رجاء الازهري
تحولت المدرسة في عصرنا الراهن، وبشكل لافت، من محراب للعلم والمعرفة إلى حلبة سباق ماراطوني لا ينتهي، تحولت من فضاء لبناء الشخصية وتنمية الفكر إلى ما يشبه "وحدة إنتاجية لصناعة القلق"؛ فصار التعليم نظاما ضاغطا يعيد صياغة مفهوم الطفولة كفترة تحضيرية مضنية لسوق العمل، بدلاً من كونها مرحلة نمو طبيعي. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تظافر ضغوط المناهج الدراسية المثقلة، وجداول الحصص المرهقة التي تلتهم سويعات الطفولة، وكثرة الواجبات التي تلاحق التلميذ حتى في أحلامه.
وبلغة الأرقام، تشير الإحصائيات الدولية إلى واقع مقلق يواجهه الأبناء من قبيل:
- الإجهاد المدرسي: وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (OMS)، يعاني أكثر من 30% من المراهقين من أعراض مرتبطة بالتوتر الدراسي، مثل الصداع واضطرابات النوم، مع اضطرابات حادة تصاحب ضغط الامتحانات قد يصل مداها إلى حالات الانتحار، والأخبار اليومية تشهد بذلك.
- الدروس الخصوصية: في دراسة أجرتها منظمة "اليونسكو"، تبين أن سوق الدروس الخصوصية ينمو بشكل جنوني، حيث يقضي الأطفال في بعض الدول الناشئة والمتقدمة ما يعادل 3 إلى 5 ساعات إضافية يومياً في الدراسة بعد التوقيت الرسمي.
- انعدام وقت الفراغ: تشير تقارير تربوية إلى أن وقت اللعب الحر (غير الموجه) انخفض بنسبة أكثر من 25% خلال العقدين الأخيرين لصالح الأنشطة المنظمة والموجهة من قبل الكبار.
ضغط المناهج وسباق "الأبناء الخارقين"
لم يتوقف الأمر عند أسوار المدرسة، بل امتد ليشمل البيوت. فبدلاً من أن يكون البيت ملاذاً للراحة، تحول بفعل المنافسة المحمومة بين الأسر إلى ملحق للمدرسة. إذ لم يعد كافياً أن يكون الطفل متفوقاً دراسياً، بل ينبغي أن يكون "نابغة" في الموسيقى، "بطلا" في الرياضات، و"بارعا" في اللغات... هذا السعي المنهك نحو الكمال المصطنع جعل من يوم الطفل جدولاً زمنياً صارماً يخلو من "الحق في العفوية" أو بالأحرى "الحق في اللاشيء"، كفرصة للعودة للذات ومعرفتها بعيدا عن أشعة الشاشات أو قائمة الواجبات. هذا ما جعل الطفل يعيش في حالة تأهب عصبي دائم لإرضاء سقف توقعات الوالدين. زد على ذلك أن ما يبديه الأولياء من التشنج المستمر ينعكس سلبا على مناخ الحياة الأسرية، مما يفوت الفرصة على الآباء للاستمتاع بتفاصيل يومياتهم ويزيد الأبناء توترا بسبب عدوى الانفعالات.
تغييب "مدرسة الحياة"
بينما ينشغل الأبناء بحل معادلات الرياضيات الافتراضية، يفقدون الاتصال ب"معادلات الحياة" الفعلية. إن الانغلاق اليومي في فضاءات التعليم المنمطة (وبخاصة شقق التعليم الخصوصي) يحرمهم من المهارات الناعمة soft skills التي يمكن اكتسابها في سياقات واقعية. فقد دفع المجتمع ثمن هذا الضغط من رصيد العلاقات الإنسانية، فغابت:
- الجلسات العائلية: فالطفل بحاجة إلى صلة الرحم النشطة بدلاً من الزيارات الصامتة، إن وُجدت؛ فالاحتكاك بالأقارب بمختلف روابطهم وفئاتهم العمرية ليس مجرد زيارات عابرة، بل هي فرص لتعلم أصول الجلوس إلى الراشدين خاصة...ومختبر لتعلم لغة الجسد، وآداب الحوار، وتوارث التقاليد الأصيلة والعبارات الموزونة والحكم والقيم الإنسانية العميقة التي لا توجد في الأوراق.
- اللعب التلقائي: ذلك الفضاء الحر الذي يتعلم فيه الطفل كيف يقود جماعة أو يتبعها، كيف يحاجج عن فكرة أو يترافع لاسترداد حق، وكيف يفاوض أويصيغ رأيه ب بعيداً عن تلقين المعلم.
- اكتشاف الذات: عندما يُجبر الطفل على "كل شيء"، فقد ينتهي به الأمر إلى معرفة "لا شيء" عن رغباته وميولاته الحقيقية. نحن نحاول صنع نسخ مكررة من "المتفوقين" الذين يجهلون شغفهم الخاص.
في خضم هذا الركض المتواصل لإرضاء طموحات المدرسة وتطلعات الأولياء، تضيع حقوق لا تذكر، فالطفل الذي لا يملك وقتاً ليجلس مع أهله وأقاربه، أو ليركض بحرية في زقاق مع أصدقائه...، هو طفل يفتقد لبوصلة الذات ولذة الاكتشاف العفوي، فيُسلب منه جوهر إنسانيته.
حري بنا أن ندق ناقوس الخطر لإعادة الاعتبار لأولوية التوازن النفسي لمواطن الغد وحقه في "اللاشيء" وفي اللعب والهدوء وفي كل ما يبعده عن مقصلة القلق المزمن. فالاستثمار الحقيقي ليس في عدد الشهادات التي سيزين بها جدران غرفته يوما، بل هو في اتزان شخصيته وقدرته على أن يكون متصالحاً مع محيطه، مستمتعا ومحباً للحياة، وقادراً على العيش بكرامة بعيداً عن ضجيج "مصانع القلق".
