الربيع الأوروبي بدأ.. مظاهرات الغلاء والمعاشات تشل المدن الإسبانية وتدفع نحو إضراب عام
هذه ليست إسبانيا التي اعتاد السياح زيارتها، إسبانيا التي كانت تتباهى بالاستقرار تعيش هذه الأيام على وقع أزمة اجتماعية خانقة، انفجرت شرارتها الأولى من شقة عجوز واليوم وصلت إلى كل المدن.
فالقصة بدأت قبل شهر، عندما تم إفراغ منزل السيدة ماريا كارمن أباسكال، 87 سنة، من شقتها في مدريد التي سكنتها لأكثر من 70 سنة. القضية التي هزت الرأي العام الإسباني تحولت إلى رمز للغضب، ونصب المئات خيامهم في ساحة بويرتا ديل سول الشهيرة في قلب مدريد وما زالوا هناك حتى اليوم.
أمس السبت، نزلت إسبانيا مجددا إلى الشارع. في مدريد وحدها، خرج حوالي 25 ألف شخص حسب الحكومة، و50 ألفا حسب المنظمين، للمطالبة بمعاشات عمومية كريمة ورفض خوصصتها.
المتقاعدون الذين دعتهم التنسيقية الوطنية للدفاع عن نظام التقاعد العمومي COESPE يطالبون بزيادة 6% في المعاشات لسنة 2027، لأن التضخم في إسبانيا بلغ 4,9% في شتنبر الماضي، والزيادات الحالية لا تعوض غلاء سلة التسوق.
كما قال أحد المتظاهرين: "المعاشات كل يوم تصبح أصغر مقارنة بتكلفة المعيشة وهذا يظهر في بيوتنا".
الغضب لم يقتصر على المتقاعدين، نقابة المستأجرين التي تقود الحراك تقول إن "ارتفاع تكلفة المعيشة يلتهم دخل ملايين الأشخاص". فحسب مواقع العقار، ارتفعت الإيجارات بنسبة 8,5% في إسبانيا و9,7% في مدريد خلال سنة واحدة، حتى أصبحت شقة من غرفة واحدة تكلف 1000 يورو، أي نصف متوسط الراتب في العاصمة.
المظاهرات لم تعد في مدريد فقط، في 3 أكتوبر، خرجت المظاهرات في 50 مدينة إسبانية للمطالبة بحلول لأزمة السكن، بعدما رفض البرلمان مرسومين للحكومة كانا يهدفان لتجميد الإيجارات ومنع طرد المستأجرين الضعفاء.
المطالب اليوم أصبحت راديكالية: تخفيض الإيجارات بنسبة 50%، عقود كراء غير محددة، ومصادرة منازل صناديق المضاربة الملقبة بـ "الصناديق المتوحشة".
والأخطر، أن النقابة دعت إلى إضراب عام يوم 11 نونبر المقبل، وقالت متحدثتها فاليريا راكو إن "ما بدأ كسياسة حقيقية للشعب سيعود نهائيا إلى الشوارع".
في برشلونة، الوضع أخذ منحى آخر، مظاهرة للشباب دعت لها شبكات التواصل تحت شعار "معاهد غاضبة"، انتهت بعمليات نهب متاجر وحرق حاويات ومواجهات مع شرطة الموسوس.
كل هذا يأتي في عز حملة انتخابية، فرئيس الحكومة بيدرو سانشيز الذي فشل في تمرير قوانينه، دعا إلى انتخابات تشريعية مبكرة يوم 29 نونبر المقبل، وهي انتخابات ستجري تحت ضغط الشارع.
إسبانيا اليوم أمام معادلة صعبة: حكومة أقلية ضعيفة، شعب يطالب بالسكن والقدرة الشرائية، وشارع لم يعد يثق في أن الحل سيأتي من البرلمان.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.