل بكفاءة، فيما يؤدي تشغيل التدفئة إلى استهلاك إضافي للطاقة. أما خلال موجات الحر الشديد، فيضطر نظام التبريد إلى العمل بصورة أكبر لحماية البطارية والحفاظ على درجة حرارة مناسبة داخل السيارة، ما يؤثر في المسافة التي يمكن قطعها بالشحنة الواحدة.
ومن العوامل التي قد يتجاهلها بعض السائقين أيضاً وزن السيارة والحمولة الزائدة، إذ يرفع نقل الأمتعة الثقيلة أو تحميل السيارة بأغراض غير ضرورية مقدار الطاقة المطلوبة للتسارع وصعود المرتفعات. كما أن انخفاض ضغط الإطارات عن المستوى الموصى به، أو استخدام صندوق أمتعة فوق السقف، قد يزيد مقاومة التدحرج والهواء، وبالتالي يرفع استهلاك الكهرباء خلال الرحلات.
وينصح المختصون باتباع مجموعة من العادات البسيطة لتحسين المدى، من بينها تجنب التسارع العنيف والقيادة بسرعات مرتفعة دون ضرورة، والتأكد من ضغط الإطارات، والتخلص من الأوزان الزائدة. كما يمكن تشغيل التدفئة أو التكييف قبل الانطلاق أثناء توصيل السيارة بالشاحن، ما يساعد على تهيئة المقصورة والبطارية دون استهلاك جزء كبير من الطاقة المخصصة للرحلة.
وتتيح كثير من السيارات الكهربائية الحديثة أنظمة لمراقبة استهلاك الكهرباء، تسمح للسائق بمعرفة متوسط الطاقة المستهلكة لكل 100 كيلومتر، وملاحظة تأثير السرعة والطقس والتكييف على المدى الفعلي. ويساعد الاعتماد على هذه البيانات في التخطيط للرحلات وتحديد نقاط الشحن المناسبة، بدلاً من الاكتفاء بالمسافة التقديرية التي تظهر على شاشة السيارة.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.