الرئيسية | أقلام حرة | دور الدولة2 : نظرة على التعليم-ج2

دور الدولة2 : نظرة على التعليم-ج2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
دور الدولة2 : نظرة على التعليم-ج2
 

تابع..

 

التقييم الداخلي أو تقييم المردودية الداخلية هو الأصل في التعامل مع أي نظام تعليمي بصفته الكلاسيكية الأصلية الصرفة، ما دامت هي الصفة التي تروم إزالة الجهل وإحلال العلم، وهو المقتضى الأصيل لمسمى التعليم.. وفي هذه الوظيفة المبدئية أيضا يكاد ينعقد "الإجماع الوطني" على التدني الدراماتيكي للمستوى التعليمي، بما يعفي من مشقة إيراد الشواهد والدلائل، غير أنه يمكننا عرضيا الإشارة إلى تفشي الأمية بين من قضوا سنوات من حياتهم بين أسوار المدرسة قد تصل إلى نهاية طور بأكمله دون أن يتعلموا خلاله عمليتي القراءة والكتابة، بل وتفشيها حتى بين بعض طلبة الجامعات الذين لا يكاد يخلو لهم إنتاج من أخطاء في الإملاء أو النحو أو الصرف لا تجدر بتلاميذ الابتدائي، وأيضا إلى ظاهرة التساقط الغزير من أسلاك التمدرس قبل الحصول على الشواهد المعتبرة لعدم القدرة على مسايرة البرنامج بعد تراكم سنوات التأخر الدراسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بانتقال من سلك إلى آخر، أو من البادية إلى المدينة..

 

وبما أن المسؤولية هنا في شق كبير منها تقني يتراوح بين التدبير المركزي على مستوى الوزارة والتدبير المحلي في القسم، فإنه يجدر تفكيك بنية المتدخلين والتأمل في مواقفهم ومواقعهم ومماراساتهم.. ذلك أنه لتحقيق المراد من العملية، يجب توفير الشروط الملائمة وظروف العمل المناسبة لكل هؤلاء المتدخلين، الشيء الذي يغيب إلى حد بعيد..

 

لمحاولة معرفة أسباب هذا التردي إذن، يجب النظر إلى أهم مكونات العملية التعليمية، أي المنهاج، والعاملين به(المدرسين)، والمطبق عليهم(التلاميذ)، والمشرفين التربويين والإداريين، والوعاء التربوي، والوسائل التربوية بوصفها شكليات مكملة أو مساعدة أو مؤثرة في العملية..

 

ولصعوبة استقراء وتأمل الجوانب المذكورة في كل مستويات وأطوار وأسلاك النظام التعليمي، يمكن الاكتفاء بضرب الأمثلة بسلك التعليم الابتدائي عامة، وبمستواه الأول بالنسبة للمنهاج خاصة، ذلك أن تدني المستوى التعليمي هو حصيلة تراكمية يصعب إصلاحها كلما توالت الإخفاقات في المستويات الدراسية، كما يمكن أن يبدأ توارث هذا التراكم ابتداء من هذا المستوى،، ونورد هذا المثال أيضا لأهميته كأول لبنة في بناء العملية التعليمية بأكملها.. وبعد ذلك يمكن القياس والتعميم..

 

تقدم في المنهاج المطبق على هذا المستوى ثمانية عشر(18) مادة، هي: الاستماع والتحدث، والقراءة، والخط، والنقل، والإملاء، والقرآن الكريم، والعقيدة، والاقتداء، والاستجابة، والقسط، والحكمة(التسميات الموافقة للعبادات والعقائد والسيرة والأخلاق)، والرياضيات، والنشاط العلمي، والتربية التشكيلية، والأعمال اليدوية والتفتح التكنولوجي، والأناشيد والتربية الموسيقية، والمسرح المدرسي، واللغة الأمازيغبة، واللغة الفرنسية، والتربية البدنية، وأنشطة الدعم والحياة المدرسية، في ظرف زمني أسبوعي يقدر بثلاثين ساعة، ومتضمنة في عدة كراريس وكتب ولوازم تثقل كاهل التلاميذ الجسدية وكاهل الآباء المادية.. وهذا الزخم من المواد لا أظنه يدرس في مثل هذا المستوى في بلد على الأقل مما يشابه بلدنا فيما يخص الأمية المتفشية وانحصار التعليم الأولي!!!..

 

هذه الكثرة الفاحشة ليست تربك ذهن المتعلم في هذه المرحلة العمرية والدراسية وتخلط عليه الأمور وحده، بل إن هذا الإرباك والخلط يطال أيضا المدرس، ويظهر ذلك جليا حين تأمل الغلاف الزمني الأسبوعي داخل القسم، سواء من حيث الكم، أو من حيث توزيع حصصه بين المواد..

 

فمن حيث الكم تشكل الرزنامة الزمنية المحددة مدة قياسية ليس لها مثيل أو حتى مقارب في كل أسلاك التعليم الأخرى على الإطلاق.. فهي تشكل عبئا ثقيلا على كاهل المدرس والمتعلم على حد سواء، خاصة عند استحضار ما يجب أن يسبق ذلك العمل داخل القسم، وما يجب أن يلحقه: بالنسبة للتلميذ التهييء للدرس قبل تلقيه ومراجعته وتطبيقه بعد ذلك، أما بالنسبة للمدرس فالأمر يكون أصعب بكثير، حيث أنه مطالب بالتهييء المادي بما في ذلك الوثائق والوسائل، والذهني لمتعلقات الدرس، وهذا قبل الإلقاء، فالتصحيح، ثم إعداد أنشطة دعم التعثرات بعده..

 

أما من حيث توزيع الحصص بين المواد، فإن تقزيم المدد المخصصة لتقديم وتركيز المفاهيم في مختلف المواد، ومطاردة هذه الأخيرة بعضها بعضا، يجعل المدرس يصارع الزمن أكثر مما يبذل المجهود الكافي في إيصال المفهوم. بل إن المتعلمين لا يراجعون دروسهم في المنازل لأنهم يعلمون مسبقا أن المدرس لن يسائلهم فيها أثناء الحصة الموالية، لأنه لو فعل، ولو بتقويم وجيز بسيط جدا، لن يتمكن من إلقاء الدرس الجديد. أضف إلى ذلك المجهود الخارق الذي يجب أن يبذله المتعلمون الكتاكيت، والانضباط الحديدي الذي يجب عليهم أن يخضعوا له بسرعة متناهية بفعل كثافة وتشعب، بل وتعقيد بعض ما يقدم،، وكأننا أمام السنة الأولى والأخيرة من تعليم تلميذ يفترض فيه أن يتخرج، بعد الانتقال من هذا المستوى، عالما موسوعيا محيطا.. هذا دون أن ننسى الإشارة إلى سوء توزيع الزمن بين المواد، حيث أن بعض المواد لا تكفي حصتها لتقديم نصف البرنامج، بينما قد لا يجد المدرس ما يقدم في حصص مادة أخرى!!!..

 

أما فيما يخص العاملين بهذا المنهاج ومخرجوه إلى أرض الواقع، أي المدرسين، فيمكن معالجة موضوعهم من ثلاث وجهات: وجهة مشاكل موضوعية، ووجهة مشاكل ذاتية، ووجهة اختلط فيها الحابل بالنابل فلا تستطيع تمييز صاحب المسؤولية فيها!!!..

 

رأس المشاكل الموضوعية التي تقض مضجع المدرس وتدفعه إلى التخاذل والتمرد على الوضع، هي المشاكل المادية وتدني مرتبته الاجتماعية، وأكثر ما يتأثر المدرس بهذا الوضع الرديء عندما يقارن ظروف عمله مع موظفين آخرين ممن يقاربونه..

 

فمن ناحية الإنتاجية، ينتج المدرس أغلى موجود في الوجود ألا وهو الإنسان، ومع تتميم غيره لما بدأه هو، إلا أن أستاذ التعليم الابتدائي خاصة يقوم بأشق مرحلة في العملية: إنها البداية ووضع الأساس.. فهو يتعامل مع طفولة بريئة، تمتلك حواس تقوم بجزء يسير جدا من وظائفها، ويسيرها عقل يقوم بأدنى وظائف الربط المنطقي.. ولكي تدرَك المفاهيم وتوصَل المعاني وتؤدي تلك الحواس وظائفها وذاك العقل الفطري ربطه واستنتاجه كما يجب، يجب على المدرس أن يبذل طاقة جبارة وجهدا مضنيا ووقتا طويلا، بل وأحيانا مالا خاصا، على حساب حالته العصبية وصبره النافذ!!!..

 

إذا أضفنا إلى ذلك الظروف الطبيعية التي يعمل فيها في قمم الجبال أو قعور الأودية دون توفير أدنى شرط من شروط الحياة العادية كما هي متوفرة لباقي الموظفين، فسيكون الأمر غاية في السرء!!!.. فلا وسائل نقل، ولا محلات تجارية تفي بالحاجة، ولا منازل صالحة للكراء، ولا مقاه للترفيه، ولا دواء في المتناول، ولا وسائل واقية من الحر والظمأ وسموم الأفاعي والعقارب وغيرها، ولا من المطر والرياح والبرد والوحل والسيول... فالمدرس من الموظفين الذين يذيلون سلم الأجور، وتبعا لذلك فإنه يذيل وحده سلم المراتب الاجتماعية، لأن قيمة المرء في هذا الزمن الرديء غالبا ما تقاس بقيمته المادية وما له من سلطة!!!..

 

نقول وحده مع تساوي غيره معه في الأجر، لأن هذا الغير، مع انخفاض أجره هو أيضا، له منافذ أخرى لتحسين دخله وتكثير موارده بشتى الطرق، ومن مختلف الجهات، مواطنين كانوا أو محيط الاشتغال،، ويبقى دخل المدرس الوحيد هو الأجر النظامي!!!..

 

أيضا هناك طبيعة العمل وعلاقته بالسلطة الاعتبارية في المجتمع.. فمع أن قيمة العمل التعليمي أعلى القيم ومرتبته أرفع المراتب عند الدول المتقدمة، إلا أن مرتبة ذلك عندنا -تبعا لعدة عوامل أهمها بطالة المتخرجين وتدني مستوى التعليم والتهميش الممنهج الذي تمارسه الدولة على رجال التعليم- هذه المرتبة هي في الحضيض، في حين يكتسب الموظف الآخر قيمته من احتياج الناس خدماته في وظيفته،، مع أن الأستاذ في البوادي يقوم بدور المدرس والإداري والبواب والمنظف والنادل والممرض والدركي و"الفقيه"... ومع هذا دون وضع اعتباري!!!..

 

 

يتبع..

مجموع المشاهدات: 591 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (2 تعليق)

1 | علي بن حمو كاحي
نحن لا نُتقِن إلّا الثرثرة و الكلام الكثير و الإطناب في التعبير و استعمال أساليب مُستورَدة ،، و كل ذلك قصد التَّطويل في نصّ الموضوع و إظهار براعة و مَهارَة التعبير و إغفال المضمون الذي يُمكِن تلخيصُه في بضعة أسطر ، مما يدلّ على أننا نهتمّ بالنظريّ و نغفل التطبيق ، و هذه طبيعة " الكُتّاب و المُفكِّرين " في المغرب بل في جميع البلدان العربية .
مقبول مرفوض
0
2020/10/03 - 11:06
2 | سعيد المودني
تعقيب
إذن استدرك أنت(السيد علي بن حمو كاحي) الأمر، وتعرض للمضمون، وفز بهذه السابقة..
مقبول مرفوض
0
2020/10/06 - 08:41
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة