الرئيسية | أقلام حرة | هل للانتحار والأمراض النفسية علاقة بالمناسبات الدينية؟

هل للانتحار والأمراض النفسية علاقة بالمناسبات الدينية؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
هل للانتحار والأمراض النفسية علاقة بالمناسبات الدينية؟
 

 

يُحدِّد العديد من المرضى أن بداية أمراضهم تعود على سبيل المثال إلى مناسبة عيد الأضحى الأخير أو خلال شهر رمضان الماضي أو بمناسبة عاشوراء. كما أن بعضهم يخبرونني أنه في كل عيد الأضحى مثلا أو بعد كل شهر رمضان يصابون بنفس المرض ويحدثون نفس النوبة. كما نرى بعض حالات الانتحار التي تُنشر في بعض الصحف خلال هذه المناسبات الدينية وعلى سبيل المثال أم لثمانية أطفال انتحرت بتطوان يوم الخميس 15 غشت الماضي(1) و انتحار شاب بتزنيت يوم الثلاثاء 13 غشت (2).

في الواقع تعود هذه المناسبات الدينية كل سنة في نفس الفصل السنوي تقريبًا مع تغيير طفيف كل عام (11 يومًا حسب السنة القمرية) بالعِلم أن في الطب النفسي هناك أمراض دورية تتكرر كل مرة تقريبًا في نفس الفصل السنوي، مرة في السنة أو كل سنتين أو أكثر حسب الجدية في العلاج وظروف الحياة. ولكن أيضًا يمكن أن تكون هذه المناسبات الدينية بالصدفة دلالة عن ظهور بعض الأمراض النفسية.

للعلم أن فصول السنة تؤثر بشكل عام على الطبيعة بأكملها وهي التي تقرر عند الحيوانات موسم التزاوج الجنسي في فترة معينة في السنة، مرة واحدة أو أكثر حسب فصائل الحيوانات. كما تقرر متى تسقط أوراق الشجر وفي أي فصل تظهر مرة أخرى هذه الأوراق والزهور والفواكه. وهكذا تؤثر كذلك الطبيعة على الإنسان وبالضبط على مزاجه وإفرازات النقالات العصبية حيث يتغير المزاج حسب تغيير الفصول بصفة عامة (نكون نشيطين في الربيع أكثر من فصل الشتاء مثلا) وبصفة خاصة عند المرضى.

ما هي إذاً هذه الأمراض النفسية التي تظهر لأول مرة أو تتكرر مع تغيير فصول السنة؟

1- الاكتئاب الحاد أو الكئيب(3) في مرض الاضطراب الثنائي القطب(4)

الاكتئاب الكئيب(3) هو اكتئاب شديد مع المبالغة في جميع أعراض الاكتئاب (الوهن الكلي، الحساسية للضوء وأشعة الشمس، العزلة في الظلام، التخدير العاطفي، عدم القدرة على الشعور بالفرح، الفقدان التام في الاهتمام بالنظافة والشغل والبيت والأبناء، فقدان الشهية، الإهمال الذاتي، الشعور بالذنب، عدم القدرة على الشعور بالحب حتى مع الأقرباء والزوج والأطفال، الشعور بعدم الجدوى في الحياة، مع وجود خطر كبير في الانتحار المتعمد والذي ينجح في أغلب الأحيان. ويعتبر هذا المرض في الطب النفسي من الأمراض الخطيرة والمستعجلة مع العلم أنه مرض بيولوجي (اضطراب مهم في إفرازات الناقلات العصبية ولا علاقة له بالإيمان كما يعتقد المغاربة) وغالبًا ما يكون وراثيًا لأن السبب باطني وتكويني(5) في هذا النوع من الاكتئاب.

يتميز هذا المرض الخطير بخاصية الظهور لأول مرة أو التكرار عند تغير الموسم السنوي، وغالبًا ما يكون في الخريف أو الشتاء، ولكن يمكن أن يحدث (نادرًا) في الربيع أو الصيف.

وعندما تتزامن مناسبة دينية مع هذه التغييرات في الفصول (من الخريف إلى الشتاء مثلا) تصبح المناسبة الدينية علامة زمنية لبداية أو تكرار المرض وهكذا يربط المريض مرضه مع المناسبة الدينية.

2- الهوس(6) في الاضطراب الثنائي القطب(4)

يتميز الهوس(6) بالإثارة الحركية حيث ينام المريض قليلًا (ساعتان أو 3 ساعات في اليوم)، و يتم تسريع الفكر، ويتحدث بكثرة حيث لا يصمت إلا أثناء النوم، ويرى الحياة باللون الوردي، ويرتدي ملابسًا غير متلائمة مع عادته وعادات المحيط، ويصبح عنده التواصل سهل للغاية وغير متناسب مع الجميع، ويشعر بسعادة وبهجة كبيرة، وُيُغنّي بصوت مرتفع، ويصبح له العديد من المشاريع (السفر، الزواج، الطلاق، المشتريات، المبيعات ..)، ويظل مزاجه غير مستقر للغاية ويمكن له أن يغضب بسهولة شديدة وبصورة مفرطة. وفي هذه الحالة من الإثارة يُعرِّض نفسه للعديد من مخاطر الطب الشرعي(7) حيث مسؤولية المريض تصبح غير مباشرة مثل التسوق القسري، وكثرة القروض المالية، وتوقيع الشيكات مع أو بدون رصيد، وبيع ممتلكاته، وارتكاب الاغتصاب الجنسي، والتعاطي للتجارب في المخدرات، والاحتيال والسرقة ...

في الواقع يتغير المريض بسرعة فائقة بحيث لا تتعرف عليه الأسرة بعد ذلك. ولكن بالنسبة للمريض، يسير كل شيء بسرعة كبيرة حيث يتم كسر جميع القوانين الاجتماعية ويصبح كل شيء ممكنًا ولا يمكن لأي شيء أن يمنعه من أداء ما يجري في ذهنه.

يتميز الهوس بخاصية الظهور لأول مرة أو التكرار مع تغير الموسم، وغالبًا ما يكون في الربيع أو الصيف ولكن يمكن أن يظهر أيضاً (نادرًا) في الخريف أو الشتاء.

عندما تتزامن مناسبة دينية مع هذه التغييرات في الفصول (من الربيع إلى الصيف مثلا) تصبح المناسبة الدينية علامة زمنية لبداية المرض وهكذا يربط المريض مرضه مع المناسبة الدينية.

3- انفصام الشخصية(8)

يظهر هذا المرض غالبًا بطريقة ماكرة وهادئة وتدريجية ويمكن أن يمر الدخول في المرض مرور الكرام. وبحلول مناسبة دينية مثل عيد الأضحى، غالبًا ما تجتمع العائلة بأكملها في بيت الوالدين، وبالتالي نلاحظ أن المريض يبقى معزولًا في غرفته ويرفض الجلوس إلى طاولة الأكل مع أفراد عائلته ويرفض الذهاب لزيارة العائلة أو حتى الترحيب

بالزائرين في المنزل بمناسبة العيد. وبالتالي تبدو الأعراض واضحة وصارخة لكل أفراد عائلته وكأن المرض بدأ بمناسبة هذا العيد.

كذلك يشعر المريض بقلق حاد وبحالة الكرب لوجود الكثير من الناس في المنزل ويشعر بالاضطهاد والتهديد (الهلوسة). وتزداد هذه المخاوف كلما أصرت الأم مثلا على المريض للجلوس إلى المائدة والخروج من عزلته حيث تصبح هذه المخاوف غير محتملة وهذا ما يجعله يعاني من أزمة ذهانية حادة(9) أو يحاول الانتحار أو مهاجمة مضطهديه (بما في ذلك والديه) أو يهرب من المنزل ويشرع في رحلة أو سفر مرضي ولا يعود إلى المنزل إلا بعد بعض أيام أو أسابيع أو شهور أو سنوات أو لا يعود أبداً.

أيضا هناك حالة أخرى حيث في مرض انفصام الشخصية(8) نستطيع بفضل العلاج الوصول إلى نتائج ايجابية وغالبا ما تتوقف الأسرة (بدون استشارة الطبيب) عن العلاج بعد 6 أو 8 أشهر ويستمر المريض بدون أخذ الأدوية وغالبا ما يبقى المرض مستقرا بعض الشهور حسب كل حالة. ولما تأتي المناسبة الدينية (بعد مرور عام) يتكرر المرض كأول مرة. وهكذا تربط الأسرة المرض بالمناسبة الدينية وليس مع توقيف العلاج وفصول السنة.

4- الهستيريا (10)

يجب أن نتوقف عن اعتبار المرض الهستيري أنه مجرد سيناريو مسرحي أو أن المريض (غالبًا النساء) يمثل ويلعب دور سينمائي. الهستيريا مرض خطير ويعاني المريض بعمق بنزاعات كثيرة في ألاّوعي وهذا ما يُحدث النوبة الهستيرية.

خلال المناسبات الدينية مثل عيد الأضحى يجتمع جميع أفراد الأسرة ويأتي الإخوان مع زوجاتهم والأخوات مع أزواجهن وإشكالية الهستيري هي ذات طبيعة جنسية ولكن بطريقة اللاوعي تماما. وفي مثل هذا اللقاء العائلي تحدث بعض النزاعات والتوترات النفسية الهائلة والتي تُحدث عند المريض نزاعاته النفسية الداخلية ألاّواعية وتؤدي إلى فك رموز الأزمة الهستيرية عند المريض وتدخل في نوبة هستيرية حادة حيث يُنقل إلى المستعجلات. وهكذا ترتبط نوبة الهستيريا بمناسبة عيد الأضحى على سبيل المثال.

* الدكتور جواد مبروكي، طبيب نفساني وخبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

مجموع المشاهدات: 975 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (4 تعليق)

1 | عمران
امراض القلوب
كل هذا الذي ذكرته فضيلتكم يدخل في نطاق امراض القلوب .
مقبول مرفوض
0
2019/08/17 - 05:08
2 |
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الذي لا إله إلا هو
بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله

يضع المريض أو أقرباؤه ملعقة صغيرة من الحلبة في كأس ماء بارد، وبعد ساعتين على الأقل يدهن المريض كل جسمه من ذلك الماء أو على الأقل مفاصله قبل النوم، ويستمر على ذلك مدة طويلة جدا إذا تطلب الأمر ذلك، يحتفظ بالماء والحلبة في الثلاجة أو بدون ثلاجة يومين أو 3 ويبدله قبل أن يتعفن بدون الثلاجة
وليلاحظ الفرق
وليعتقد أن الله هو الشافي وأن الله سبحانه هو الذي خلق الحلبة وخلق كل شيء
ويذكر الله كثيرا و (لا حول ولا قوة إلا بالله 1000 مرة في اليوم مثلا) ويقرأ كثيرا آية الكرسي (100 مرة يوميا مثلا) وسورتي الفلق والناس ويكررها كثيرا ما أمكن ويجتهد في ذلك، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 111 مرة أو 333 مرة يوميا مثلا، ويحافظ على الوضوء والصلاة في وقتها وجماعة ما أمكن، والدعاء بالشفاء وطلب الشفاء من الله كثيرا ليلا ونهارا

فهل سيذيب ماء الحلبة العقل الباطن حسب اعتقاد صاحب الموضوع الذي سبقناه في الاحاطة بكل ما كتب عن العقل الباطن اللاواعي بسنوات عديدة ومنذ طفولتنا، وكنا أذكى منه ونعتقد ذلك ولنا ما يبرره، اللهم بارك، ولسنا هنا لنقول له أننا لا نعتقد بصحة ذلك، ونحن فعلا كنا نعتقد ذلك خطئا من قبل ولم نعد نعتقده حاليا بعدما صححنا الأخطاء واكتشفنا الحقائق بالعقل الواعي دون تأثير الزايد أو العقل الباطن
أم أنه سيذيب الزوار لي ما يذكرو ويذيب طاقتهم السلبية من سحر وعين وحسد وغير ذلك من الغير المرئيات
هذا لن يستطيع الكاتب تجربته، لأن عقله الباطن لن يتركه يفعل ذلك أم لي ما يذكرو لي ساكنين في الخشبة
وهل تستطيعون أنتم فعل ذلك
الحلبة ذات رائحة طيبة
وقد تشعرون أن رائحتها كريهة لسبب ما غير طبيعي فيكم وستزول بزواله منكم
هذا التعليق يتطلب تشغيل الذكاء والعقل الواعي وتجربته وليس إبداء الرأي فيه مسبقا من طرف الجن الغير الواعي صاحب العقل الباطن اللاواعي (الزايد) المُخالِط للمريض ولعقله
ومن له معلومة عن المواد (المادية خصصوصا) التي تنفع هنا لهذه الحالات والتي أكدت التجربة فعاليتها فليفد بها هنا في التعاليق لأن استعمالها سهل
راه ماكاين لا عقل باطن ولا عقل غارق، الجن والشياطين يخادعون الانسان المصاب بهم بفكرة العقل الباطن وغسيله والتحكم فيه وتسخير الكون للمريض ويوسوسون له بذلك حتى لا يطلع له الدم، فيحمي أوتاد حديد حتى تحمر ويطفيها تحته بصب الماء عليها في منزله أو عند حداد، ويتفك حتى الثيقاف ديالو إلى كان حتى مثقف جنسيا، ويشعر براحة وكأن حملا ثقيلا أزيل من فوق ظهره، وا العقل الباطن ولا العقل الخامج، وردوا عليا لخبار وعلى روسكم وعلى العقل الباطن الذي سيرحل عنكم إن شاء الله هو ووساوسه
وهذه التجربة الأخيرة خاضعة لمنهج التجربة العلمية ولا تحمل لا اعتقادا ولا أفكارا ولا برمجة ولا تحليلا ولا تعقيدا، جرب واحكم بنفسك إن كنا كاذبين أو خاطئين أو غالطين أو واهمين
ومن شاء دعا لنا بخير عن ظهر الغيب بالحفظ وبما شاء وله مثل ذلك
والسلام
مقبول مرفوض
0
2019/08/17 - 11:25
3 |
ونوضح بالفاضحات كل الواضحات
هناك كتب وفيديوهات وشرائط صوتية فيها دروس تدعي كذبا تسخير الكون لخدمتك بواسطة العقل الباطن ذو القدرات الغير المحدودة حسب ادعائها الكاذب (وهي طريقة فعالة جدا حقيقةٌ في تخدير الشعوب المتخلفة والمسحورة والمدوخة التي ترزح تحت نير الديكتاتوريات الاستعمارية والقهرية والاستعبادية)
ونعطي بعض الأمثلة من ما في هذه الدروس :
العقل
الباطن
القادر
تسخير المريض للكون لخدمته
ردد كثيرا أنك غني جدا 21 يوما فتصبح غنيا (زوينة هاذ اللعيبة ههه)
إذا كنت مشردا ردد كثيرا أنك تملك منزلا 21 يوما فيصبح عندك منزل (طريقة سهلة ورائعة ههه)
إذا كنت مريضا فذلك ليس مشكلة نهائيا : فقط ردد كثيرا أنك صحيح وقوي 21 يوما فستصبح صحيحا معافى قويا مثل طرزان في الغابة أو مثل عنترة بن شداد يذوذ عن القبيلة ويهزم الأعداء المعتدين ولاد لحرام. ههه

والله لما قفلتي لا فورتي، وا جمع راسك، إنك تحلم أحلام المجانين، ألا ترى المجانين لا يتوقفون عن عد السيارات في الشوارع ويقولون أنها سياراتهم، ومع ذلك لم يكسبوا سيارة واحدة بتلك الطريقة ولا استرجعوا عقولهم، ألا ترون أعقل المجانين كان يركب عصا أو قصبة ويقول هذا حصاني ولم يملك حصانا حتى مات (أعقل المجانين العرب بهلول قد يكون حقيقة غير مجنون، فالتاريخ يشهد أنه كان أذكى من عقلاء زمانه ونوابغهم ولكنه تهرب بادعاء الجنون من تحمل مسؤولية القضاء : مسؤولية الظلم كما في بلادنا الحبيبة عفوا مستعمَرة فرنسا الحَلُوبة)
--
الأهم
رأينا أن نكتب في الموضوع، ولكن لضيق الوقت سنكتفي بمشاركتكم بنتائج بحث نظنه وجيها ومهما وشاملا وموضوعيا من ذوي الاختصاص والدراية والعلم، دون أي تصرف منا أو تغيير، كما سنزودكم بعنوان مصدره

الموضوع :

قدرات العقل الباطن في ميزان الشريعة 1
-------------
عناصر المادة

مكانة العقل في الإسلام
مكانة العقل عند الفلاسفة
فرويد ونظرية العقل الباطن
علاقة البرمجة اللغوية العصبية بالعقل الباطن
المقصود بالعقل الباطن
من انحرافات أصحاب نظرية العقل الباطن
تأليه العقل
جوزيف ميرفي وكتابه : قوة عقلك الباطن
من انحرافات تطبيقات العقل الباطن : ادِّعاء علم الغيب
من انحرافات تطبيقات العقل الباطن : الاعتقاد بأنَّ العقل الباطن يخلق الواقع الخارجي
غلاة الصُّوفية وادِّعاؤهم التَّغيير في اللوح المحفوظ
التَّوافق بين أصحاب نظرية العقل الباطن والفِرَق المنحرفة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
مكانة العقل في الإسلام:
فقد ذكرنا في حلقاتٍ ماضيةٍ أنواعًا من الانحرافات عن التَّوحيد من هذه الأطروحات المعاصرة التي تكون في كثيرٍ من الدَّورات، ومن هذه الانحرافات ما سنتناوله في هذا الدَّرس بمشيئة الله تعالى، وهو ما يتعلَّق بالعقل الباطن، العقل في الإسلام له مكانةٌ عظيمةٌ تُميِّزُ صاحبه عن البهائم، العقل هو مناطُ التَّكليف من لا عقل له ليس بمكلَّف، وقد قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: رُفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النَّائم حتى يستيقظ، وعن الصَّغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل [رواه أبو داود: 4403 ، والنسائي: 3432، وابن ماجه: 2041، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة: 1660]. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
وثبتت كرامة العقل بالقرآن الكريم كثيرًا، والله عزَّ وجلَّ خاطب أهلَ العقول وطالبهم بالعقل والفكر والفهم، وقال: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: 24]. لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ [الأنعام: 98]. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة: 242].
ولكن هذا العقل لا يجوز أن يرفع فوق منزلته التي جعله الله فيها، ولا يجوز أن يتخذ إلهًا، وغلا كثيرٌ من النَّاس في ما مضى من الأزمنة وفي زماننا هذا في العقل، حتى جعله بعضُهم إلهًا يُعبَد من دون الله، وجعله بعضهم حاكماً على الشَّرع، قال الإمام الشَّاطبي رحمه الله: "اعلم أنَّ الله جعل للعقول في إدراكها حدًا تنتهي إليه لا تتعدَّاه، ولم يجعل لها سبيلاً من الإدراك في كُلِّ مطلوبٍ، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون"[الاعتصام: 2/318]. انتهى الاعتصام.
إذًا من زعم أنَّ العقل البشري لا حدود له، وأنَّ طاقة العقل البشري لا متناهية؛ فهو في الضَّلال المبين.
ومن صور الغلوِّ في العقل: تلك القدرات الخارقة التي أضفاها بعض أصحاب الدَّورات، لاسيما البرمجة اللغوية العصبيَّة على ما يعرف بالعقل الباطن، فما هي حقيقته؟ وما هي هذه الإطلاقات؟ وماذا يحدث بشأنها من انحرافات؟.
تعريف العقل لغةً:
أمَّا العقل لغة: فهو الحَجر، وقيل: هو التَّمييز الذي به يتمَّييز الإنسان عن سائر الحيوان، وعقَلَ الشَّيء يعقله أي: فهمه عقله عقلاً، وسُمِّي العقل عقلاً: لأنَّه يعقل صاحبه عن التَّورط في المهالك، ويحبسه عن التَّردي، ويطلق العقل على القوَّة المتهيئة لقبول العلم وفهمه، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوَّة: عقلٌ.
تعريف العقل شرعاً:
والعقل شرعًا: هو الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعمل بها، قال الإمام أحمد: "العقل غريزةٌ". [مجموع الفتاوى: 9/287].
مكانة العقل عند الفلاسفة:
ومن الذين غلوا في العقل: الفلاسفة، وقد حصل خلطٌ كبيرٌ عندهم بين فهمهم للرَّب والرُّبوبية، وفهمهم للعقل فيُسمُّون الرَّب عقلاً والعقل ربًا، ثم تطور هذا الفكر الخرافي حتى وصل إلى الفيسلوف أفلوطين، الذي طوَّر نظريةَ الفيض الإلهي، وصار في نظريته العقول العشرة، أي: الأفلاك وعقولها، وأنَّها هي التي تُدبِّر العالم، وأنَّ الله تعالى أوكل لها توضيب العالم وتدبيره، تعالى الله عن قولهم، يُدبِّر الأمر لا شريك له، ليس لهم شركٌ في ملكه، وليس له منهم ظهيرٌ، ولا تُقبل الشفاعة عنده إلا من أذن له، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "هؤلاء" يعني: الفلاسفة "يزعمون أن العقل الأول أبدع ما دونه من العقول والأفلاك، إلى أن ينتهي الأمر إلى العقل العاشر فهو مبدع ما تحت فلك القمر، وهذا كُلُّه من أعظم الكفر عند الرُّسل وأتباعهم من أهل الملل". [ الجواب الصحيح: 5/26]. الجواب الصحيح.
إذًا الفلاسفة يقولون: العقل الأول هذا المهيمن على العالم أوجد عشرة عقول، أدنى واحدٍ فيها هو يتحكَّم بالقمر فما دونه، فهو الذي يتحكَّم في العالم، الفلاسفة أعداء الرُّسل وليس عندهم من الوحي نصيبٌ، فيخطر في بالهم شيءٌ فيقولونه ويعتقدونه ويروِّجونه، ويظنُّون أنَّ هذا هو الحقُّ، وهذا الفرق بين من كان ينطلق من الوحي وبين من ينطلق من عقلٍ مجرَّدٍ، وهذا المفهوم موجودٌ عند الحركات الفلسفية الباطنية المعاصرة.
فرويد ونظرية العقل الباطن:
ومن الملاحظات أن فرويد صاحب النَّظرية هذه له كلامٌ في هذا الموضوع، فرويد الذي ذهبَ إلى مسألة وجود العقل الباطن، وله فيها كلامٌ طويلٌ، ونحن نعرف أنَّ هذا الرَّجل من الملاحدة، وكلامه يدور على أنَّ هناك عقلٌ واحدٌ يدرك الأشياء من خلال الحواس الخمس، ويرتبط بالواقع الخارجي ويقوم بالإدراك والتَّفويض والرَّبط والتَّقرير، وأنَّ العقل الباطن: مجموعةُ عناصر فاعلة تتكَّون منها الشَّخصية الإنسانية، وهذا له علاقة بالتَّنفس وتنظيم دقات القلب ونشاط الدَّورة الدَّموية والمشاعر إلى آخره، وأنَّ كل ما ترصده أجهزة الإنسان تتحوَّل إلى نتائجه تلقائيًا وإشاراته إلى العقل الباطن، ويسمُّونه العقل الخلَّاق، وهؤلاء لا يؤمنون بوجود الله، فيقولون: إنَّ العقل الباطن له قوةٌ خارقةٌ تُدبِّر كُلَّ شيءٍ، ففكرة العقل الباطن أوجدتها الفلسفة الإغريقية وثبَّتها اليهودي سيجمند فرويد الذي كان يسعى إلى نشر أفكاره الإلحادية لتحطيم العقائد والدِّيانات، وهو مؤسس فكرة التَّحميد النَّفسي، ومجدد التَّنويم المغناطسي، الذي كان في أوساط صوفية اليهود المعروفين بالقفالة، وزعم هؤلاء أنَّ العقل الباطن يتحكَّم في سائر الأعضاء ونشاطات الجسم والسَّعادة والتَّعاسة والغنى والفقر ونحو ذلك، ونحن نعلم بأنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق نفسَ الإنسان فيها إسرافٌ ولا شكَّ، وأنَّ الإنسان له قدراتٌ كثيرةٌ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: 4].
وأنَّ عقل الإنسان يحفظ ويُحلِّل ويستنتج ويستنبط، وعنده ربطٌ، ولكن ليس لدرجة أنَّه يعلم الغيب أو أنَّه يخلق أو أنَّه يتحكَّم في الخارج كما يريد مثلاً، هذا كُلُّه يقول به فرويد، إذًا ليست المسألة: أنَّ الإنسان عنده قدراتٌ، فنحن نعلم أنَّ عنده قدرات بالتأكيد، وليس عندنا إشكالٌ بأنَّ للإنسان مشاعر وعواطف وخيال يتخيَّل به إلى آخره، ولسنا ننكر أنَّ الإنسان عنده ذكرياتٌ وأنَّه يُخزِّن هذه الذِّكريات، ولا نُنكِر أنَّ الإنسان عنده طاقةُ تذَكُّر، وأنَّ بعض الأشياء قديمةٌ جداً تُتذكَّر في أوقاتٍ وأحوالٍ معينة، بل نجد بعضهم يفقد الذَّاكرة أو يصاب بالزَّهايمر فيتذكَّر ويتكلَّم ويتحدَّث عن أشياء قديمةٍ كانت قد ترسَّخت في عقله، ونحن نعرف من كلام علمائنا أنَّ العلم في الصِّغر كالنَّقش في الحجر، لكن أن يكون هذا العقل الباطن إلهًا، وأن يكون متَّصفاً بالعقل الكلِّي الذي يقول عنه الفلاسفة: أنَّه يُدبِّر الكون، وأن يكون هذا العقل الباطن يمكن أن يستمدَّ من العقل الكلِّي الغيبَ وأن يتحكَّم بالواقع فيخلقُ لا، وهذا من الفروق بين أهل التَّوحيد وأهل الكفر، فأهل التَّوحيد لا ينكرون أنَّ الإنسان يتذكَّر ويحفظ ويُحلِّل ويستنبط ويربط، وأنَّ الإنسان له خياله وعواطف ومشاعر، وأنَّه يُخزِّن المعلومات ويستدعيها ويتذكرها، وأنَّ النَّاس يتفاوتون في الذَّاكرة والحافظة، ومنهم من يحفظ من أوَّل مرَّةٍ يقرأ أو يسمع، ومنهم من يحفظ من ثاني مرَّةٍ وثالث مرَّةٍ، وأنَّ أكثرهم لا يحفظون إلا إذا كرَّروا كثيرًا نحو عشرين وأكثر، فكلَّما كرَّرت حفظت ورسخ أكثر، كل هذا لا ينكرنه، لكن أن نأتي بنظرية العقل الباطن ذات الجذور الوثنية المستنهبة من عقيدة تحضير الأرواح، التي أعاد فرويد صياغتها آخذًا لها من السَّحر الأسود وخزعبلات فلاسفة الإغريق، الذين أوهموا النَّاس بأنَّ للكواكب والأفلاك عقولاً ونفوسًا، وأنَّها تملك سلطة القرار في السَّماء، وتتحكَّم في عقول البشر ومصير أهل الأرض، وأنَّ العقل الباطن يرتبط بها يمكن أن يستمدَّ منها ويأخذ عنها، فهذه مصيبةٌ.
علاقة البرمجة اللغوية العصبية بالعقل الباطن:
نحن الآن لا نتحدث عن علاقة البرمجة اللغوية العصبية بهذا الموضوع؛ لأنَّ المسألة هنا تطول، لكن في جزء من البرمجة اللغوية العصبية تبث في موضوع العقل الباطن، حيث صوَّر فرويد شخصية الإنسان على أساس أنَّ اللاشعور أو العقل الباطن هو الإنسان الحقيقي، وأنَّ العقل الواعي المرتبط بالبصر والسَّمع واللمس يعني بالحواس، فهذا إنسانٌ مزوَّر لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلَةٍ، وأنَّه إنسانٌ مخلوقٌ على إنسان حقيقيٍ.
فأنت قد تستغرب من هذا الكلام، يعني: لمَّا يقول لك شخصٌ إنَّ العقل الظَّاهر المرتبط بالحواس هذا هو الإنسان المزوَّر مفروض فرضًا على الإنسان الحقيقي، والإنسانُ الحقيقي هو العقل الباطن، وأنَّ هذا الفرض من الخارج، ونتيجة لهذا الفرض توجد الموانع والكوابت التي يفرضها المجتمع والقوى الخارجية من الدِّين والأخلاق والتَّقاليد -هذا كلام فرويد- فإذًا العقل الباطن هو ركائز الفلسفة الكفرية الإغريقية، ويقول أحد سدنة البرمجة اللغوية أنطوني ربونز في كتابه قدرات غير محدودة، وجوزيف ميرفي الذي يمكن أن نقول عنه أنَّه من أذكياء الباطن: تستطيع هذه القوَّة المعجزة الفاعلة للعقل الباطن أن تشفيك من المرض، وتعطيك الحيويَّة والقوَّة من جديدٍ.
إذًا لاحظوا: بأنَّ قضية العقل الباطن بدأت تجد عند هؤلاء من التَّأليه، وأنَّ العقل الباطن ربٌّ يخلق ويشفي ويرزق، ولذلك عندهم مسألة التَّكرار: أريدُ أن أكون ثريًا أريد أن أكون ثريًا، أو أنا ثريٌّ أنا ثريٌّ، أنا غنيٌّ أنا غنيٌّ وهكذا، ويعتقدون أن هناك علاقةٌ بين التَّكرار والعقل الباطن، لمخاطبة العقل البطن المرتبط بالعقل الكلي الذي يخلق ويرزق ويعطي، فأنت إذا خاطبت العقل الباطن بهذه التَّكرارات، أو بالتَّركيز، أو بأن تنام وأنت تحلم فالعقل الباطن سيشتغل ويجيب لك ما تريد، ففكرة الاستغناء عن الله لا نشكُّ بأنَّ الذين أتوا بهذه الأفكار، وعنها أُخذت وعليها بُنيت كثيرُ من الدَّورات وتطوير الذَّات، والتَّنمية البشرية، فيها أفكارٌ إلحاديَّة، أو أفكارُ فلاسفة ملاحدة، يعتقدون أنَّ هناك شيءٌ اسمه الوعي الكلِّي أو العقل الكلِّي أو الطاو أو القوَّة العظمى.
هناك عبارةٌ للتَّرويج في إحدى الدَّورات مكتوب: حتى ترى في داخلك عقلك وجسمك يتغيَّر دائمًا، وحتى تتَّحد بالعقل الكلِّي فيما به تتدفَّق قدراتك الريكي، الذي هو الطَّاقة، كما قلنا عبر الشَّكرات والجسم الأثيري، وتأخذ من الكون المرتبط بالعقل الكلِّي أو الطَّاو أو الوجود الكلِّي، الذي هو بديلٌ عن الله عندهم.
المقصود بالعقل الباطن:
فالمقصود بالعقل الباطن، أو ما يُسمَّى باللاوعي أو اللاشعور، أحيانًا يقولون: مثل النَّفس والقلب والإرادة والذَّاكرة جزءٌ من العقل، وفرويد يقول: لا، العقل الظَّاهر شيءٌ والعقل الباطن شيءٌ آخر، العقل الظَّاهر يتبع الحواس العامَّة، ومن أطلق العقل الباطن وأراد به النَّفس أو القلب أو الذَّاكرة يمكن أن لا نختلف معه، هذه قضية من قضايا الإصلاحات، وليس القضية أنَّه إلهٌ، فإذا قال قائلٌ: أنَّه يقصد بالعقل الباطن الذَّاكرة، مثلاً إذا كرَّرت أشياءً ستُخزن في العقل الباطن، نقول: لا مانع، لو قال قائلٌ مثلاً: إذا رأيت حادثًا شنيعًا، أو أصابتك صدمةٌ عاطفيةٌ قويةٌ نتيجةَ موتِ قريبٍ، مفاجأةٌ ضخمةٌ ستُخزن في العقل الباطن، ويكون لها أحيانًا عُقُدٌ نفسيَّةٌ تُنشأ فزعاً في الليل، نقول: ليس عندنا مشكلةٌ أبداً في هذا الكلام، يقولون في علم النَّفس: أنَّ النَّفس لها أغوارٌ، وهذه أشياءٌ مشاهدةٌ ومعروفةٌ، ليس عن هذا نتكلَّم، ولا نختلف في هذا الشَّأن، إذ المشكلة قضيةٌ تأليهُ العقل الباطن، ربط العقل بالباطن بالكلِّي الذي هو البديل عن الله، وادِّعاء صفات الرُّبوبية للعقل الباطن: من الخلق والرِّزق والإيجاد والنَّفع والضُّرِّ ونحو ذلك، فليس عندنا إشكالٌ، إذا قال: بأنَّ العقل الباطن يربط بين الأشياء، ويخزِّن الذَّكريات، ويحفظ وترتبط رائحة عطرٍ معينٍ في مكانٍ معينٍ، أو الواحد مثلاً يحبُّ رائحةً معينةً؛ لأنَّها ارتبطت عنده بذكرى جميلةٍ في مكانٍ معينٍ، أو يكره رائحةً معينةً أو لوناً معيناً، أو منظراً معيناً لعقدةٍ نفسيةٍ تكوَّنت فيه من ارتباط هذا اللون أو هذه الرَّائحة أو هذا المنظر بحادثٍ مثلاً، أو ألمٌ حصل له في الماضي، فليس هذا هو موضوع كلامنا ونقاشنا ما دام التَّطبيقات العملية التي يتحدثون عنها بهذا الشأن لا تخالفه في الشَّرح، فنحن نقبل ذلك ما دامت التَّجربة أشهد بهذا الصَّحة والقبول ولا نخالفه، ولكن أن يتَّجه تعريف العقل الباطن إلى المفهوم الفلسفي، بحيث يصير وسيلةً للتَّواصل مع الوعي الكوني، الذي يتضمَّن العلم بالماضي والحاضر والمستقبل، ومن خلال هذا التَّواصل بين العقل الباطن وبين العقل الكلِّي يمكن للإنسان أن يحصل المعالم الخفيَّة والعلوم الغيبيَّة من المصدر مباشرةً، ونريد أن نُسجِّل ملاحظةً في ارتباط بعض انحرافات الصُّوفية في هذه النُّقطة، والمعنى المشترك الموجود بين الفلاسفة الإغريق ومنحرفي الصُّوفية والذين عندهم هذا الانحراف مشتركٌ مع فرويد من الملاحدة الجدد وأصحاب الأطروحات الحديثة، مثل: دورات العقل الباطن، القوى الخارقة للعقل الباطن، أو الجزء المتعلِّق بهذه البرمجة اللغوية العصبية؛ لأنَّنا لا نقول بأنَّ البرمجة اللغوية العصبية كُلُّها باطلةٌ، أو كُلُّها شِركٌ أو كفر، لكن توجد أجزاء من بعض الأطروحات والنَّظريات والدَّورات خطيرةٌ ومرتبطةٌ بأمور كفرية، فابن عربي قرَّر مفهوم انعكاس العلوم الغيبيَّة، ومنها علم اللوح المحفوظ على النَّفس الباطنة، إذا تجرَّدت من عوارض البشرية، يعني: أنَّك إذا تجردت من شهوة الطَّعام أو شهوة اللِّباس أو شهوة النِّكاح، فإذا تجرَّدتَ من الشَّهوات فالعقل الباطن يتبعك يرتبط باللوح المحفوظ، وممكن أن ترتقي إلى درجةِ أن تقرأ منه مباشرةً، أو يفيض عليك من المعالم الغيبيَّة، فهذا كفرٌ في الرُّبوبية بلا شكٍّ، فلا يعلم الغيب إلا الله، من الذي يطَّلع على اللَّوح المحفوظ؟ الله عزَّ وجلَّ، حتى الملائكة لا يعرفون من الغيب إلَّا ما عرَّفهم الله، ففي ليلة القدر يُنقَل إلى صحفهم ما في اللوح المحفوظ من أرزاقٍ وأمراضٍ ووفياتٍ وشفاءاتٍ وولاداتٍ، مقادير تلك السَّنة تُلقى في صحف الملائكة، فترى الملائكةُ الشَّخصَ في الأرض يمشي وعندهم مكتوبٌ أنَّه من الأموات في هذه السَّنة، لكن ما بعد هذه السَّنة لا يعرفون شيئًا إلَّا ما عرَّفهم الله، فحتى عند الملائكة عن المستقلبات محدودٌ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: 26-28].
إذًا الملائكة لهم حدٌّ محدودٌ في ليلة القدر تُنقل إلى صحفهم أشياءٌ معينةٌ، لكن أنَّهم يطلعون على الغيب كُلِّه كلَّا هذا من اختصاص الله تعالى.
ثُمَّ يأتي ابن عربي وغيره من ملاحدة الصُّوفية، ويقولون: أنَّ النَّفس إذا تجرَّدت من الشَّهوات اتصلت باللَّوح المحفوظ، واطَّلعت على عالم الغيبيات، جماعة العقل الباطن الذين يُألِّهونه ويُقدِّسونه، يقولون: العقل الباطن يتصل بالعقل الكلِّي الذي يفيض على العالم، فيطَّلع على عالم الغيب، ويقول أصحاب الدَّورات عبر مجموعة من الخطوات والممارسات هذه من النِّطاق العملية، يعني إذا قلت: ماذا أضافت الدَّورات هذه؟ يمكن أنَّها أضافت بعض الأشياء في قضية الخطوات والممارسات، باعتبارها على أن بعض الصُّوفية عندهم خطواتٌ وممارساتٌ، فيقول: أولُ شيءٍ يا بُنيَّ إذا أردت أن تصل إلى الله وتتَّصل مباشرة وتأخذ عنه مباشرةً لا بُدّ يعطيه أشياء معينة، مثلاً: سبع حباتِ عدسٍ يومياً، وتقول مثلاً: الله الله ألفَ مرةٍ، وأحيانًا يقولون له صلواتٌ وأذكارٌ، إذًا هناك خطواتٌ -حتى عند الصُّوفية- للاطلاع على اللوح المحفوظ، أو الوصول إلى الرُّتبة التي يتم فيها الاتصال المباشر، وكأنَّ هناك أناسٌ غاروا من الوحي إذ كيف يكون إلى الرُّسل فقط فنحن عندنا إجراءات نصل بها إلى الله مباشرةً، ونتعدَّى الرُّسل، ولذلك عند بعض الصُّوفية قضية: أنَّ مقامَ الوليِّ في برزخٍ فويق الرَّسول ودون النَّبي.
من انحرافات أصحاب نظرية العقل الباطن: تأليه العقل:
على أيَّة حال: هذا من الانحراف العظيم، ويقول أصحاب العقل الباطن: أن هذا الاتصال يتيح للإنسان علمًا غير محدود ومعرفةً مطلقةً، وهذا النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أفضل البشر وأعلم النَّاس بالله وأتقاهم له، لا يعلم إلَّا ما علَّمه الله عن طريق الوحي، وجاءت في حديث الاستخارة الذين علَّمنا إيَّاه نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم: اللَّهمَّ إنَّي أستخيرك بعلمك إلى قوله فإنَّك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علَّام الغيوب [رواه البخاري: 1109].
أما هذا العقل الباطن فلا يحتاجونه في الاستخارة؛ لأنَّ العقل الباطن يعلم الغيب، فصار بعضهم يستخير العقل الباطن، انظر انحرافات التي دخلت على بعضهم نتيجة بعض الدَّورات المتقدمة في موضوع العقل الباطن، فيزعمون أنَّهم لا يحتاجون للإستخارة فبالعقل الباطن يصل إلى العقل الكلِّي ويعلم الغيب، فمثلاً: هل هذه المرأة مناسبةٌ لي أتزوجها أو لا؟ وهل هذه السَّيارة فيها خيرٌ أم لا أشتريها؟
فيتوصلون إلى ذلك بهذا العقل الباطن ويتركون الاستخارة، انظر هذه الكفريات والانحرافات التي أين تؤدِّي؟ تسقط عندهم الأذكار وما في ذلك من استغناء عن الله، يقول بعض هؤلاء الذين يُؤلِّهون العقل الباطن: النَّوم يُقدِّم لك المشورة، فقبل أن تنام تأكد أنَّ الذَّكاء المطلق من عقلك الباطن سيوجهك ويرشدك، ثُمَّ انتظر التَّوجيه الذي قد يأتيك في اليقظة، مستقبلك مرسوم في عقلك الآن وفقًا لتفكيرك المعتاد ومعتقداتك، سلِّم طلبك لإيجاد الحلِّ لأي مشكلةٍ إلى عقلك الباطن، لاحظ: عندك أيُّ طلبٍ: كأن تريد أن تتزوج، أو تنجح، أو تريد أن تكون ثرياً، أو تريد أن تشفى من مرض، أو تريد ولداً: سلِّم طلبك لإيجاد الحلِّ لأيِّ مشكلةٍ إلى عقلك الباطن قبل أن تنام، ثِق بعقلك الباطن وآمن به، هذه هي البرمجة اللغوية العصبية في بعض الفقرات.
يعني: نحن نستفيد من الموحدين ثِق بالله تعالى وآمن به، فهم يزيلون مسألة الاعتماد على الله عزَّ وجلَّ ويركنون إلى العقل الباطن، فالمشكلة هي في دورات تنمية وتطوير الذَّات كما يسمونها، فأنت إذا تعمقت ودريت ما عند القوم من أهوال الذين يقولون: ثق في عقلك الباطن وآمن به وسوف تأتيك الإجابة الشَّافية فعقلك الباطن يعرف كُلَّ شيءٍ فلا تشكَّ في قدرته، انتهى. تقول ليلى كايزن هذه التي تنطق بالكفر وتنكر القضاء والقدر، كما عرفنا سابقًا تقول في حسابها على توتير: إذا كنتِ محتارةً بين شيئين كيف يساعدك علم الطَّاقة اسألي عقلك الباطن قبل النَّوم ونامي، فستقومين وقد بان الأمر، إذًا بدلاً من اللجوء إلى الله يلجئون إلى العقل الباطن، لقد أضفى أصحاب الدَّورات –بكل أنواعها لاسيما البرمجة اللغوية العصبية، وجذب الطَّاقة وما شابهها- على العقل الباطن قدراتٍ خارقةٍ تجعله إلهًا مع الله، تعالى الله عن قولهم فقد جعل العقل الباطن كائنًا مستقلاً يخاطبونه وينادونه ويتوكلون عليه، ويثقون به ويدعونه ويسألونه ويسترشدونه ويستقلونه على طريقة الفلاسفة الذين ألَّهوا العقل، بخلاف ما جاء به الشَّرع من احترام العقل وجعله تابعاً للوحي، وأنَّ العقل لا يستغني عن الوحي، وإذا استغنى عن الوحي انحرف، وأنَّ العقل لا يستقلُّ بنفسه ولا يقدر العقل أن يتوصلَّ إلى علمٍ بلا وحي، فمثلاً: لا يقدر أن يتوصَّل إلى عدد ركعات الصَّلوات بدون وحي، ولا يقدر أن يتوصَّل إلى أنصبة المواريث من غير وحيٍ، العقل له دورٌ عظيمٌ في الإسلام، ولكن لا يستقلُّ ولا ينفرد ولا يستغني عن الوحي، ولا يجوز له أن يستغني عن الوحي أصلاً، لكن وظيفته أن يعقل الوحي وأن يفهمه، وأن يستنبط العلماء من الوحي هذه القواعد، والقياس الدَّالة على إعمال العلماء لعقولهم في الاستنباط والاجتهاد ومعرفة الأحكام.
جوزيف ميرفي وكتابه: قوة عقلك الباطن:
إذا قلت أننا عرفنا نبيَّتهم في موضوع قانون الجذب روندا بايرن صاحبة كتاب السِّر، فمن هو نبيُّهم في العقل الباطن حديثًا؟ نبيُّهم هذا من أبرز من كَتَبَ وألَّف في هذا الموضوع: جوزيف ميرفي صاحب كتاب قوة عقلك الباطن، وهو من أشهر الكتب في هذا الموضوع وهي اليوم من أكثر الكتب مبيعًا في العالم، وإذا رأيت عبارة من أكثر الكتب مبيعًا في العالم قد تكون كذب وعبارة ترويجيَّة! يعني: من الكذب في المبيعات وقد تكون صحيحةً، لكن أكثر كتاب مبيعًا في العالم وما يدلُّ على أن ما فيه حقٌّ أبداً؛ لأنَّه قد يُروِّج للكفر والشِّرك والخرافة والبدعة، فماذا يعني أكثر مبيعًا في العالم؟ قد تُباع كُتُبٌ شركيَّة وتُروَّج كتب الكفر وهي من أكثر الكتب مبيعًا في العالم، ومشكلة بعض شباب الإسلام سيعتمدون على الكتاب لأنَّه الكتاب أكثر مبيعًا أو من الكتب الأكثر مبيعًا في العالم، يقول جوزيف ميرفي: إنَّ القوَّة المعجزة الفاعلة لعقلك الباطن موجودة قبل مولدك ومولدي، وقبل وجود أي دار عبادة في العالم، وتاريخ الحقائق الأبدية عظيمة، ومبادئ الحياة يسبق جميع الأديان، لاحظ يقول: مصدرنا العقل الباطن يسبق جميع الأديان، قوة العقل الباطن ص107. ومصادرهم كما عرفنا الثَّقافات الشَّرقية والوثنية والفلسفات الإغريقية التي ألَّهت العقل: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40].
من انحرافات تطبيقات العقل الباطن: ادِّعاء علم الغيب:
من انحرافات تطبيقات العقل الباطن محاولتهم معرفة الغيب عن طريق استنطاق العقل الباطن، فيقولون إنَّ الماضي موجود في ذاكرتنا، باستطاعتنا من خلال تغيير التَّركيز أن نعود إلى أيِّ فترةٍ زمنيةٍ نريدها، والمستقبل يُعدُّ متاحًا عبر إدراك الحسِّ، ومفتوح أمامنا عبر تغيير التَّركيز، يعني: الآن ممكن نسترجع الماضي، يقولون التَّركيز وتغيير الترَّكيز ورفع الترَّكيز وتنزيل التَّركيز، في النَّهاية أن تعرف المستقبل، هذا من اختصاص الله تعالى. علم الغيب في قوة العقل الباطن: 188.
يقول جوزيف ميرفي: إنَّ الأحداث الماضية والغد مطبوعةٌ في عقلك الباطن، فالآن ممكن أن تتذكر أحداث الماضي، نقول: وإن كان من رحمة الله النَّسيان؛ لأنَّنا لو نتذكَّر كُلَّ مصيبةٍ مرت بنا كأنَّها حصلت الآن فسنموت قهراً وكمداً، لكن من رحمة الله أنَّه يُنسينا وإلَّا ما تحمَّلنا أن نتذكَّر كُلَّ المصائب، لكن دعونا في قضية انطباع الماضي كُلُّه واسترجاعه بالتَّركيز، مع أنَّه يوجد أشياء أحيانًا قد تحاول أن تركِّز وتسترجعها لكن لا يطلع شيءٌ، افرض أن شخصاً عمره خمسون سنةً، كم يستطيع أن يتذكره جماعة العقل الباطن من هذه السَّنوات؟ يقولون كُلُّه مسجلٌ، ما عليك إلَّا أن تقوم بالتَّركيز فترجع، والمستقبل كيف يكون ذلك؟
يقول إنَّ عقلك الباطن هو مخزنُ الذَّاكرة، ولكي تتمتَّع بذاكرةٍ قويةٍ ردِّد ذلك بحسب هذه العبارة، إنَّ الذَّكاء المطلق في عقلك الباطن يكشف كُلَّ شيءٍ تحتاج معرفته في كل مكان وفي كل ميقات، فمثلاً: أنا أحفظ أذكار الصَّباح والمساء، وهناك ذِكرٌ واحد للصباح والمساء لا أحفظه، فلأنَّهم يريدونني أحفظ هذا الذِّكر فلازم أُردِّده مراتٍ، انظر هذه العبارة الصعبة: إنَّ الذَّكاء المطلق في عقلي الباطن يكشف لي كُلَّ شيءٍ أحتاج معرفته في كل مكانٍ وفي كُلِّ الأوقات، فهذه العبارة التي تريد حفظها لازم ترددها موقنًا بها، فتصل إلى أنَّك تعرف كُلَّ شيءٍ في الماضي، وكُلَّ شيءٍ سيحصل في المستقبل، فعندهم أذكار مثل ما عندنا أذكار الصَّباح والمساء وأذكار بعد الصَّلاة وأذكار قبل النَّوم، وكما أنَّ عندنا يقيناً بالله وثقةً به وتوكُّلاً عليه، فهم عندهم ثقةٌ بالعقل الباطن والتَّوكُّل عليه، ولازم نؤمن به بحزمٍ وجزمٍ وعندهم أذكارٌ لازم تقولها وتخاطب العقل الباطن وتدعوه وتسترشده، يقول جوزيف ميرفي عن نفسه: فقدت مرةً خاتمًا قيمًا كنت قد ورثته عن أجدادي، فبحثت عنه في كُلِّ مكانٍ ولم أجده، وقد شعرت بقلقٍ تلك الليلة ففزعت إلى عقلي الباطن، وقلت له قبل أن ألْتجأ إلى النَّوم أنت تعرف كُلَّ شيءٍ فأنت تعرف أين الخاتم، وأنت الآن ستكشف لي مكانه، انظر المترجم حتى يعطيك المسحة الإسلامية أضاف كلمتين لما رأى أن القضية كبيرة، وجعل كلمة بإذن الله، لماذا؟ لأنَّه هو المترجم، ولذلك ممكن يكون المترجم أحيانًا خبيثاً جداً؛ لأنَّ هذا باطلٌ مكشوفٌ، وما تنطلي هذه الكبيرة، فحتى يروج الباطل على المسلمين يأتي بالعبارة الكفرية ثم يجعل لها طلاءً فجعل: إن شاء الله، بإذن الله، أو ألصق آيةً أو حديثاً، انظر الى ما فعل المترجم، يقول ميرفي كلام كفرٍ: في تلك الليلة تحدثت إلى عقلي الباطن، وقلت له قبل أن أتَّجه إلى النَّوم أنت تعرف كُلَّ شيءٍ وأنت تعرف أين الختام أنت الآن ستكشف لي مكانه بإذن الله، ونحن نعرف أنَّ ميرفي لن يقول: وبإذن الله، فهذه العبارة هذه تسويغ لتمرير كلام ميرفي الكافر إلى أذهان الشَّباب والشَّابات، فهذه لازم ما تنطلي علينا يا أخوان، ولو أتى شخصٌ بخنزيرٍ فقال باسم الله وذبحه، فهل صار حلالاً؟ يقول: وفي الصَّباح استيقظت فجأةً على عبارة تتردَّد في أذني استجاب العقل الباطن، هو دعا العقل الباطن والعقل الباطن يستجيب من دعاه فقام من النَّوم وهناك عبارة تتردَّد في أذني اسأل روبرت، فمن هو روبرت؟ هو ابن الجيران، سألته فقال لقد وجدته البارحة بين الأشجار حين كنت ألعب، سبحان الله! قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: 65]. فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس: 20].
من انحرافات تطبيقات العقل الباطن: الاعتقاد بأنَّ العقل الباطن يخلق الواقع الخارجي:
ومن انحرافات الاعتقاد في العقل الباطن بمفهومه الفلسفي: الاعتقاد بأنَّ العقل الباطن يخلق الواقع الخارجي، ويشكِّل الأحداث ويدبِّر الأمر ويتحكَّم في القدر، فمن قوانين العقل الباطن عندهم ما يسمى بقانون المراسلات، ويعني بذلك: أنَّ العالم الدَّاخلي: هو الذي يؤثِّر على العالم الخارجي، ومنه قانون التَّوقُّع، ومظنونه إنَّ أيَّ شيءٍ تتوقَّعه وتضع معه شعورك وأحاسيسك سوف يحدث في عالمك الخارجي، إذاً هو يتلاقى مع قانون الجذب الذي سبق عرضه، فهؤلاء يقولون: إنَّ يقينيات العقل الباطن تتجلَّى بالمحسوس، حتى يكون هو مصدر تحقيق كُلِّ الرَّغبات بلا استثناء، وأنت ما عليك إلَّا أن تزوِّد العقل الباطن بالرَّسائل الإيجابية، أنا أُريد أنا أريد أنا أثق ما أؤمن به، وهذا مفهومٌ متأصِّلٌ في الفلسفة الشَّرقيَّة الكفريَّة، وعندهم هو قضية العقل الكلِّي والوجود الكلِّي والعقل التَّام، فإذًا عند أصحاب العقل الباطن الثَّروة والصِّحة الثَّراء، والصِّحة والسَّعادة والزَّواج والذُّرية والنَّجاح والشِّفاء توجدها قناعاتُ العقل الباطن، يقول جوزيف ميرفي: الأشخاص الذين يتَّسمون بالفراسة والتَّبصُّر ينصبُّ تركيزهم على العالم الدَّاخلي، وهم يدركون أنَّ العالم الدَّاخلي يخلق العالم الخارجي، يعني: أنت عند تركيزك تخلق بتكرارك توجد باتصالك بإرسال الرسائل تُدبِّر الأمر في الكون، ماذا قال الله؟ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الأنعام: 116].
ماذا قال الله؟ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62]. ماذا قال الله لمشركي العرب؟ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [يونس: 31].
فمشركو العرب أفقه من أصحاب العقل الباطن وقانون الجذب؛ لأنَّ مشركي العرب إذا قيل لهم من يدبِّر الأمر؟ سيقولون الله، وأصحاب العقل الباطن وقانون الجذب ونحوه، إذا قلت لهم: من يدبِّر الأمر؟ سيقولون العقل الباطن وقانون الجذب، فيزعمون أنَّ العقل الباطن يغيِّر الأقدر.
غلاة الصُّوفية وادِّعاؤهم التَّغيير في اللوح المحفوظ:
ويشبهون هنا غلاة الصُّوفية كما قلنا، الذين يزعمون ليس فقط الوصول إلى اللوح المحفوظ والإطِّلاع عليه، يقولون عندهم قدرةٌ على تغيير ما في اللوح المحفوظ، ويدَّعون كذبًا أنَّ عبد القادر الجيلاني غيَّر وبدَّل لرجلٍ في اللوح المحفوظ، وأخرج سفينةً غرقت قبل اثنتي عشر سنة، وذكرنا سابقًا: أنَّ واحدًا من المتصوِّفة يريد أن يسافر فلازم يذهب يستشير شيخه قبل السَّفر، هذه قاعدة عند الصُّوفية، أيُّ قرارٍ حاسم لازم تستشير الشَّيخ وتسأله، وليس مجرَّد استشارةٍ، بل لازم تأخذ إذنَ زواجٍ أو سفرٍ أو قرارٍ تجاريٍ كبيرٍ أو تعيين في منصبٍ أو تختار التَّخصص للدِّراسة إلى آخره، كما أنَّه في الحلقة لازم يتوجَّهوا إلى الشَّيخ وليس للقبلة، توجد تشابُهاتٌ واضحةٌ، فالصُّوفية يأخذون من الفلاسفة ومن الهنادكة ومن البوذية، فستجد تقاطعاتٍ بين الفلاسفة والهنادكة والبوذية والصُّوفية، وبعض عقائد الباطنية والنَّظريات الجديدة: قانون الجذب، العقل الباطن، العلاج بالطَّاقة، الطَّاو الريكي كُلُّها يوجد بينها تقاطعات، فهؤلاء غلاة الصُّوفية يقولون: إذا تريد أمنيتك أن تتحقَّق: فالخطوة الأولى: تستحضر صورة الشَّيخ، الخطوة الثَّانية: تستحضر الأمنية التي تريدها، الخطوة الثَّالثة: تنظر أمامك، وهناك خطواتٌ أخرى وتمتمات وأشياء، بعدها تتحقَّق الأمنية وذلك نفس قضية العقل الباطن، قصة ذلك الصُّوفي الذي أراد السَّفر فذهب إلى الشَّيخ، قال له: أريد أن أسافر، قال له الشَّيخ: لا تسافر، قال لماذا يا شيخ؟
هذا السَّفر ضروريٌ، ومصلحتي متوقِّفة عليه، قال له: إذا سافرت سيخرج عليك قُطَّاعُ طُرقٍ ويقتلونك ويأخذون مالك، فالرجل حزِنَ وانكسر، قال له: أنا مصالحي كُلُّها في السَّفر هذا، قال له الشَّيخ: أذهب إلى الشَّيخ فلان، فجعلوا هنا اسم عبد القادر الجيلاني، فعبد القادر الجيلاني من مشايخ أهل السُّنَّة ليس له شيءٌ أبداً بهذه الكُفريَّات، فذهب إليه، قال له: أنا مضطَّر أن أسافر فذهب إلى شيخي فقال لي: لا تسافر، وإذا سافرت فسيخرج عليك قُطَّاع طُرقٍ، قال له: هل أنت مضطر للسَّفر؟ قال: نعم، قال: سافر، فسافر ورجع وما أصابه شيءٌ، وذهب إلى شيخه الأول، قال له: أنا سافرت حمدًا لله على السَّلامة، وما صار لي شيءٌ، وأنت قلت لي: إذا سافرت سيخرج عليَّ؟ قال له: أنا قلت لك لأنَّه حدِي أطَّلع على اللوح المحفوظ فقط، ولا أقدر أُغيِّر فيه، فأرسلتك على شيخٍ يقدر يغيِّر.
التَّوافق بين أصحاب نظرية العقل الباطن والفِرَق المنحرفة:
فأنت تحزن أنَّ هذه دعوة التَّوحيد وهذا القرآن وهذه السُّنَّة، وبالأخير أناسٌ ينتسبون إلى الإسلام يؤمنون بهذه الكفريات بالشَّريعة، فإذًا أصحاب العقل الباطن يشبهون غلاة الصُّوفية الذين يثبتون قضية التَّغيير في اللوح المحفوظ، والتَّدخل في مجريات الأحداث في الكون، ومنع وقوع الحدث الفلاني ووقع الحدث الفلاني، فأصحاب العقل الباطن يتَّفقون مع غلاة القدرية الذين يقولون: أنَّ العقل يخلق فعله بنفسه، فالقدرية مجوس هذه الأمَّة، ومن انحرافات زعمهم القدرة المطلقة والقوة الخارقة للعقل الباطن من خلال تمارين خاصَّة باستثارة العقل الباطن، حيث يمكن التَّحكم في كُلِّ شيءٍ وفعل أيِّ شيءٍ، ويقولون: فكرة المعزِّز إحساسه يصبح إيمانه راسخًا بداخله، ووفقاً لاعتقاده تتحقَّق أهدافه، أنَّ قوة الخيال المدعوم تستحثُّ قوى العقل الباطن القادرة على صنع المعجزات، يقول جوزيف ميرفي: هذا عقلك الباطن لديه حلٌّ لجميع المشاكل، وينصح بترديد عبارة إنِّي أمتلك القدرة على فعل كُلِّ شيءٍ من خلال قوة عقلي الباطن، وفي بعض الدَّورات يُطلَب من المتدرِّبين ترديد هذه العبارة، يردِّد كلمةً تهدم توحيدَه وتهدم عقيدته وتهدم إسلامه، إذا كان الله على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وهو خالقُ كُلِّ شيءٍ فهذه العقيدة انهارت بفعل هذه الدَّورات، وهذه الأذكار وهذه الأشياء التي يُطلَب منهم الإيمان بها وترديدها، من الذي له القدرة على فعل كُلِّ شيءٍ؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ال عمران: 189]. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 17].
وهؤلاء يقولون: إنَّ عقلك الباطن مصدرُ القوَّة والحكمة التي تضعك في نطاق الكفاءة المطلقة، إنَّها القوَّة التي تجعل العالم يدور، وترشد الكواكب في مداراتها، وتجعل الشَّمس تشرق، ماذا أبقيتم لله؟ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان: 54]. وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف: 45]. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:40]. من الذي يفعل ما يريد؟ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: 16].
لا يعجزه شيءٌ، لا معقب لحكمه، لا راد لأمره، لا يستعصي عليه شيءٌ، لا يخرج شيءٌ عن ربوبيَّته قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ال عمران: 26]. قال الله: يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [ال عمران: 154].
وأمَّا نحن البشر ماذا نقول في دعاء الاستخارة؟ فإنَّك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب [رواه البخاري1109].
من أساسيا الإيمان: أنَّك تتبرأ من حولك وقوتك، وتعترف بعجزك أمام ربِّك، ولا تقول أنا على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، هذا طائفةٌ من الموضوع وسنواصل الكلام في معرض الدِّين النَّصيحة الواجبة؛ لأنَّها في هذا الزَّمان واجب، وهذه دوراتُ الكفر تُعرض، فوالله إذا لم ننتبه النَّاس فسنخسر العقيدة والتَّوحيد التي هي رأس المال، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، ونسأله أن يحسن خاتمتنا.
-------------
-------------
قدرات العقل الباطن في ميزان الشريعة 2
-------------
عناصر المادة

تأليه العقل الباطن عند أصحاب الدَّورات الحديثة
من أسباب تعلُّقهم بالعقل الباطن
المؤمن يعتقد بأنَّ الشَّافي هو الله
زعمهم بأنَّ العقل الباطن ينفع ويضرُّ
طريقة أسلمة هذه الدَّروات
التَّشابه بين هذه الدَّورات والشَّعوذة
من انحرافات هذه الدَّورات: زعمهم جلبُ الغنى والثَّراء بالعقل الباطن
أصحاب هذه الدَّورات أشدُّ خطراً من الكُهَّان
النَّتائج السَّيئة المترتبة على دخول هذه الدَّورات
من الانحرافات التي في دورات الاسترخاء: اللجوء إلى الله لا إلى العقل الباطن
خرافات العقل الباطن والقراءة الضَّوئية


فقد تكلَّمنا في ضمن هذه السَّلسلة: حماية التَّوحيد من الوافدات الأجنبية: عن عدَّة أمور منها: العلاج بالطَّاقة، واستعمال ما يُسمى بالأحجار الكريمة، والاعتقادات فيها، وكذلك ما يُسمى بالجرافولجي وتحليل الخطِّ، وأيضاً تحدَّثنا عن قانون الجذب، ونتكلَّمُ عن موضوع تأليه العقل الباطن، وقلنا: إنَّ كلمة العقل الباطل لها إطلاقات فقط يطلقها بعضهم بموازاة النَّفس أو القلب والإرادة أو الذَّاكرة، وأنَّ بعض النَّاس يقول بأنَّ المشاعر والعواطف والذِّكريات ونحو ذلك تكون في هذا العقل، وأنَّه ينظِّم الذِّكريات، وأنَّه مسؤولٌ عن العادات ونحو ذلك من الأشياء الموجودة في النَّفس، وقلنا: إنَّ هذا لا بأس به، ولا مشاحة فيه، ولا نتحدَّث عن هذا الجانب أبداً وليس مقصودًا في كلامنا أصلاً، وأنَّ هذا الكلام على العقل الباطن بهذا القدر لا مشكلة فيه، لكن عندما يتحدَّثون عن العقل الباطن بالمفهوم الفلسفي، ويقولون: إنَّه وسيلة للتَّواصل مع الوعي الكوني أو العقل الكلي، ويتَّخذون من ذلك انحرافاتٍ كفرية، فإنَّ المسألة هنا تأخذ بعدًا آخر، تحدَّثنا عن بعض الانحرافات المتعلِّقة بالعقل الباطن أو الاعتقاد بالعقل الباطن في الدَّرس الماضي، ومن انحرافاتهم في العقل الباطن: زعمهم بأنَّه يجلب الصَّحة والشَّفاء عن طرق تمارين وأوراد خاصَّة، فيزعمون أنَّ له القدرة على الشِّفاء، يقول جوزيف ميرفي في قوة عقلك الباطن: هناك عمليةٌ واحدةٌ يتمُّ من خلالها الشِّفاء ألا وهي: الإيمان، وليس الإيمان بالله! هو يقول: وهناك قوة واحدة للشِّفاء وأعني بها عقلك الباطن ص: 73.
ويقول أحدهم: إنَّ كلمة الإيمان التي نُسب إليه العلاج بالإيمان لا علاقة له بالإيمان الذي تطلبه الأديان السَّماوية، يعني: ليس له علاقة بالإيمان بالله، ولكنَّه الإيمان والثِّقة التَّامَّة في حدوث شيءٍ ما، أو الحصول على شيءٍ معينٍ، ويعتقدون أنَّ العقل الباطن يشفي من كُلِّ الأمراض المستعصية غير المستعصية المزمنة غير المزمنة، يقول أحدهم: إنَّ الشِّفاء الذَّاتي للجسم سيظلُّ أكثر الأدلَّة إقناعًا على وجود قوَّة العقل الباطن، فمنذ أكثر من أربعين سنة -يقول الكاتب- شُفيتُ من مرض خبيثٍ، وذلك عن طريق استخدام قوَّة الاستشفاء العقلي الباطني، التي ما تزال تحافظ عليّ وتُدير كُلَّ وظائف جسمي الحيوية، وأنا على ثِقةٍ من أنَّ هذه الوسيلة سوف تُساعد الآخرين على أن يثقوا في وجود الشِّفاء المطلق، يعني: كل الأمراض الموجود في أعماق العقل الباطن لنا جميعًا، ويقول: عقلك الباطن هو المسؤول عن أجهزة جسمك، ويستطيع أن يشفيك، ماذا يعني بالعقل الباطن الذي يشفي؟ والذي يصنع هذه المعجزات؟ ويُحقِّق الأماني؟ إنَّه والله الكفر بالله العظيم، فبدلاً من الإيمان بالله الذي يُدبِّر ويشفي ويخلق، يؤمنون بأنَّ العقل الباطن عنده كُلُّ هذه القدرات قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام: 46].
من إلهٌ غير الله يأتيكم بأسماع وأبصار؟ من إلهٌ غير الله يأتيكم بحواس؟ حكى أحدُهم قصةَ امرأةٍ أصيبت بالعمى، وذهبت إلى أحد المستشفيات وعاد إليها بصرها، يعلق بقوله: إنَّها لم تشف بسبب العلاج، ولكن مبدأ الشِّفاء في عقلها الباطن استجاب لطبيعة تفكيرها، لقد كان لديها الثِّقة العظيمة بنفسها، نحن نقول الثِّقة بالله، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين [رواه أبو داود: 5092، وأحمد: 20447، والنسائي:10330، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 227].
يقول هذا الكافر: لقد كان لديها الثِّقة العظيمة بنفسها وقوة عقلها الباطن، وامتلأ قلبها بالإيمان أنَّها ستشفى، ووفقًا لهذا الاعتقاد استجاب عقلها الباطن وأطلق سراح جميع قوى الشِّفاء الكامنة في داخلها، ثم يقول: عقلك الباطن يستطيع أن يشفيك، اذهب إلى النَّوم كُلَّ ليلةٍ وأنت تُمنِّي نفسك بالتَّمتع بأوفر صحةٍ واستسلم للنَّوم، وينبغي أن تكون هذه الفكرة هي آخر ما يكون في ذهنك، وكون عقلك الباطن هو خادمك الأمين فسوف يطيعك. انتهى. ويحكون عن رَجُلٍ مصابٍ بالسَّرطان شُفِيَ، وأنَّه يقول خلال مراتٍ عديدةٍ من اليوم كنت أجعل جسدي مسترخيًا وأخاطبه بالعبارات التَّالية: قدماي مسترخيتان ورأسي مسترخٍ، وكُلُّ كياني مسترخٍ، وبعد خمس دقائق أجد نفسي في حالة نعاس، ثُمَّ عندئذٍ أؤكِّد الحقيقة التَّالية: فكرة الصِّحة الكاملة تملأ عقلي الباطن الآن، والعقل الباطن يعمل بكامل قوَّته وفقًا لهذه الفكرة يقول: وبهذا تحقَّق لي الشِّفاء التَّام.
من أسباب تعلُّقهم بالعقل الباطن:
قد يكون ميرفي يكذب وألَّف القصص، وقد يكون هؤلاء حصل لهم شفاءٌ من الله، ولكنَّهم كفرة فنسبوه إلى العقل الباطن؛ لأنَّ كُفر النِّعمة شيءٌ مشهورٌ في البشر، الله يشفيهم ويشكرون غيره الله، وينزِّل عليهم مطرًا ويقولون مُطرنا بنوء كذا، فهذا كفران معروف في البشرية، فأحيانًا يأتي شخصٌ من هؤلاء الذين يؤمنون بالعقل الباطن أنَّ له قدرة على الشِّفاء، ويمرض ثُمَّ يخاطب العقل الباطن أن يشفيه، ثم يُشفَى لكن يُشفَى بقدرة الله، فيتوافق شفاؤه مع استعماله لهذه العبارات، وهو مقيمٌ على هذا الاعتقاد شفاه الله استدراجًا وابتلاء، شفاه الله لأنَّه هو الشَّافي، فيظنُّ أنَّ العقل الباطن هو الذي شفى، وليست القضية إلَّا مجرد تقدير من الله أن يوافق شفاؤه هذا الذي فعله، فيظنُّ أنَّه منه وأنَّه هو، وهذا كثير أنَّ بعض النَّاس يفعل شيئًا فيحدث له أمرٌ فيظنُّ أنَّ هذا من هذا، وليس له أيُّ علاقة، وبعضهم يكون مشركًا وينادي الله في الظُّلمات في البرِّ في الرِّيح العاصفة ويستجيب الله له لضرورته لا لكفره، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]. أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:62].
ولو كان كافرًا، فيظنُّ بعض النَّاس أنَّ الشِّرك هذا منجي، ويقولون فلان المشرك نجا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنَّ بعضهم قد يدعو ميتًا عند قبر لشيءٍ يريده كشفاء مريضٍ أو طلب الولد أو مال أو قضاء دين أو تفريج كربة أو تيسير عسير، فيقدِّر الله برحمته أو باستدراج منه أن ينال هذا الإنسان طلبه، فيظنُّ أنَّ الميت هو الذي استجاب، وأنَّ دعاء الميت نافع، توافق الشِّفاء مع دعاء الميت وهذا استدراج من الله لينظر كيف يعملون، فيظنُّ هذا المشرك أن نداء الميت نفعه، وليس إلَّا استدراج من الله، أو اتفق شيءٌ مع شيءٍ قدرٌ من الله أن يحدث هذا في هذا الوقت، فيربط بينهما.
المؤمن يعتقد بأنَّ الشَّافي هو الله:
ع
مقبول مرفوض
0
2019/08/20 - 09:53
4 |
تتمة
...
على أيَّة حالٍ: نحن المؤمنون نعتقد بأنَّ الشَّفاء بيد الله لا بيد غيره، ولا أمهر أطباء العالم يملك الشِّفاء إلَّا العلاج والدواء، فالطَّبيب وإعطاء الدَّواء المعالجة مجرد سبب، وكذا العملية الجراحية والجهاز مجرد لكن فالشَّافي هو الله، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: اذهب البأس ربَّ النَّاس اشف أنت الشَّافي لا شفاء إلا شفاؤك لاحظ قوله وأنت الشَّافي: أنت: مبتدأ، الشَّافي خبر، أنت الشَّافي لا شفاء إلا شفاؤك وأكَّدها عليه الصَّلاة والسَّلام بهذا التَّأكيد، والاستثناء بعد النَّفي يفيد أقوى أسلوبٍ للحصر، فالاستثناء بعد النَّفي: لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا [رواه البخاري: 5750، ومسلم: 2191].
يعني: لا يترك، رواه البخاري ومسلم. ثم يقال بعد ذلك إنَّ العقل الباطن يشفي وعنده قدرةٌ على الشِّفاء، ادع العقل الباطن وآمن به وبقدرته، لماذا يصرفونهم عن الله إلى العقل الباطن؟ ومرَّ معنا كلامُ أبي الأنبياء إبراهيم عليه السَّلام وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]. هو لا غيره.
زعمهم بأنَّ العقل الباطن ينفع ويضرُّ:
فهؤلاء الذين يؤلِّهون العقل الباطن يدعونه ويسمُّون دعاء العقل الباطن رسائل إيجابية، يقول ميرفي: سألني الكثير من النَّاس في أنحاء العالم آلاف المرَّات: لماذا أتضرع وأدعو كثيرًا ولا يستجاب لي؟ هذا السُّؤال ممكن يطرحه مسلم لكن جواب الكافر غير جواب المسلم، ما قال أبداً: ما من مسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحمٍ إلَّا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إمَّا أن تُعجَّل له دعوتُه وإمَّا أن يدَّخرها له في الآخرة، وإمَّا أن يُصرف عنه من السُّوء مثلها، قالوا: إذًا نُكثِر، قال: اللهُ أكثر [رواه أحمد: 11149، وقال الألباني: "حسن صحيح" صحيح الترغيب والترهيب: 1633]. رواه أحمد وهو حديث صحيح.
هذا الحديث الذي يبيِّن: لماذا لا يستجاب دعاءك أحيانًا يا مسلم: إمَّا أن يُدَّخر لك إلى الآخرة أجرًا وثوابًا، وإمَّا أن يؤخَّر لحكمةٍ يريدها الله يؤخِّر الإجابة، وإمَّا أن تُعطى خيرًا مما سألت أو يُصرف عنك شرٌّ أسوأ مما دعوت برفعه، هذا هو الجواب الشَّرعي، قد لا يستجاب لمعصية أو لعدوان اُعتدى في الدُّعاء، سأل ما لا يجوز، أو استعمل طريقةً بدعيةً في السُّؤال، أو توسَّل بغير الله ونحو ذلك من الأسباب، أمَّا ميرفي يقول: الاستجابة للتَّضرُّع والصَّلاة تنتج عندما يستجيب العقل الباطن للصَّورة الذِّهنية، وهذا الاعتقاد يتحقَّق في جميع أديان العالم، وهو السَّبب في أن كُلَّ الأديان صادقة وحقيقية تتقبلها النَّفس، ولكن انظر كيف أن تفسيره غريبٌ، يقول: فالمسيحية والإسلام واليهودية تستجيب للصَّلوات ليس من أجل عقيدةٍ معينةٍ أو دينٍ أو طقوسٍ أو شعائر أو أدعية أو قرابين، وإنَّما الاستجابة فقط بسبب إيمان وقبول العقل، لما يُصلُّون من أجله فقانون الحياة هو قانون الاعتقاد، والاعتقاد يمكن إيجازه في أنَّه الفكر الذي في عقل الإنسان، فهو الآن يريد أن يقول حتى الأدعية في الأديان استجابتها لأجل العقل الباطن وليس لأجل إلهٍ مدبِّر خالق سميع مجيب، فهو أولاً: يسوِّي بين الأديان المنحرفة والدِّين الصَّحيح، فيسوِّي بين اليهودية والنَّصرانية والإسلام، وقد قال ربُّنا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: 19]. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85].
ثانيًا: يُنزِّل العقل الباطن منزلةَ الإله الذي يستجيب لمن دعاه، وربُّنا يقول: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62].
وأمَّا من جهة الحكم على الاعتقاد هذا: فمن اعتقد أنَّ العقل الباطن هو الذي يشفي بذاته فهذا كافر بالله العظيم مشركٌ شركًا أكبر؛ لأنَّ الشَّافي هو الله وحده، وهو الذي يملك النَّفع والضُّر وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وليس العقل الباطن ولا غيره إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17].
ومن اعتمد على الأسباب اعتمادًا كليًا، واطمأنَّ إليها، واعتقد أنَّها بذاتها محصلِّةٌ للمقصود، وأنَّها الفاعلة بذاتها: فهذا شركٌ أكبرٌ" [مدارج السالكين: 3/499]. مدارج السَّالكين لابن القيم.
وقد بيَّن سبحانه وتعالى بطلان كُلِّ سببٍ أو وسيلةٍ للشِّرك والكفر وقطع الأسباب التي تعلَّق بها المشركون، فقال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 22-23].
فنفى الله أنَّ لغيره ملكًا في السَّماوات والأرض، ونفى الله أن يكون معه شريكاً: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ ونفى الله أن له معينٌ، فقال: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ونفى الله قبول شفاعة أحد عنده إلا بإذنه، فلا أحد يفرض على الله شيئاً وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: 88].
سبحانه وتعالى، فإن شاء أدخلك في حمايته ولا يجار عليه ولا يُفرض عليه شيءٌ عزَّ وجلَّ، والمشرك يتَّخذ معبوده لأنَّه يعتقد به نفعًا، فكانوا يعتقدون أنَّ اللات والعزَّى ومناة وهبل تنفع وتضرُّ، فيرجونها لنفعها ويخافونها لضرِّها، والذي يُرجى ويخاف هو الله؛ لأنَّه بيده النَّفع والضُّرُّ، نفى الله المراتب الأربعة الملك والشَّركة والمظاهرة والشَّفاعة لغيره، وهي الأسباب التي من أجلها يشرك المشركون، ويتَّخذون من دون الله أو مع الله إلهاً، فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاةً وتجريدًا للتَّوحيد.
طريقة أسلمة هذه الدَّروات:
الحال الثَّانية: من اعتقد أنَّ العقل الباطن سببٌ للشِّفاء، يعني: إذا وردت نظرياتُ العقل الباطن على المسلمين الذين يحضرون دوراتٍ في الموضوع وينخدعون بها، فإنَّهم في الغالب لا يكفرون كفرًا أكبراً، فماذا يحاولون أن يصنعوا؟ كما قلنا أنَّ هناك مشاريع الأسلمة الوهمية الباطلة، يقول المدرِّب أو صاحب الدَّورة ولأنَّه هو متهمٌ والتُّهم تحول عليه فيقول: أول شيءٍ وقبل أن نبدأ في موضوع الدَّورة في العقل الباطن، أو الإن إل بي، أو البرمجة اللغوية، أو قانون الجذب أو أي شيءٍ اعلموا أنَّنا كُلُّنا مسلمون، وكُلُّنا مؤمنون، فالضُّرُّ والنَّفع بيد الله، اسمعوا: قبل أن نبدأ يا أيها المتدربون والمتدربات يا من معنا في هذه الدَّورة إنَّني أعلن لكم من موقعي هذا أنَّني مسلمٌ مؤمنٌ، وأنَّ عقيدتي التَّوحيد، وأنَّه لا ينفع ولا يضرُّ إلَّا الله، ولكن هذه مجرَّد أسباب: فالجذب سببٌ، الأحجار الكريمة سببٌ، والعقل الباطن سببٌ، والرّيكي والطَّاو والطَّاقة سببٌ، فانظروا إلى أين وصل بنا هذا المدرب! إلى الشرك الأصغر، فكُلُّ من جعل ما ليس بسببٍ سببًا فقد أشرك، والله لم يجعل الأحجار الكريمة هذه سببًا لدفع العين حتى تُعلِّقها، وألَّا تقول أنَّ فيها طاقةٌ تشفي من الرُّوماتيزم ومن الأمراض.
وهذا يقول أنَّ الأحجار الكريمة تشفي من كُلِّ الأمراض، تريد شفاءً من سرطان أو إيدزٍ أو من التهاب كبدي وبائي سأعطيك كُلَّ شيءٍ، فعندنا أحجارٌ كريمةٌ، انظر يُسمُّونها كريمةً، وهكذا يفعل هذا المدرِّب في العقل الباطن وهو يقول للمتدرِّب: أنا مسلم مثلي مثلك، لكن العقل الباطن هذا سببٌ للشِّفاء وليس هو الشَّافي انتبه ولا تتهمني أنَّي مشركٌ، فنقول: لقد تركتم الشِّرك الأكبر ووقعتم في الشِّرك الأصغر، وجعلتم ما ليس بسببٍ سببًا، فإنَّ الله لم يجعل العقل الباطن سببًا للشِّفاء وإنَّما جعل الإيمان به والتَّوكل عليه ودعائه سبحانه واليقين بأنَّه هو الشَّافي والرُّقية بكتابه والأدوية التي ذكرها: كالعسل، والحبَّة السَّوداء، وماء زمزم، أسبابًا للشِّفاء، وجعل الأدوية الأخرى التي يبتكرها البشر مثل البنسلين الأنسولين أسبابًا للشِّفاء، فهذه أدويةٌ ثابتةٌ تأخذ تنبرا فيفادول خافض الحرارة فتنخفض الحرارة، فهذا مشاهدٌ بالحسِّ والتَّجربة، وهو مركَّبٌ من أدويةٍ تخفض الحرارة، وهذا مسكنُ آلامٍ يؤثِّر على الجهاز العصبي ويسكن الألم، اخترعوه اكتشفوه وطوَّروه، فهذا سببٌ محسوسٌ مثبَّتٌ بالمختبرات، أمَّا أن تقول: أنَّ العقل الباطن يشفي، فالشِّفاء بيد الله، وليس هناك شيءٌ يشفي غير الله، لا في المختبرات ولا في غير المختبرات، وليس هناك سببٌ يشفي ولا إلهٌ يشفي غير الله، فكلمة: شافي يشفي شفاء، هذه خاصَّة بالله ولا يجوز أن تقول الدَّواء يشفي، وحرامٌ أن تقول الطَّبيب يشفي فضلاً على أن تقول العقل الباطن يشفي، فلا يشفي إلَّا الله، ومن اعتقد أنَّ العقل الباطن سببٌ للشِّفاء فهو مشركٌ شركًا أصغراً إذًا؛ لأنَّه جعل ما ليس بسببٍ سببًا، قال الشَّيخ السَّعدي في تعليق التَّمائم: "من اعتقد أنَّ الله هو النَّافع الرَّافع وحده، ولكن اعتقدها -يعني التَّمائم- سببًا يستدفع به البلاء فقد جعل ما ليس سببًا شرعيًا ولا قدريًا سببًا وهذا محرَّمٌ وكذبٌ على الشَّرع وعلى القدر، وهو من جملة وسائل الشِّرك، فإنَّه لا بُدَّ أن يتعلق قلبُ متعلقها بها، وذلك نوعُ شركٍ ووسيلة إليه". [القول السديد: 44]. القول السديد لابن سعدي.
التَّشابه بين هذه الدَّورات والشَّعوذة:
من يريد الدُّخول في هذا المجال أحيانًا ماذا يفعل؟ يقول: أنَّ العقل الباطن سببٌ، واطلب الشِّفاء من الله، يعني: يريد تسويغ الموضوع، يقول أحدُهم هناك في جنوب إفريقية وأجزاء أخرى من العالم من يطلق عليهم المعالجون بالشَّعوذة، والذين يستخدمون التَّعاويذ في طرق علاجهم ويزعم أنَّ الشَّخص قد يشفى إذا ما لمس بعضَ العظام أو أي شيءٍ آخر من خلال الاعتقاد بتلك الطَّريقة: إن أي وسيلة تجعلك تنتقل من الخوف والقلق إلى الثِّقة والتَّوقع سوف تساعدك على الشِّفاء، انظر: كلام الكافر هذا كلامٌ دقيقٌ، هو يقول: أيُّ شيءٍ أنت تعتقد أنَّه يساعد سيساعدك، حجرٌ أو عقلٌ باطنٌ أو طاقةٌ كونيةٌ أو عقلٌ كُلِّيٌّ، أو قانونُ الجذب أو أيُّ شيءٍ تعتقد أنَّه يفيدك وتؤمن به فسيفيدك، فهذه وثنيَّةٌ؛ لأنَّ البوذيين يعتقدون أنَّ بوذا يشفي وينفع ويضرُّ ويعينهم، والهندوس يعتقدون مثلاً: أنَّ البقر هو إلههم الذي يلجؤون إليه فسيعينهم، وأصحاب العقل الباطن وقانون الجذب والطَّاقة والأحجار هذه النَّفيسة يعتقدون بها إذًا ستعينهم، وبالتَّالي إذا أتينا إلى الحديث المكذوب: "لو أحسن أحدكم ظنَّه بحجرٍ لنفعه الله به". [قال ابن تيمية: "هُو مِن كَلَام أَهل الشِّرْك والبُهتان" مجموع الفتاوى: 11/513، وقال ابن القيم: "هو من وضع المشركين عباد الأوثان" نقد المنقول: 222].
فهؤلاء ماشون على نفس الخطِّ، وهذه اعتقادات المشركين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحديث الذي يرويه بعض الكذَّابين "لو أحسن أحدكم ظنَّه بحجر لنفعه الله به" كذبٌ مفترى باتِّفاق أهل العلم، وإنَّما هذا من قول عباد الأصنام الذين يحسنون ظنَّهم بالحجارة، فيجعلون الانتفاع بالشِّيء تبعًا لظنِّ المنفعة فيه". [جامع المسائل: 5/104].
انظر -سبحان الله- فشيخ الإسلام ابن تيمية رجلٌ عجيبٌ وعظيمٌ؛ لأنَّك لما تقرأ كلامه وتذهب تقرأ كلام أصحاب الفلسفة والعقل الباطن وقانون الجذب، تجد أنَّه يُعلِّق عليهم، يعني: يفهم الباطل فهمًا دقيقًا ويوصِّفه توصيفًا، ستجد أنَّ ما يقولونه قد بيَّن حكمه هو، فهذا ميرفي بعد الشيخ الإسلام بزمنٍ، وهذا كلامه بالنَّص، وانظر كلام شيخ الإسلام: "فيجعلون الانتفاع بالشَّيء تبعًا لظنِّ المنفعة فيه" هذا كلام ابن تيمية دقيقٌ جداً في توصيف ما عليه القوم. الكلام في جامع المسائل لابن تيمية 5/104. وذكرنا طرفاً من هذا الموضوع في مسألة العلاج بالأحجار النَّفيسة التي يسمُّونها الكريمة.
من انحرافات هذه الدَّورات: زعمهم جلبُ الغنى والثَّراء بالعقل الباطن:
ومن انحرافات موضوع العقل الباطن: زعمهم جلبُ الغنى والثَّراء بالعقل الباطن، عن طريق تمارين وأورادٍ خاصَّة، فيُروِّجون لدوراتهم بأنَّه من خلالها يستطيع النَّاس تحقيق الغنى والثَّروة، فتجد الإعلان في أحد الدَّورات مثلاً: هل ترغب في أن يكون قانون الجذب رفيقك في جذب الحبِّ والثَّروة والحظِّ؟
هل تريد برمجة عقلك الباطن للتَّمتُّع بالسَّعادة والوافرة؟ هذا من ضلالات البرمجة اللغوية العصبية، وقلنا إنَّ فيها مباحات وفيها محرمات، فيها أجزاءٌ لا تُنَكر وفيها أجزاء منكرةٌ، وهذه من ضمن الأشياء المنكرة: دعاية من دعايات دورة البرمجة اللغوية العصبية: هل تريد برمجة عقلك الباطن للتَّمتُّع بالسَّعادة والوافرة؟ كُلُّ واحدٍ يقول: نعم برمجوني، يقولون: إذا اقنعت عقلك الباطن بأنَّ الثَّروة هي ملكك، وأنَّ ذلك شيءٌ عادي في حياتك، سوف تحصل عليه دائمًا وبشكلٍ لا يمكن تجنبُّه، بصرف النَّظر عن الشَّكل الذي تتَّخذه تلك الثَّروة: ذهبٌ، فضةٌ، أسهمٌ، أراضي عقارات، شركةٌ، لكن -سبحان الله- الخداع المكر والخديعة في النَّار، هذه إحدى مقدمات الدَّورات: امرأةٌ تُعلِن عن دورةٍ لجذب المال والثَّروة، دغدغة مراد النَّاس ورغباتهم، من الذي لا يريد أن يكون ثريًا وعنده ثروة؟ فيأتي إعلانُ الدَّورة، تقول: سأقوم بتركيب ملفاتٍ المال والثَّروة في عقلك الباطن، تقول ذلك للنِّساء اللاتي يشتركن في الدَّورة، والمشكلة لما يجيء نساءٌ أو رجالٌ ويُصدِّقون بهذا الكلام، ويدفعوا مالاً، فمن هو الوحيد الذي يخرج بالثَّروة؟
مقدِّم الدَّورة هو من يأخذ الثَّروة من جيوب هؤلاء المهابيل المساكين، إنَّه رزق المكرَة والخدَّاعين على المهابيل والسذج والمغفلين، فالرِّزق قد يكون حرامًا وقد يكون حلالاً، يسمى كُلُّه رزقاً للعموم، أمَّا طريقة الحصول على الثَّروة فيقولون: ردِّد لنفسك لمدة خمس دقائق أربع أو خمس مراتٍ يوميًا، يعني كالدواء، ردِّد خمس مراتٍ لمدة خمس دقائق فيكون مجموعها خمسة وعشرين دقيقة ترديد موَّزَّعة على اليوم بعدد الصَّلوات، نحن عندنا صلواتٌ وهم عندهم أذكار يُردِّدها، يصرفون النَّاس عن الأذكار الشَّرعية، فالشَّرع أتى بأذكارٍ وهؤلاء أتوا بأذكارٍ، فما هي الأذكار التي يردِّدونها خمسَ مراتٍ يوميًا كُلَّ مرةٍ خمس دقائق وكأنَّها صلاةٌ؟ كلمات: ثروةٌ، نجاحٌ، قال: فإنَّ لهذه الكلمات قوَّةٌ هائلةٌ، وهي تمثِّل القوَّة الهائلة لعقلك الباطن، اربط عقلك بهذه القوَّة الجوهريَّة التي بداخلك، وعندئذٍ سوف تظهر في حياتك الظُّروف والأحوال الملائمة لطبيعتها، قوى عقلك الباطن ص131.
وعندهم طريقةٌ تُسمى التَّأكيد، وهي: أن تثبت وجود شيءٍ من خلال إبداء أهدافك بشكلٍ محددٍ، وتجعلها ملتصقة بعقلك الباطن، ومن أبسط أساليب التَّأكيد إذا قلت: ماذا تقصد أنت بالتأكيد؟ فالعقل الباطن يقول من أساليب التَّأكيد عندنا: الكتابة، يعني: يقول اكتب، قد تفاجئ مثلاً عند كتابة تلك التَّأكيدات بجرس الهاتف يرنُّ ليحمل لك خبرًا يساعدك على تحقيق الأهداف التي تكتبها في تلك اللحظة، اكتب: أنا ثريٌّ أنا ثريٌّ أنا ثريٌّ، يطلب الهاتف ها قد كسبت مليوناً، المشكلة أنَّ العقول تستغرب: كيف أنَّ هناك أناسٌ تصدِّق بهذا الكلام؟ طبعاً هذا الكلام كتبه واحدٌ من الذين يقدِّمون دورات البرمجة اللغوية، لكنَّه مات رحمه الله، ولذلك أنا أعرض عن ذكر اسمه وقد أفضى إلى ما قدَّم، يقولون عندما تذهب إلى النَّوم ليلاً كرِّر كلمة: غنيٌّ بهدوء وسهولة وإحساس بها، حس أنَّ الغين تخرج غين نون ياء، وسوف تدهشك النَّتائج، حيث ستجد الثَّروة ستتدفَّق إليك، وهذا مثال آخر يدلُّ على القوَّة العجيبة لعقلك الباطن جوزف ميرفي 136.
أصحاب هذه الدَّورات أشدُّ خطراً من الكُهَّان:
ففي هذه الدَّورات يذكرون قصصاً كأنَّها واقعية، حتى تُصدِّق أنَّها حصلت، وهذا من أساليب الخداع، ثُمَّ أنَّ القصة قد تكون مكذوبة وقد تكون حقيقية، لكن لا علاقة لها -كما قلنا- جرى قدر الله بشيءٍ فوافق واحدةً من مليون وحدة، أو من مائة ألف واحدة فيستدلُّ بها، وأيضاً مسألة سماع الشِّيطان لكلام الملك، لما يركب بعضهم فوق بعض إلى السَّماء ليستمعوا ويسترقوا السمع، وتأتيهم الشُّهب وقد تفلت هذه الكلمة من الشَّيطان هذا إلى من تحته قبل أن يُقتَل ويحترق، فتصل إلى الكاهن في الأرض، والكلمة حقٌ وفعلاً قالها الملك من أمر الله، فيكذبون معها تسعةً وتسعين كذبةً، ونسبة الحقِّ واحد في المائة، ومع ذلك حُرِّم علينا إتيان الكهان، فكيف إذا كان كُلُّ ما عندهم باطلٌ؟ ولذلك بعض أصحاب الدَّورات لا يجوز إتيانهم، مثلما لا يجوز إتيان العرَّافين والكُهَّان؛ لأنَّ المفعول واحدٌ وهو: إيقاع النَّاس في الشِّرك، نعم هذا الحكم الشَّرعي: لا يجوز إتيانهم فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [الأنعام: 140].
يقول أحدُهم شاهدتْ فتاةٌ حقيبةَ سفرِ جذابةً وغاليةَ الثَّمن بأحد المحلات، أخذت الفتاة تنظر إلى الحقيبة وهي تردِّد عبارة: هذه الحقيبة ملكي، حيث أنَّها أخذت دورة العقل الباطن، فالآن سيشتغل العقل الباطن، عجبتها الحقيبة فتذكَّرت الدَّورة وماذا أخذت فيها؟ إذا رأيت شيئًا أعجبك ليس أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اللهمَّ بارك فيه، اللهمَّ بارك عليه اللهمَّ ارزقني مثله، اللهم ارزقني أحسن منه، لا، بل تقول: هذه الحقيبة ملكي، هذه الحقيبة ملكي، أنا أقبل هذه الحقيقة في ذهني، وسيعمل عقلي الباطن على الحصول عليها، انتهى المشهد الأول، افتح السِّتارة عن المشهد الثَّاني: لاحقًا في هذا اليوم أتى خطيب الفتاة ومعه هدية ملفوفة بأناقةٍ تحت ذراعيه، كتمت الفتاة أنفاسها لكن ما اختنقت وهي تفتح الهدية فقد كانت الحقيبة الجلدية التي رأتها صباحًا، لقد ملأت عقلها بذلك التَّوقع ثُمَّ حوَّلت الأمر إلى عقلها الباطن الذي له قوَّةُ تحقيق الأمنيات، قالت الفتاة: لم يكن معي نقود لشراء تلك الحقيبة، ولكن الآن أعرف أين توجد النُّقود التي أشتري بها ما أريد، هذا هو الكنز الأبدي بداخلي، قوة العقل الباطن ص21.
النَّتائج السَّيئة المترتبة على دخول هذه الدَّورات:
ما هي نتائج هذه التَّربية السَّيئة؟ أنَّهم يربُّون النَّاس: على البطالة، والكسل، ونبذ التَّوكُّل على الله، وعدم الأخذ بالأسباب الشَّرعية والقدرية، هؤلاء يجعلون النَّاس يتوجَّهون إلى غير الله ويدعون غيره، ويستغنون عن الله، ويصدُّون النَّاس عن سبيل الله، ويبعدونهم عن الله الذي يرزق ويخلق ويشفي وينفع ويضرُّ ويجيب ويعطي ويمنح، الكريم الوهَّاب سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:30].
ومقتضى حكمة الله أن يوسِّع على بعض عباده وأن يضيِّق على بعض، لحكمةٍ يعلمها ولمنافع تتعلَّق بهم: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: 32].
يعني: يُسخِّر بعضَهم بعضاً في الأعمال والحرف والصَّنائع، من هو المتحكم في الأرزاق؟ من هو المتصرِّف في العطايا؟ الله: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر: 2].
قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت [رواه البخاري: 808، ومسلم: 471].
هذا هو التَّوحيد، وهؤلاء يقولون المنع والعطاء والثَّروة والنِّعم كُلُّها بيد العقل الباطن، حتى السَّعادة فإنَّ الذي يهبها عندهم هو العقل الباطن عن طريق تمارين وأوراد خاصَّة، يقولون بالنَّص: هناك قوَّةٌ هائلةٌ بداخلك يمكنك التَّمتُّع بالسَّعادة إذا كنت واثقًا في هذه القوَّة، وحينئذٍ تستطيع تحقيق أحلامك، عندما تفتح عينيك في الصَّباح قُل لنفسك: إنِّي اختار السَّعادة اليوم، إنِّي أختار السعادة اليوم، يجب أن ترغب بصدقٍ في السَّعادة؛ لأنَّ الرَّغبة هذه أملٌ بجانحين خيالٌ وإيمانٌ، تخيَّل رغبتك وآمن أنَّها حقيقة، وسيتم تحقيقها، استمدَّ إلهامك من المبدأ الخلَّاق الوحيد بداخلك مبدأ الحياة، إن فكرك هو سبب، والسَّبب الجيَّد يؤدِّي إلى نتيجة جيِّدة، عقلك الباطن العملاق الذي إذا فركت ظَهَر واستجاب لك ومنحك وأعطاك.
من الانحرافات التي في دورات الاسترخاء:
عندهم ما يُسمى بدورات الاسترخاء، نحن الآن لا نتكلَّم عن قضية الاسترخاء الذي فيه راحةُ البدن، لا فذاك استرخاء مباحٌ، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: إن لجسدك عليك حقًا [رواه البخاري: 1874].
وقال: أما أنا فأنام وأقوم [رواه البخاري: 4088، ومسلم: 1733].
فالنَّوم من حقِّ الجسد عليك، وقضية الاسترخاء ليست بحرام، فلو الآن شخصٌ مثلاً: ملأ حوض ماءٍ واسترخى فيه، فليس حرامٌ، لِما يُسمى بهذه المدلِّكات والجاكوزيات، فنحن ما تكلَّمنا عن جلسات الاسترخاء هذه، فهذه أشياء مباحة إذا لم تله عن ذكر الله وعن الصَّلاة، وليس فيها كشفُ عوراتٍ فأمرها واضحٌ، لكن جلسات الاسترخاء عندهم لها معنى آخر، دوراتُ الاسترخاء تدريبات تعتمد على التَّنفُّس والتَّأمل مع الإيحاء الذَّاتي، أيضاً نقول التَّنفس العميق ليس بحرام، يعني: لمَّا يجيء شخصٌ يقول لك: ارخ أعصابك وخذ نفسًا عميقًا واحبسه بداخلك خمسَ ثوان ثم زفير، فهذا حتى الآن ليس فيه شيءٌ حرامٌ، ما يمكن نحرِّم على النَّاس ما أباحه الله، لكن لما يقول أنَّ هناك إيحاء لازم يكون مع هذا التَّمرين، إيحاءٌ ذاتي، ماهو الإيحاء الذاتي؟
يقول: تخيَّل الطَّاقة الكونيَّة هذه طاقةٌ موجودةٌ في الكون، مصدرها الطَّاوم الكُلِّي الذي هو بدل عن الله تعالى، هم يقولون هناك طاو أو الكلي هذا الذي يتحكَّم في الكون هذا مصدر الطَّاقة، فهو لما يبدأ في جلسة الاسترخاء يقول استرخ ارخ أعصابك شُلَّ كلَّ شيءٍ من دماغك، خذ نفسًا عميقًا احبس نفسك اعمل زفيراً الآن، وأنت تأخذ النَّفَس كذا تخيَّل مصدر الطَّاقة الكوني هذا، الآن الخطوة التي بعدها: حاول أن تتناغم معه وأن تتَّصل به، تخيَّل أنَّك مغمورٌ فيه وتخيَّل أنَّه يُمدُّك، استقبل الإمداد اتحد معه، هو هذا الآن الإيقاع في الكفر والشِّرك هنا تحديدًا، أو يقول: تخيَّل العقل الباطن آمن بالعقل الباطن اتحد مع العقل الباطن خاطب العقل الباطن تخيَّل الأمنيات التي تريدها، إلى آخر الهراء والدَّجل والشَّعوذة والكفر الذي يفعلونه، هذه جلساتُ الاسترخاء، يقولون بالنَّص: تدريباتٌ تعتمد التَّنفُّس والتَّأمل مع الإيحاء الذَّاتي لعلاج الأرق والاكتئاب وغيره، أو للسَّعادة والوصول والنَّشوة والنِّيرفانا تناغم مع الطاقة الكونية وانسجام معها، أو انسجام مع هذا العقل الباطن.
اللجوء إلى الله لا إلى العقل الباطن:
يا قوم بدلاً من أن تُربُّوا النَّاس على هذا الهراء الجؤوا إلى الله وعيشوا معه، اذكروا الله وادعوه، خافوا الله ارجوه وتوكَّلوا عليه، آمنوا بالله وصدِّقوه، خيرٌ لكم من استخدام العقل الباطن الطَّاقة والرِّيكي والطَّاو والتِّشي والين واليانج والشَّكرات والهالة التَّأثيرية، والأحجار الكريمة، وقانون الجذب، لماذا يشركون مع الله؟ لو كانت هذه الأشياء مباحةً لكانت أقلُّ شيءٍ من باب المقبول، فكيف تترك الأفضل وتلجأ إليها؟ فكيف إذا كان اللجوء إليها شركٌ وكفرٌ؟ من هو الذي يُشقِي ويُسعِد؟ قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى [النجم: 43].
قال عطاء بن أبي مسلم: "يعني أفرح وأحزن؛ لأنَّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء". [تفسير البغوي: 7/418]. تفسير البغوي.
فالسَّعادة والعيش من الله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97]. قال ابن عباس في تفسيرها: "الحياة الطَّيبة السَّعادة". [تفسير الطبري: 17/291].
وهؤلاء يقولون بالعقل الباطن وقانون الجذب، فليست هناك مشكلة في الزَّواج؛ لأنَّك تستطيع أن تجذب شريكك المناسب لك، وتحلُّ كُلَّ مشكلاتك الزَّوجية، يقولون العقل الباطن لا يعجزه شيءٌ! من هو الذي لا يعجزه شيءٌ؟ الله عزَّ وجلَّ، خُذ الآن كلام مدرِّبةٍ في دورة من دورات البرمجة اللغوية والعقل الباطن، تقول: اجلسي ليلاً في مقعدٍ وفيرٍ أغلقي عينيك اجعلي جسدك مسترخيًا، كوني هادئةً تمامًا ادخلي في حال سلبية لاستقبال أيِّ شيءٍ، يعني: أغلق جهاز الاستقبال علمًا أنَّ الخواطر تهجم بدون إذن، تحدثني إلى عقلك الباطن، قولي له ما يلي: أنا الآن أجذب إليّ رجلاً أمينًا مخلصًا وفيًا مسالمًاً سعيدًا غنيًا، أنا الآن أجذب إلى حياتي رجلاً أمينًا مخلصًا وفيًا مسالما ًسعيدًا غنيًا، في الأخير يجيء شخصٌ يلعنها ويضربها كفَّاً ويرميها في الشَّارع، يقولون لمن يريد اختيار الزَّوجة المثالية ردِّد العبارات التَّالية بحزمٍ وثقةٍ: أنا الآن أجذب إليّ المرأة التي تناسبني وتتَّفق طباعها مع طباعي، ومن الأفضل أن تقوم بكتابة قائمةً كاملةً بها، يقولون حُطَّ أوصافَ المرأة التي تريدُها كاملةً في ورقةٍ، لماذا؟ يقولون: لأنَّك سُتركِّز أكثر وتقوِّي عملية الجذب، ثُمَّ تقوم التَّيارات العميقة في عقلك الباطن بجمعكما معًا، فالذي يترجم -كما قلنا- يجعل دائماً مسحةً شرعيةً، يقول ثُمَّ تقوم التَّيارات العميقة في عقلك الباطن بأمر من الله بجمعكما معًا، لاحظ: بأمر من الله ادخلها المترجم؛ لأنَّه رأى أنَّ المسألة ثخنت، ويجعل هذا لتسويغ العملية، أنت خاطب العقل الباطن وبأمر من الله سيستجيب العقل الباطن.
خرافات العقل الباطن والقراءة الضَّوئية:
من خرافات الاستخدام للعقل الباطن: بيع الوهم: كدورات القراءة التَّصويرية أو الضَّوئية فوتو ريدنج، هو: ماين سيستم، برنامج تدريبيٌّ من مخلَّفات البرمجة اللغوية العصبية، يدَّعي المتدرِّبون فيه تحقيق قدراتٍ خارقةٍ للحفظ والاستظهار، وهذه تختلف عن القراءة السَّريعة، انظروا يا إخوان: القراءة السَّريعة من الممكن أنَّك تُمرِّن نفسك شيئًا فشيئًا حتى تصبح قراءتك أسرع وأسرع، وعُرِف من الحُفَّاظ من علماء المسلمين مَن كان عنده سرعة قراءة أو سرعة كتابة مع ضبطٍ: كالدَّار قطني رحمه الله، والحافظ ابن حجر العسقلاني، الحافظ البغدادي إلى آخره، ففي الأمة أناسٌ حباهم الله بسرعة قراءة مع فهم وضبطٍ؛ لأنَّ السُّرعة عادةً تتفاوت، وهناك أناسٌ رزقهم الله مواهبَ سرعةِ القراءة الضَّوئية، فما هي سرعة القراءة؟ سرعة القراءة أنَّك تأتي فيقول لك المدرِّب مثلاً: امسك الكتاب، وامُرَّ عليه بكذا صفحة، فماذا حصل؟ يقول أنت تظنُّ أنَّك لم تعمل شيئاً وما حصلت على شيءٍ، وفي الحقيقة أنَّ هذا كُلَّه انطبع في عقلك الباطن، ولو وافقناه وطلبنا منه كيف نسترجعه؟ مثلاً: أنا الآن خلَّصت الواجب الذي أعطيتني إياه، فريتُ الكتاب ورقةً ورقةً قراءة تصويرية، فكُلُّ الكتاب أصبح في العقل الباطن، لكن كيف لي أن أستحضره؟
فسيقول لك هذا المدرِّب: هذا يحتاج إلى دورة أخرى برسومٍ، وإذا جئنا أيضاً إلى الآخر صاحب دورات الاسترخاء والذي يقول استرخاء اغمض عينيك وتمتم بكلماتٍ واعمل وافعل واستدع وتذكر واربط الأشياء، ثُمَّ في الأخير لا تطلع أيُّ نتيجة، فلو قلت لمدرِّب القراءة التَّصوريَّة سأحضر لك كتاباً مجلداً وسأقنع أحد الأثرياء بإعطاء مليون ريالاً جائزة، وخذ الكتاب واقم بقراءته قراءةً تصويريَّة في عقلك الباطن، ثم أنت يمكنك أن تُحدِّد لنا الفترة التي ستسترجع هذا الكتاب فيها، فقد تكون عندك دورة الذَّاكرة تأخذ وقتاً، ولك أن تأخذ تلك الفترة حتى يختمر في العقل الباطن، ثم نأتي بعد ذلك نفتح الكتاب ونسألك أيَّ سؤالٍ، فالله ولا أحد منهم سيعطيك موعدًا؛ لأنَّهم يعرفون أنَّهم هم أنفسهم كذَّابون دجَّالون نصَّابون، ولو كان هذا الكلام صحيحاً لما كان فاتت هذه الطَّريقة على الإمام البخاري والإمام مسلم والبيهقي وشعبة بن الحجاج وابن معين وأحمد، ولاحُفَّاظ الأمَّة، فهذا كلامٌ عجيبٌ شيءٌ غريبٌ عندما يقول بثلاث تنهي المجلد كاملاً، وأيضاً المشكلة لما يجيء بعضُهم يقول: كيف تحفظ القرآن الكريم في ثلاثة أيام؟ أتريدون أن تأتوا بأشياء ما فطن لها سلف الأمَّة ولا الحفَّاظ ولا العلماء وأنتم أدركتموها؟ فهذا ليس شيءٌ مثل جهاز جوال ومع تقدُّم البشرية اخترعوا الكهرباء، وبعدها اخترعوا الأجهزة الاتصالات، لا فهذه طريقة حفظ، أو قولوا أنَّها طريقةٌ فاتت على كُلِّ العلماء السَّابقين، وكُلِّ حفَّاظ الأمَّة لم يعرفوها، إذاً أنتم هل لكم أن ترونا تطبيق هذه الطَّريقة بأنفسكم؟ قم استعرض كتاباً لمدة ثلاث دقائق، وقل لنا متى سنسألكم فيها؟
بل هذا مجرَّد دجل وكذب على النَّاس، ولماذا إقحام العقل الباطن بخرافاته في العبادات وفي الدَّعوات وفي حفظ القرآن وحفظ الأذكار؟ يدَّعون مثلاً: دورة البيان والإلهام في حفظ القرآن، وانظر بعد هذه الدَّورة ماذا زاد برمجة العقل الباطن في قدرتك في الحفظ؟ أبرمج لك العقل الباطن تحفظ الصَّحيحين، هات أيَّ طريقةٍ في العالم للحفظ ليس فيها تكرار؟ فأصل الحفظ هو التِّكرار، كرِّر القراءة أو الكتابة، وتسمع من أيِّ شخص عدة مراتٍ، فقط هو التِّكرار تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها [رواه البخاري: 4746].
توفَّي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما طائر يُقلِّب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمَّة منه علمًا، علَّمهم كُلَّ شيءٍ حتى آداب الخلاء، وعرَّفهم الخير والشَّر، وما بقي شيءٌ يُقرِّب من الجنَّة ويباعد من النَّار إلَّا بيَّنه لنا صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأخيرًا نختم أنَّ الاعتماد على العقل الباطن بالطُّرق المذكورة فيه انسلاخ من الإيمان بالله، وشركٌ بالله وتخلِّي عن الله، ومضادَّة لعقيدة القضاء والقدر، وإغفال لجانب التَّوكُّل على الله، وصرف النَّاس عن الله، وتهميش جانب العبوديَّة والغرور بالنَّفس، وبيع الدَّجل والوهم، تقول إحدى الأخوات بعدما قضت زمنًا من عمرها في الدَّورات هذه: حرمتني البرمجة اللغوية العصبية لذة العبودية، وقلَّ الدُّعاء في حياتي، صارت قناعتي كُلُّها بالعقل الباطن، إنَّها فتنة لكن هذا مدرِّبي هداه الله، وذات مرةٍ استيقظ قلبي وأنكرت نفسي ورجعت إلى الحقِّ، والحمد لله الذي هداني وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، هذه كانت خلاصة تجربة من إحدى التَّجارب.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا، وأن يتوب علينا، وأن يرينا الحقَّ ويرزقنا اتباعه، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شرَّ أنفسنا. وصلَّى الله على نبيِّنا محمد.

المصادر
قدرات العقل الباطن في ميزان الشريعة 1

https://almunajjid.com/courses/lessons/496

قدرات العقل الباطن في ميزان الشريعة 2

https://almunajjid.com/courses/lessons/497
مقبول مرفوض
0
2019/08/22 - 08:51
المجموع: 4 | عرض: 1 - 4

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع