الرئيسية | أقلام حرة | المدرسة المغربية بين العربية الفصيحة والعامية

المدرسة المغربية بين العربية الفصيحة والعامية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المدرسة المغربية بين العربية الفصيحة والعامية
 

إن من المواضيع التي استأثرت باهتمام كبير في الآونة الأخيرة سواء في الأوساط الثقافية أو الأكاديمية بالمغرب .نجد قضية اللغة ,التي يجب استعمالها في المدرسة المغربية .

 

فبين قائل بأن العامية هي الحل الأمثل لتجنيب أبناء المغاربة ما يعيشونه يوميا من تناقض صارخ ,يتجلى بوضوح في كون المدرسين يتحدثون مع تلاميذهم باللغة العربية الفصحى داخل قاعات الدراسة .لكن سرعان ما تتحول هذه الفصحى إلى عامية شعبية عندما ينصرف التلميذ إلى المنزل .هذا التناقض هو الذي أصاب التلميذ المغربي بازدواجية في الشخصية بل والهوية كذلك .

 

نجد أن المدافعين عن اللغة العربية الفصيحة لا يروقهم هذا الكلام أبدا ,معتبرين أن أي "دعوة إلى العامية لا يمكن أن تكون بريئة ولا نتيجة بحث نزيه غير مغرض,و إنما هي محاولة لاقتلاع الإنسان المسلم من ثقافة أمته وعزله ثقافيا وشعوريا ليسهل تشكيله وإلحاقه بأي نموذج ثقافي آخر".(مصطفى بن حمزة ,الدعوة إلى العامية المسار والأهداف ,ص 62)

 

كما أن إحلال الدارجة المغربية محل العربية الفصيحة أمر غير ممكن أصلا ,ذلك أن الكم الهائل من المعاني والدلالات التي يزخر بها المعجم العربي الفصيح لا يمكن أن نجد لها ما يقابلها في العامية .ولنعط أمثلة بسيطة على ذلك فما هو مقابل الكلمات التالية (بنية,عمران,مكبر الصوت .....)والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن الإحاطة بها .بل إن المقارنة بين العربية الفصيحة والدارجة المغربية ,لا تجوز أصلا .وذلك أن الأولى تتسم بمجموعة من السمات والخصائص التي لا يمكن لأي لغة أخرى أن تتحلى بها ,فكان من بين ما تحدى فيه القرآن كفار قريش –الذين كانوا أفذاذا في اللغة العربية نظمها ونثرها –أن يأتوا بمثل هذا القرآن ,بل بعشر سور من مثله ,بل بسورة منه فقط ....وهذا التحدي الذي رفعه القرآن منذ مجيئه, والذي ما زال قائما حتى اليوم, إنما جاء بالتدريج بسبب عجز العرب عن التصدي له.وحتى الذين حاولوا تقليد بعض سور القرآن أصبحوا فيما بعد أضحوكة يسخر منها الصغير قبل الكبير. ما يعني أن هذا النص القرآني الفصيح يتسم بسمة أساسية وهي" أن الكلمة تحتل فيه مكانها ,ولا يمكن أن تزحزح أو يستبدل بها غيرها من العربية نفسها " (نفس المرجع ص 52) فما بالك أن تعوض بكلمة من لغة أخرى,بل من لهجة عامية لم تعرف يوما طريقا إلى التقعيد ولا إلى أي شيء.

 

وهنا تبرز مسألة أخرى لابد من الإشارة إليها ,وهي قضية المترادفات "التي تغيب عمن لم يتمرس بالعربية ولم يعرف أسرارها هي أن الكلمة ذات دلالة دقيقة محددة ,وإذا تحدث الناس عما يسمونه المترادفات ,فإن ذلك غالبا ما يعبر عن جهل بالفروق الدقيقة بين كلمة

 

وأخرى ,فكلمة قعد وجلس مثلا لا تستويان عند بعض اللغويين ,فالجلوس يكون عن تمدد على الأرض ,بينما يكون القعود بعد الوقوف وهكذا ".(نفس المرجع ص 51-52)

 

وللتعمق أكثر في الموضوع لابد أن نشير إلى رأي أحد المتخصصين في الموضوع وهو عالم اللسانيات المغربي الأستاذ عبد القادر الفهري ,التي تحدث كثيرا عن هذا الموضوع .

 

ففي ندوة علمية نظمها الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمعهد العالي للاعلام والاتصال بالرباط يوم الجمعة 23 فبراير سنة 2018بحضور العالم المذكور سلفا .والذي تحدث عن بعض الحقائق العلمية التي تثبت تفوق اللغة العربية الفصيحة سواء في نظر العرب أو حتى الغربيين .

 

فمن جهة نجد أن ما يقارب 500 مليون شخص عبر العالم يتحدثون بها وهم في ازدياد مطرد,أضف إلى ذلك أنها اللغة الثانية من حيث الانتشار في العالم. علاوة على أنها تحتل المرتبة الرابعة في الاستعمال على الإنترنيت ,في حين أن اللغة الفرنسية تحتل المرتبة العاشرة فقط.

 

ومن جهة أخرى يؤكد التصنيف الإنجليزي على أن اللغة العربية هي من ضمن اللغات المستقبلية الأربع في العالم .مقابل عدم اعتبار اللغة الفرنسية من لغات المستقبل .

 

ومن هنا نستشف أن حتى الفرنسية التي يتكلم بها عدد لا بأس به من الدول في تراجع مستمر ولم تعد قادرة على الصمود,فما بالك بالعامية الدارجة التي لا ينتبه لها أحد أصلا إلا أولائك الذين يدعون إلى التدريس بها في المدارس .والأكيد أنهم لا يعرفون حتى معنى الدارجة ,كما يذهب إلى ذلك الأستاذ الفهري الذي أعطى تقسيما "لنوعات "اللغة العربية داخل المغرب ,فاعتبر أن اللغة العربية الفصيحة هي النوعة الأولى ,واللغة الوسيطة في الرتبة الثانية, هذه اللغة الوسيطة- يقول الفاسي الفهري- أنها تتشكل من المعجم الفصيح ,إذا أضفنا إليه ذلك النحو الذي يربط بين الكلمات لتشكيل جمل ,أو بين الجمل لتشكيل فقرات ,فهو مستمد من العامية. يعني أن الذين يتبجحون بالدعوة إلى العامية ,هم في حقيقة الأمر يدعون إلى تلك اللغة المسماة الوسيطية .

 

لكن يبدو أن الأمور قد اختلطت عليهم دون أن يفطنوا إلى ذلك .ما يؤكد بالتالي ما عبرنا عنه في البداية بأن "هذه الدعوة لا يمكن أن تكون نتيجة بحث نزيه غير مغرض" .

 

وبناء على ما سبق ,يجدر بنا أن نشير إلى أنه لا يمكن القبول بتعويض اللغة العربية الفصيحة بأية لغة أخرى كيفما كانت .لأن في ذلك خطرا كبيرا على الأمة الإسلامية في جميع بقاع العالم ,وذلك لكون أقدس كتاب في الكون كله وموجه إلى الكون كله ,كتب بهذه اللغة ,بما فيه من معان عظيمة ودقيقة غير قابلة لأي تزحزح أو تعويض.ثم إن أي تفريط

 

 

فيها هو تفريط في الشريعة الإسلامية كلها,ذلك أن تدريس أبناء المغاربة في المدارس بالعامية سيحول دونهم أولا لقراءة دينهم وفهمه ,وتراثهم والتشبث به.

مجموع المشاهدات: 533 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع