د. عبد الكبير حميدي
على إثر أحداث بني بوعياش وإيمزورن المؤسفة، تعالت بعض الأصوات المنكرة، وبعض الصيحات العنصرية، من هنا وهناك، تسيء للعرب تارة، وللأمازيغ تارة أخرى. وتبادل المتعصبون من الطرفين السباب والشتائم على صفحات الأنترنيت، واستعمل في ذلك من الكلمات والعبارات ما يعف اللسان عن ذكره، وما ننزه هذا المقال عن إعادته، ولو في معرض الإنكار والتنديد، بل وصل التعصب الأعمى ببعضهم إلى درجة التطاول على مقام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى حد الاستخفاف بثوابت المغاربة التي انعقد عليها إجماعهم التاريخي.
وبعد أن نقول لهؤلاء جميعا: اتقوا الله في الوطن، ولا تجعلوا من أنفسكم معول هدم في بنيانه، الوطن وأمنه واستقراره ووحدته أمانة في أعناقنا جميعا، ونحن مسؤولون عنه أمام الله والناس والتاريخ.
بعد ذلك، نذكرهم بالحقائق الآتية عسى أن يتذكر الناسي، ويتنبه الغافل، وعسى أن نؤوب جميعا إلى رشدنا، وأن نتدارك أخطاءنا:
الحقيقة الأولى: أن ما يجمع المغاربة عربا وأمازيغ أضعاف ما يفرقهم، يجمعهم التاريخ والحاضر والمستقبل، يجمعهم الإسلام والأمازيغية والعربية، تجمعهم المصاهرة والجوار والعيش المشترك، تجمعهم الهوية الثقافية المتعددة، والقيم المغربية المشتركة، والشخصية المغربية المتميزة، تجمعهم أحداث الأمس، وهموم اليوم، وتطلعات الغد.
الحقيقة الثانية: أن اثني عشر قرنا من المصاهرة والتفاعل والعيش المشترك، جعلت من الشعبين شعبا واحدا، ومن القوميتين قومية واحدة، وصنعت منهم وحدة فكرية ووجدانية واجتماعية قل نظيرها، حتى أن المواطن المغربي العادي يشعر في قرارة نفسه أنه مغربي وأمازيغي وعربي، دون أن يرى في ذلك أدنى تعارض أو تناف.
الحقيقة الثالثة: أن الإسلام بالنسبة للمغاربة، يمثل مكسبا تاريخيا، ارتفع بهم فوق انتماءاتهم العرقية الضيقة، وسمى بهم إلى علياء الأخوة الإسلامية، فصار كل من الأمازيغي والعربي يعتبر الآخر أخا له في الدين، وشقيقا له في العقيدة، فسهل ذلك الارتباط برباط ثان لا يقل أهمية هو رباط الزواج والمصاهرة، فتصاهر وتزاوج الفريقان، واختلط الطرفان، فتشكلت من اختلاطهما وتزاوجهما الأمة المغربية المسلمة المجيدة، التي يجد فيها كل طرف ذاته وشخصيته، والتي لم تضق في يوم من الأيام بفئة من فئاتها أو مكون من مكوناتها. ولذلك،
فإن المغاربة ليسوا بحاجة إلى من يتعصب لقومية عربية ولا أمازيغية، بعدما صار الإسلام قوميتهم، وأضحى عقيدتهم، والمكون الأبرز لهويتهم الثقافية والحضارية.
الحقيقة الرابعة: أننا لسنا الشعب الوحيد في العالم الذي يتكلم أكثر من لغة، ويتواصل بأكثر من لسان، وأن التعدد اللغوي سنة من سنن الله في الكون، وآية من آياته في الخلق، وأنه يمثل عنصر تنوع وخصوبة وثراء، وليس سبب تعصب وتوتر وقلق، وأن ورش إعادة الاعتبار للأمازيغية وتأهيلها يجب أن يستمر، وأنه لا غنى عن العربية لغة القرآن ولا بديل عنها، ولا قبول للدعوات المشبوهة الى إحلال الدارجة محلها، وأنه آن الأوان أن تحل اللغتان الرسميتان للمملكة – العربية والأمازيغية – محل الفرنسية في التعليم والإدارة والإعلام والاقتصاد.
الحقيقة الخامسة: أن الأمم الراقية والشعوب المتحضرة، عندما ترجع إلى تاريخها لتستمد منه العبر والدروس، وتستلهم منه الزاد النفسي والثقافي والحضاري، الذي يمكنها من النمو والرقي والازدهار، لا تفعل ذلك بمنهج انتقائي سلبي ينكأ الجراح، ويضخم الجوانب المظلمة والصفحات السوداء، التي لا يخلو منها تاريخ أمة من الأمم، باسم " تصحيح التاريخ"، وإنما تفعل ذلك بمنهج شمولي ونفس إيجابي، يهتم بالجوانب المضيئة، ويركز على الصفحات المشرقة، بما يحفظ الأجواء المناسبة للسلم الأهلي، والأمن الروحي، والاستقرار الاجتماعي، ويمكن من مراجعة وتصحيح الذات التاريخية والحضارية، بحكمة وتدرج وطول نفس، ودون مشاكل وقلائل وتوترات.
الحقيقة السادسة: أن المحظوظون في مغرب اليوم منهم عرب وأمازيغ، والمحرومون منهم عرب وأمازيغ، وأنه لا داعي لأي تقسيم عنصري أو مقاربة إثنية للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الجاثمة على صدور المغاربة بكل أطيافهم وانتماءاتهم، وأن هذا لا يمنع من القول بأن بعض مناطق المغرب تعاني من الهشاشة والتهميش أكثر من بعض، ولا تستفيد كل الجهات من نفس فرص التنمية والتأهيل، وأن ذلك يجب أن يصحح في إطار مشروع الجهوية الموسعة القادم إن شاء الله.
الحقيقة السابعة: أن كثيرا من التوترات العرقية والفتن الطائفية في البلاد الإسلامية وعبر العالم، بدأت بملاسنات وشتائم وكلمات عنصرية أو طائفية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى حروب وصراعات طاحنة لا سمح الله، أزهقت فيه الأرواح، وانتهكت الأعراض، وفسح المجال للتدخلات الأجنبية، والإملاءات الخارجية، فذاقت الشعوب ويلات الحروب، وتجرعت آلام التشرذم والانقسام، فهل يريد المتعصبون من بني جلدتنا، والمتهورون من شبابنا، أن يأخذونا على غفلة من أهل الغيرة والوطنية الصادقة إلى مثل هذا المصير المشؤوم؟.
اللهم احفظ على المغرب أمنه واستقراره، وعلى المغاربة وحدتهم وأخوتهم
اللهم جنب المغرب الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم اجعل المغرب سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين
آمين
والحمد لله رب العالمين
