عقب فضيحة التجسس.. هل تخفض واشنطن دعمها الاستخباراتي لبرلين؟
أثار توقيف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني موجة قلق داخل الأوساط الأمنية في ألمانيا، بعدما تلقى الجهاز، وفق تحقيقات مشتركة لوسائل إعلام ألمانية، تحذيراً من أجهزة الاستخبارات الأمريكية يفيد بأن مستوى التعاون القائم بين الجانبين سيخضع للمراجعة والتقييم.
وبحسب المعلومات التي أوردتها وسائل إعلام ألمانية، فإن الرسالة الأمريكية وصلت بعد أيام قليلة من اعتقال الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، أوغست هانينغ، وشددت على أن جهاز الاستخبارات الألماني لا يزال شريكاً مهماً لواشنطن، إلا أن العلاقات الاستخباراتية بين الطرفين أصبحت محل تدقيق بسبب خطورة القضية.
اتهامات تمس الأمن القومي
وتتهم النيابة العامة الألمانية هانينغ، الذي سبق أن ترأس جهاز الاستخبارات الخارجية، بالحصول على وثائق حساسة من الجهاز على مدى سنوات بمساعدة موظف سابق يدعى مانفريد د.، كما يُشتبه في سعيه لنقل معلومات سرية إلى جهات أجنبية.
وتشمل الاتهامات الموجهة إليه شبهات الخيانة ومحاولة الكشف عن أسرار دولة وممارسة أنشطة مرتبطة بالاستخبارات الأجنبية، وهي اتهامات ينفيها فريق الدفاع عنه.
مخاوف من تراجع تدفق المعلومات الأمريكية
وأثارت الرسالة الأمريكية حالة من التوتر داخل جهاز الاستخبارات الألماني، إذ تعتمد الأجهزة الأمنية الألمانية منذ عقود على التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة في مجالات مكافحة الإرهاب وجمع المعلومات الاستخباراتية. ويرى مسؤولون أمنيون أن أي تقليص في هذا التعاون قد يشكل ضربة كبيرة لقدرات ألمانيا الاستخباراتية.
ورغم أن الرسالة الأمريكية أكدت استمرار تبادل المعلومات في القضايا العاجلة، مثل التهديدات الإرهابية المحتملة، فإنها دفعت قيادة الجهاز الألماني إلى متابعة أي تغيير في مستوى التعاون مع الشركاء الأمريكيين بشكل فوري، كما كشف تقرير حصري لوحدة الصحافة الاستقصائية في قناتي "ف.د.ر" و"ن.د.ر" وصحيفة زوددويتشه.
هل بدأت آثار الأزمة بالظهور؟
مصادر أمنية في برلين تؤكد أن التعاون مع الولايات المتحدة ما زال مستمراً بصورة طبيعية، مشيرة إلى أن بعض الاجتماعات المهنية أُرجئت فقط قبل إعادة جدولتها لاحقاً.
لكن عدداً من العاملين داخل الجهاز أفادوا، بحسب التحقيق الصحفي، بأن حجم المعلومات المتبادلة وجودتها تراجعا بالفعل مقارنة بالفترة السابقة، بل إن التراجع يبدو أكبر مما حدث عقب فضيحة التجسس المرتبطة بالمسؤول السابق كارستن ل. الذي اعتُقل عام 2022 للاشتباه في تسريب معلومات إلى روسيا.
أجهزة أمنية أخرى تقلل من المخاوف
في المقابل، لم تبدِ أجهزة أمنية ألمانية أخرى قلقاً مماثلاً. وأفاد المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) بأن تعاونه مع الأجهزة الأمريكية مستمر دون تغيير، كما لم ترد مؤشرات على تراجع التنسيق بين الجيش الألماني والأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية.
تحقيقات مستمرة وأسئلة بلا إجابات
ولا تزال السلطات الألمانية تعمل على تقييم حجم الأضرار المحتملة الناجمة عن القضية. وتشير المعلومات إلى أن الشرطة الجنائية الاتحادية صادرت مئات الوثائق الإضافية من حوزة هانينغ وتخضعها حالياً للفحص، فيما يواصل المحققون استجواب شهود في محاولة لمعرفة ما إذا كانت معلومات سرية أخرى قد وصلت إلى أطراف أجنبية.
كما يحقق جهاز الاستخبارات الألماني داخلياً في الكيفية التي تمكن بها الموظف السابق مانفريد د. من الوصول إلى الوثائق الحساسة لسنوات، وسط تساؤلات بشأن الرقابة الداخلية وإجراءات حماية الأسرار داخل الجهاز. وتشير التحقيقات الأولية إلى احتمال تهريب وثائق ورقية خارج المؤسسة، إضافة إلى وجود مراسلات إلكترونية بين المسؤولين المشتبه بهم لم يتم التعامل معها بالشكل المطلوب في حينه.
وتُعد القضية واحدة من أخطر الفضائح التي تواجه الاستخبارات الألمانية في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب مستوى المسؤولين المتورطين فيها، بل أيضاً لما قد تتركه من آثار على الثقة المتبادلة بين برلين وواشنطن في المجال الاستخباراتي.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.