أمل مسعود
السياسي يجيد الحديث بالأرقام ويستشهد بالتقارير و الدراسات، كما يعجبه تحليل المواقف و يراهن على محاولة فهم أصل الصراع. و لكنه بعيدا عن بريق وسائل الإعلام و عن سمك التقارير الدولية و الوطنية يجد نفسه مأخوذا متأثرا بحقائق الحياة العادية كما يعيشها و التي في غالبها تتسم بالفوضى و الارتجالية و غياب المعاني النبيلة في القضايا التي يناضل من أجلها.
فبينما دماغه السياسي مضطرب مشغول بالأوضاع السياسية للمجتمع و بأسئلة الديمقراطية المحرقة و بحقوق الإنسان و تكافؤ الفرص و العدالة الاجتماعية و باستقلالية القضاء و فصل السلط و عديد من القضايا العالقة، يجد أنه هو نفسه مرتبط بنسيج واقعي و بيئي و اجتماعي و ثقافي عليه أن يتعايش و يتكيف معه.
فالحياة لها قواعدها الخاصة و لها سلطتها و هي لن تتوقف بانتظار أن يتقدم السياسي في معاركه. بل في أحيان كثيرة يبدو كأن معارك السياسي لا تعنيها و لا تؤثر عليها بل فقط تقوم بتجديد ثوبها. فكم من مجازر و حروب قادها زعماء سياسيون و سببوا فيها بخسائر بشرية بالآلاف و الملايين، و لكن و رغم الألأم و الجراح و الدمار و القمع استمرت الحياة بنفس الوهج و لملم الأحياء جراحهم و وقفوا من جديد لإعادة تنمية و بناء مدينتهم. فالأشياء البسيطة الفطرية هي الوقود الرئيسي للحياة. فالحياة و إن كان المفكرون و الفلاسفة و السياسيون يسقطون عليها كثير من النظريات و التصورات فإنها تبقى في جوهرها عبارة عن خيارات بسيطة ممزوجة بحفنة من الحظ. و هذين الشيئين أي الخيار و الحظ يصنعان الحضارات و الامم و الجماعات و القبائل و الافراد و يصنعان أيضا فوضى في الواقع و تجاذبات و تنافرات يصعب تحليلها و تنظيمها أو حتى التعبير عنها . الحياة كما يعيشها الناس تشبه الكيمياء حيث يمتزج الخيار و الحظ بنسب متفاوتة فيصنعان الأفراد و الأسر و القبائل و الجماعات و الحضارات ، ويصنعان الاختلاف الثقافي و العرقي و تنوعه، و يصنعان السلوك الجماعي الذي يساهم في بلورة الخيار الجماعي الذي قد ينصب نحو المشاركة و المصلحة الموحدة او يؤول إلى نزعة الأنانية و المصلحة الفردية.
السياسي و إن كان يريد ان يلعب دور الكيميائي الذي يحاول أن يقدم الخيار الصائب و بالنسب المعقولة للحصول على بيئة سعيدة ملائمة و صحية يشعر كل فرد فيها برضى داخلي و باندماج و تقارب مع الأفراد الآخرين، السياسي و إن كان يصبو إلى تنظيم المجتمع و السيطرة على الفوضى التي يشعر بها الأفراد، فإنه هو نفسه يكون فريسة لواقع مزعج و مريب و مطالب في الوقت ذاته أن يتعامل معه. فالسياسي في حياته العادية ، لن تفيده الخطب البراقة في شيء و في خضم صخب الواقع سيعيش هو نفسه قلة الحيلة و الشك و سوء الفهم.
فأثناء عمله التنظيمي ، يريد السياسي أن يوجه المواطنين نحو مشروعه و هو بهذا يسعى إلى أن يجعلهم يتجاهلون واقعهم و يركزون على المستقبل. و لكن كيف يمكن أن تقنع شخص منهك بعمل شاق طوال اليوم أن يستمع إليك و أنت تشرح له أهمية الانخراط السياسي و أهمية التكتل و الصمود للحصول على المكاسب. إنه منهك و يحتاج أن يستريح مع أسرته الصغيرة أو أن يحتسي فنجان قهوة مع أصدقائه و يدخن سيجارة. فذلك أقصى ما يريده. و لهذا ربما لو اقترحت عليه فنجان قهوة ، قد يلبي دعوتك و لكنه في الغالب سينتشي بالقهوة و السيجارة و هو يتظاهر أنه يستمع إليك.
كيف يمكن أن تقنع الطبقة الكادحة بأهمية التنمية الذاتية و أهمية العمل على شكل تعاونيات؟ إنه خيار يتطلب جهد ذاتي و صبر كبير لتخطي مختلف العراقيل، إنه مشروع لا يحتاج فقط إلى الخطب و الكلمات التحفيزية و لكنه يحتاج إلى التأطير الميداني المستمر من طرف السياسيين و الوسطاء الاجتماعيين المؤهلين و يحتاج إلى روح الصمود و إرادة المستفيدين . و لذا في الغالب ستجد جمعيات التنمية المحلية و جمعيات القرب تنظم حفلات زفاف جماعية و توزع الحريرة في رمضان و تساهم في عمليات ختان الصغار و تشارك في تشييع الجنائز و كلها برامج لا تساهم في التنمية المحلية و لكنه خيار سهل و مريح على أرض الواقع يمكن الطرفين من الشعور بالرضا و التجاوب.
إن الغالبية العظمى من الناس تريد قطف الثمار قبل أن تنضج الفاكهة ، و بدون عناء يذكر، فهي تفكر في اللحظة الأنية و لهذا معظم المشاريع و الأفكار السياسية قد تكون عظيمة في الكتب و لكن ما إن يبدأ تطبيقها على أرض الواقع حتى ستجد بها اختلالات كبيرة. و سيجد المفكرون و السياسيون قد عادوا إلى نقطة البداية و هم يحاولون من جديد فهم أسباب الإخفاقات و إيجاد بدائل و البحث عن نظريات جديدة و إلقاء خطب مختلفة للجماهير، و لكن الحياة تيار جارف أقوى من الأفكار و من النظريات و من الخطب و من التنظيم .
