الرئيسية | أقلام حرة | "كرني لكريدي" عند جل المغاربة في هذا الزمان يعوض بطاقة الائتمان

"كرني لكريدي" عند جل المغاربة في هذا الزمان يعوض بطاقة الائتمان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"كرني لكريدي" عند جل المغاربة في هذا الزمان يعوض بطاقة الائتمان
 

"كرني لكريدي "بتواجده  اليوم عند جل الأسر المغربية المتوسطة والفقيرة ، وأمسى  يعوض بطاقة الائتمان التي يمتلكها ميسورو ا الحال بهذا البلد ، بسبب ضعف القدرة الشرائية وغياب الادخار الأسري واتساع نسبة الفقر والهشاشة…

 

لقد كانت الحياة في زمن الأجداد جد بسيطة للغاية .. عاشوا عيشة البسطاء وتجلت تلك البساطة في أثاثهم وتجهيزات بيوتهم، وفي أكلهم وشربهم.. وكانوا لا يعرفون عالم السلف والاقتراض ولا يقتنون أي شيء يذكر إلا بعدما يجمعون ثمنه.. ولا يمدون أيديهم لغيرهم إلا تكافلا وتآزرا وتعاونا..!!

فهم؛ لم يعيشون زمان و عصر العولمة والاستهلاك والقروض.. وكل شيء يمكن لك أن تحصل عليه في وقت وجيز بسلف سريع و بقروض استهلاكية بفوائد تفضيلية  أو مسكن اقتصادي بمدينة ساحلية أو سياحية ،ولاتسدد فاتوراته حتى ينزل  عليك عزرائيل عليه السلام ليأخذ الأمانة لرب العالمين..تجهيزات منزلية..هواتف ذكية ..حواسيب..ألبسة وعطور ..كل شيء في ملكك وفي متناولك .. بطاقات التأمين تحملها في جيبك و تعفيك من حمل محفظة نقودك..!!؟؟

وفي عصرنا يعيش إنسان الآلة في عالم الضجيج والفوضى والقلق والاختناق والخوف والإجرام بشتى أنواعه، وطاعون الاستهلاك الأعمى في غياب الطمأنينة والسكينة والهدوء وراحة البال، والغوص في بحر لجي بسبب السلف والاقتراض الذي لا ولن يتوقف ما دام الإنسان يعيش عالم المظاهر وخدع الإشهار والموضة. وعلماء ومفكرون يبدعون طرقا جهنمية لتحويل الإنسان تبعا لعمره مستهلكا أعمى لما يتم ترويجه من منتوجات لشركات عالمية لا يهمها إلا الربح السريع عبر القارات الخمس…!!؟؟

وفي بلدنا هذا ، الذي لا تفصله عن المجتمع الاستهلاكي -الغربي إلا أميال بحرية لا بد أن يكون محط اهتمام كبير من طرف الغرب المسيحي ، سواء كنقطة عبور نحو الجنوب أو للاستقرار ما دامت الظروف كلها سانحة و تخدم رأسماليها من يد عاملة رخيصة وتكلفة عقار بخسة وهامش الربح الكبير ومجتمع مستهلك و هلم جرا

ومما لا شك فيه وباعتراف كل مغربي يكتوي بارتفاع تكلفة العيش وارتفاع الأسعار ومتطلبات الحياة المعاصرة و انتشار الفقر بشتى أنواعه بين الفئات الواسعة من الشعب، إذ أمسى الكل يعاني ويكابد بسبب البون الشاسع بين غلاء المعيشة وكسب الرزق والرواتب الشهرية في القطاع العام والخاص ، واندحار الطبقة المتوسطة التي كانت إلى عهد قريب تعيش اكتفاءها الذاتي و تدخر لنفسها خوفا من تقلبات الدهر وصروفه، أما اليوم فالأغنياء يعيشون فوق جنة الأرض والباقي يعاني الهشاشة والفقر والحاجة.. ولا حل للسواد الأعظم من الشعب إلا طرق أبواب السلف والاقتراض  على المديين المتوسط والبعيد.وذلك مواكبة للإشهارات الجديدة والقديمة.. سيارة جديدة بالسلف...شقة اقتصادية بالسلف..مواد غذائية هي الأخرى من عند البقال بالكريدي..دواؤك ودواء أفراد أسرتك من صيدلية الحي بالسلف.. أضف إليها أضحية العيد والألبسة والخضر والفواكه وهلم جرا.. 

وكل ما تحتاجه اليوم من ضروريات فهو فوق قدرتك الشرائية وما عليك حينها إلا أن تفعل كما فعل جارك أو تحول باب دارك كما يقول المثل المغربي..!!؟؟

كلنا اليوم نعيش  بالسلف أي(بالكريدي) وفي إطار المعاملة اليومية للمواطن المغربي للحصول على كل حاجياته الضرورية والملحة من أغذية وأدوية وأواني وتجهيزات لا بد أن يسلك طريق المعاملة بالسلف، والالتزام سواء بالاقتطاع بالأقساط الشهرية أو من خلال العملية الرياضية مع البقال والجزار والخضار والصيدلي وحتى بائع النعناع.. المجموع الشهري ناقص الدفع والباقي يتصدر اللائحة الجديدة..!!؟؟

لذلك فلا لغة تعلو بين المغاربة فو ق  

 لغة الاقتراض والسلف والعيش في متاهة لا حد لها . ولا أحد يخرج منها سالما غانما، لأن هناك كم من إنسان اليوم تشابكت عليه خيوط المشاكل وأمسى يعيش في أزمة مالية مرعبة،

وازدادت متطلبات الأسرة ومع استمرار ضائقة الحياة وانسداد الأفق وفي غياب الحلول تكون النهاية تراجيدية ، و وبالا على الجميع لا على رب الأسرة ولا على أفرادها بحيث الكل يعيش على أعصابه ويسود جو من القلق والصراع بين الوالدين ولا يسلم الأبناء من مخلفات كذا إعصار تعيشه الأسر بين قوي وخفيف ومتوسط ...!!؟؟

البقال نفسه فلا يبيع سلعته اليوم للزبائن إلا بالكريدي، والزبون نفسه يزوده  بكرني من الحجم الصغير يحمل اسمه وعادة ما تراه يشبه السجل الكبيرالذي يمتلكه  البقال (روجيستركبير) ليضبط فيه معاملاته عبر تدوين السلعة باسمها وثمنها عنده ولدى الزبون، و كي تتسم عملية الكريدي بالشفافية والنزاهة المطلوبة قل نظيرها في كذا معاملاتنا الكبرى فيما يسمى بدفتر التحملات.. ولما تمعن النظر جيدا في أوراق" كرني لكريدي" وقد تآكلت و شحبت، وقد فقدت نصاعة بياضها.. ولربما ذاك السجل الكبير نفسه قد اجتمعت بين طياته هموم ومآسي الزبائن وأثرت في منظره بطريقة سوريالية للغاية ..!!؟؟

البقال يعطي كل ما يطلبه الزبائن

 يوميا وفي أي وقت، وفي أي ساعة وحتى في الأعياد والمناسبات ..فهو لا عطلة له ..فهو لا راحة له يستشعرها في ليله ونهاره ..لكن تلبيته للطلبات تبقى مرهونة بالسيرة الذاتية للأشخاص وسلوكاتهم ومعاملاتهم عند نهاية كل شهر ، وهل لهم أجر قار أم أجرهم لا يستقر على حال ..!!؟؟

وهل هو مهني ..؟

 أم حرفي ..؟؟

 أم بائع متجول..؟؟

 أم عامل يومي..؟؟

أم عاطل يعيش الفقر بكل طقوسه ومحنه ..؟؟

والبقال يمكن أن يقرض المال لنوع من الزبائن المخلصين والأوفياء ، في أوقات الشدة والعسر ، لأن البقال هامشه هو الآخر من الربح محدود جدا، وهو الحلقة الأضعف في عالم التجارة والتجار الكبار الذين يستفيدون من حصة الأسد في عمليات البيع والشراء والتوزيع

 أما بالنسبة لبقال الحي فمثله كمثل موظف القطاع العام يعيش على عتبة الحد الأدنى للأجر، ويصارع الزمان كي يعيش..وهناك فئة من الناس يبدو لهم بأن حال البقال بألف خير وهو الذي يدخل محله صباحا ولا يغادره إلا في وقت متأخر من الليل ، مما يعرضه لأمراض جسدية ونفسية ومصير حياته وأسرته رهين بسلامته وصحته لأنه يبقى في الغالب هو المعيل الوحيد للأفواه التي تنتظره..!!؟؟

البقال تربطه علاقات اجتماعية وإنسانية متباينة مع عدد كبير من أنواع من البشر.. فمنهم من يحكي معه ..ومنهم من يتجاذب معه أطراف الحديث.. ومنهم من يتشاجر معه على أبسط الأشياء.. ومنهم من يقطع معه الصلة ،ويترك ورقته الشخصية في السجل الكبير (روجيستر ) مملوءة عن آخرها بما أخذه من مواد غذائية ..ومنهم من يتعامل معه بالكذب والزور حتى يحصل على مراده وبعدها يقطع معه الصلة وكأنه لا يعرفه..!!؟؟

إنه البقال الذي لا يمكن له أن يروج ويبيع سلعته في هذا الزمان " بشعار ممنوع الطلق والرزق على الله" أو "ممنوع الوقوف بدون حاجة " لأن الأسر المغربية قد تم تفقيرها بكثرة الزيادات و لهيب الأسعار وغابت الرفاهية والتوسعة في الأرزاق بل الكثير يحل مشاكله المستعصية على حساب الطبقة الهشة والفقيرة في  المجتمع المغربي

ولا أحد اليوم في مجال العلاقات التجارية الصغرى والمتوسطة يمكن أن يتعامل مع الزبائن والمستهلك خارج منظومة الكريدي والسلف بشتى أنواعه . فالصيدلي نفسه يبيع دواءه بعرف لكريدي دفع وبقي وإلا سيجد نفسه "ينش الذبان " وهو في ضائقة مالية لن يخرج منها ما دام هو نفسه يعتبر صلة وصل بين شركات الأدوية والزبائن..وكثير من هؤلاء الصيادلة يعانون هم الآخرون عدة مشاكل مع الزبائن على شاكلة حالة البقال. فمنهم من يأخذ الدواء من صيدلية الحي طيلة شهور عديدة ولما ترتفع الفاتورة إلى رقم من الأرقام يأتي إلى الصيدلي وفي يده مائة أو مائتي درهم، وكأن الصيدلي "باع ليه بطاطا ولا البصلة"أو ذاك الدواء الذي اقتناه منه يصنعه في معمله الخاص.. وأي كلام يوجهه الصيدلي للزبون ويطلب منه دفع ما بدمته هاههنا يظهر بوجهه القبيح، ويستشيط غضبا وتنقلب الأشياء في هذه الحالة من معادلة ظالم إلى مظلوم.. ومنهم من يأخذ الدواء وينقص منه ثم يعيد إغلاقه بدقة ليسترجعه للصيدلي بدعوى أنه لم يعد في حاجة ماسة إليه .. ومنهم من يسرق الدواء الموجود في العلبة ويعود أدراجه للصيدلية على أساس أنه فتح العلبة ووجدها خاوية على عروشها ، وما على الصيدلي إلا إعطائه دواء جديدا في حينه ..ومنهم من يبقى عنده الدواء شهرا ويبهت لون العلبة ويتغير حالها وبعدها يعيده بدون حرج ما دام يعتبر زبونا للصيدلية ويتعامل بالكريدي ..!!؟؟

 

 

إذن هي حكايات غريبة وعجيبة يعيشها كل محل اليوم يبيع ويشتري ولكي يروج ويخرج سلعته فلا مفر له من شر الكريدي ووباله على الجميع... والسبب هو القدرة الشرائية الضعيفة وانتشار الهشاشة والفقر والعوز والحاجة بين فئات عريضة بين البشر ، وغياب الموازنة بين ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن والمواطنة في انتظار أن تنفرج بحول الله وقوته.

 
مجموع المشاهدات: 376 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع