الرئيسية | أقلام حرة | الأرض بالمجتمع القروي

الأرض بالمجتمع القروي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الأرض بالمجتمع القروي
 

تعتبر الأرض المحدد الاجتماعي لكل التجمعات البشرية، ابتداء من الأسرة ووصولا إلى القبيلة. فكل الأنشطة الاجتماعية والطقوس والعادات والتقاليد والأعراف تتم فوق الأرض، لتمنحها هوية خاصة بها؛ فهي تستمد قيمتها الاجتماعية من تداخل عناصر عديدة1، تحدد هويتها لدى الإنسان القروي، حيث أن الأرض ليست بالنسبة له وعاء جغرافيا جامدا، بل هي ذاكرة و مخيال وانتماء وثقافة وأيضا نمط عيش، فكيف تشتغل كل هذه العناصر، لتنمح للأرض تلك القيمة الاجتماعية التي يفتخر بها القروي؟

ü الأرض كذاكرة: لا يمكن للقروي أن يعيش فوق أرض دون أن يجد المناسبة لاستحضار ما بذاكرته من قصص وأحداث عاشها أو روايات حُكيت له حولها، فهو غالبا ما يتحدث عما خبره من وقائع بمختلف أماكن تحركه وتنقله، وعن ذكريات آبائه وأجداده داخل مجال الانتماء، فكل مكان بدواره أو قبيلته يستبطن ذكريات وجب الحديث عنها أمام الأبناء والحفدة، لضمان استمرارية تخزينها، باعتبارها أحداثا اجتماعية تؤسس للارتباط بالأرض.

الحديث عن صراع دار بين القبيلة وقبيلة أخرى بسبب الأرض، والحديث عن مواجهة رجال القبيلة لجيوش المخزن؛ للحفاظ على كل شبر من تراب القبيلة، وحتى الحديث عن النزاعات العنيفة بين الأسر والعائلات حول الأرض داخل نفس القبيلة، هو استعراض لأحداث تحفظها الذاكرة بتفاصيلها إعلاء لقيمة الأرض اجتماعيا، وترسيخا لضرورة الحفاظ عليها لكونها تعد كنزا يمنح القيمة الاجتماعية لمن يملكه.

الأرض إذن ذاكرة تختزن أحداثا ماضية عاشها الفرد أو عاشتها الجماعة بصفة مباشرة أو عن طريق الحكي، ترفع من درجة ارتباطه بها، وتعلي من قيمتها كرأسمال اجتماعي.

ü الأرض كمخيال: لا شك أن المخيال الإنساني يسجل بدقة تفاصيل الأمكنة والمواقع التي يعيش أو عاش داخلها الفرد. شخصيا عندما يبدأ الحديث عن مدينة الخميسات، يتحرك مخيالي في فترةالشباب الأولى نحو الملاعب التي كنت أمارس فيه رياضتي المفضلة مثل: لارموض2، الطيارة3، المعمورة4... ونحو (راديو وامان) وهو عبارة عن حديقة للتنزه يتوسطها نصب تذكاري به نافورة ماء وبه أيضا راديو بمكبرات صوت تجعله مسموعا بالحديقة كلها، نحو السقاية بحينا والتي كانت مكان التقاء العديدين من أصحاب الدواب الذين يأتون إلى المدينة؛ لبيع خضرهم أو التسوق من دكاكينها، وأيضا أبناء الحي من أجل التزود بالماء أو الاستحمام تحت مياهها المتدفقة.

بالمجال القروي، الحديث عن البادية لدى أغلبية الناس يحرك مخيالهم نحو الأراضي الفلاحية الشاسعة، نحو البيدر وقت الحصاد، نحو الخيام ومكان نصبها، نحو الوادي، نحو مكان إقامة المواسم، نحو مكان جمع الحبوب( المطمورة)، نحو المسافات التي تقطع من أجل التوجه إلى السوق...

الأرض إذن هي مخيال يتم استحضاره لتكوين تلك الصورة الذهنية الوجدانية والاجتماعية عنها، حيث أن كل تلك الصور المتواترة بالمخيال عن المكان هي بمثابة رابط يعلي من قيمة الأرض كمكون اجتماعي أساسي في حياة الناس.

ü الأرض كانتماء: الأرض باعتبارها مستقبلا لأنشطة الناس، ومكانا لنصب خيامهم وبناء مساكنهم، وفضاء للتفاعل الاجتماعي لمختلف البنيات الاجتماعية، فهي تمنح لكل من هو فوقها صفة الانتماء لمجال معين لتميزه عن غيره ممن هو منتسب لمجال آخر.

فكلمة الزموري صفة تطلق على كل من ينتمي من خلال سكنه وأنشطته الاجتماعية والاقتصادية لأراضي قبائل زمور، وكلمة الأوريبلي صفة تطلق على كل منتسب من خلال ما سبق ذكره لأراضي قبيلة «آيت أوريبل»، وهذه الصفات تعتبر هوية مجالية تمنح تأطيرا ترابيا لصاحبها.

تظهر هذه الهوية المجالية بشكل كبير خلال التجمعات التي تعتبر ملتقى لعدد كبير من القبائل أو الدواوير. فبالسوق الأسبوعي مثلا نجد أن المكان المخصص لبيع الخضر يعرف هذا التقسيم المجالي، فالمنتمون لدوار معين تجدهم بعد الانتهاء من شراء شيء ما يأتون به عند خضار بعينه يعتبر محجا لساكنة ذلك الدوار ، وبهذا فكل دوار له مكانه الخاص بالسوق يستدل به عليه. وفي سياق الإنتخابات يكثر استعمال عامل الانتماء لاستمالة الأصوات الانتخابية، حيث أن المجتمع القبلي لازال التضامن كقيمة اجتماعية يسود بعض وضعياته الحياتية، فحينما يترشح شخص من دوار ما أو قبيلة ما، ويكون من منافسيه شخص آخر ينتمي لمجال ترابي آخر، فبكل تأكيد الأصوات تعود لمرشح الانتماء تعبيرا عن هوية اجتماعية وترابية واحدة.

ü الأرض كثقافة: الأرض كمجال جغرافي يضم تكتلات بشرية يجمعهم رابط الإنتماء وتجمعهم أيضا ثقافة الانتماء التي بُنِيت من خلال تفاعلاتهم اللغوية والجسدية.

كل أرض تُحَدد بطقوسها وعاداتها وتقاليدها وأعرافها التي تميزها عن الأراضي الأخرى، فرابط القرابة واللغة وتقسيم العمل داخل مجال اجتماعي معين، يُنتج ثقافة محددة يختص بها ذلك المجال بحسب رغبات وتمثلات وتفاعلات الإنسان مع و داخل هذا المجال.

الوشم كطقس من طقوس الإنتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، يكتسب من خلاله الوجه مضمونه الاجتماعي، بحيث يصبح وجها زموريا أو زعريا أو شاويا. فالمرور من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد، لا يخلو من طقوس للوشم تضع الحد بين هاتين المرحلتين ، وتعطي للجسم وسمة اجتياز إلى الحياة القبلية5 .

الأرض إذن، تستمد هويتها الثقافية من تلك الخصوصيات المادية واللامادية المتجذرة في طقوسها وتقاليدها،و التي بُنِيت بناء تراكميا عبر عقود عديدة لتبصم تلك الأرض بالاختلاف والتمايز.

ü الأرض كنمط عيش: من المعلوم أن أنماط العيش تختلف من مجال جغرافي لآخر، فالثقافة واللغة والبيئة الطبيعية والتفاعل الاجتماعي اليومي كلها عوامل تساعد على إظهار نمط عيش معين.

داخل المغرب نجد أنماطا مختلفة للعيش من أرض لأخرى، فاللباس الزموري ليس هو اللباس الجبلي وليس هو نفسه بالصحراء ولا بشرق البلاد، الأطباق الغذائية بمنطقة دكالة ليست هي نفسها بأراضي زمور، ولا هي نفسها بمنطقة الشمال، طريقة بناء المنازل والمواد المستعملة في ذلك تختلف من منطقة لأخرى، بالمناطق الجبلية نجد المساكن مجتمعة، وبها طوابق، في حين أن بالمناطق السهلية أو الهضبية نجدها متفرقة وذات امتداد أفقي، الزربية كفراش داخل المنازل تختلف من منطقة لأخرى حسب الألوان والمواد المستعملة والرموز المشكلة لها، فالزربية الزمورية ليست هي الزربية الرباطية أو الفاسية أو البزيوية أو غيرها.

الأرض إذن انطلاقا من العناصر السالفة الذكر يمكن اعتبارها قيمة اجتماعية أو رابطا اجتماعيا يمنح للمنتمي إليها هوية اجتماعية تختزن بذاكرته، وتتجسد في سلوكه، وينقلها لمن يليه من الأجيال، وتميزه عن غيره ممن ينتسب لأراض أخرى، وهذه الهوية الاجتماعية التي تمنحها الأرض للفرد هي التي تجعله لصيقا بها عاطفيا واجتماعيا، ويصعب عليه الاستغناء عنها، وكل محاولة لتجريده منها تكون سببا للصراع وربما لاستعمال العنف.

 

هل لاتزال الأرض بالمجتمع القروي تحتفظ بهذه القيمة في ظل التحولات التي عرفتها المجالات القروية عبر عدة محطات؟ ألا تزال القبيلة تحتفظ بنفس الخصائص التي تمنح للأرض تلك القيمة الإجتماعية السالفة الذكر؟ ألا يمكن القول أن الإنتقال من مجتمع قروي يتسم بالتماسك والمشترك المبني على تواجد مؤسسات و بنيات محلية، وتفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية، إلى مجتمع يتصف بالتفكك والفردانية و انقطاع المشترك بعد التعرض لهزات بنيوية غيرت الأدوار و دمرت المؤسسات التقليدية، قد ساهم بشكل كبير في تغيير نظرة القروي للأرض؟ ألا يمكن اعتبار أن اقحام الدورة الإقتصادية القروية في اقتصاد السوق قد غير من تمثل الأرض اجتماعيا واقتصاديا وحتى هوياتيا؟

مجموع المشاهدات: 801 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة