محسن زردان
هناك شعور عند المواطنين بخيبة الأمل، هذا الكلام نجد تبريره في الاجراءات الحكومية التي في غالبيتها تمس القدرة الشرائية للمواطنين وتنال من مكتسباتهم، حيث يجد المواطنون أنفسهم متخلى عنهم من مجالسهم المنتخبة التي تعاملهم كمواطنين في أيام معدودات خلال فترات الحملات الانتخابية، لكن سرعان ما يختفون إلى الأبد وكأنهم قطعوا الوصال وتنكروا لوعودهم السابقة، حتى إن صادفتهم فإنهم يكتفون بالإدلاء بعبارات مألوفة مفادها أن امكانياتهم وسلطهم لا تسمح لهم بالإيفاء بالوعود السالفة، لأن السلطة والقرار بيد جهات أخرى تتجاوزهم قوة ونفوذا.
هذا المعطى، يجعل الكثيرين يؤكدون على أزمة الديمقراطية التي تجعل المواطن بعيدا عن القرار ولا سيادة له على تدبير شؤونه، وأنه لا يرى صورته الحقيقية التي تعبر عن مشاكله وارهاصاته في ممثليه داخل المجالس المنتخبة، مما حدى بنسبة كبيرة من المواطنين إلى مقاطعة الاستحقاقات الانتخابية، فتكون بذلك نسب المشاركة ضعيفة، مما يفقد العملية الديمقراطية مشروعيتها، ويصبح بذلك المواطنون المقاطعون للانتخابات أكبر الأحزاب الانتخابية.
من المفيد جدا، التساؤل عن كيفية إعطاء الكلمة للشعب الذي يملك السيادة الحقيقية والمشروعية الحقة بعد انتفاء الثقة بينه وبين المجالس المنتخبة، التي تغمض عينيها وتساهم في تمرير قرارات على المقاس ليست في صالحه بل تتماشى مع مراكمة مصالح السلطة الحاكمة و الأقلية من رجال الأعمال والسياسة والمقربين، ليصبح بذلك مفهوم السيادة للشعب كما جاء ذكره في مقتضيات الفصل الثاني من الدستور المغربي مفهوما غامضا وملتبسا إلى ابعد الحدود.
عندما نتحدث عن السيادة في الفكر الديمقراطي، فإننا نلامس شكلين اساسين يتم اللجوء إليهما، الشكل الأول يتمحور في التمثيل غير المباشر للمواطن من خلال وضع الثقة في الهيئات المنتخبة، فضلا عن الشكل الثاني الذي يعد من أرقى الأشكال ديمقراطية في صورتها المباشرة وهو الخضوع لعمليةاستفتاءالشعب.
بقراءة بسيطة لمقتضيات الدستور المغربي، نجد أن الشعبيستفتى فقط عندما يطلب منه ذلك من السلطة العليا الحاكمة، وبالتالي فالمبادرة دائما تأتي من فوق وليس من اسفل كما هو مفترض، وعليه فالمواطنون لا يمكنهم في هذه الحالة الاحتكام أو المبادرة إلى طلب الاستفتاء لأخذ رأيهم ان تبين لهم أن الأمر يقتضي ذلك.
في السياق ذاته، هذا الأمر، يحيلنا على تجارب ديمقراطية الشعوب التي تتبنى آلية الاستفتاء المباشر المرتكز على مبادرة المواطنين، فأغلب الولايات الأمريكية تسير في هذا الاتجاه، فمثلا ولاية كاليفورنيا، حيث إذا تقدمت نسبة 5% من الناخبين التي تعادل خمس مائة الف ناخب بطلب أخذ رأيها وموافقتها على قرار أو إجراء ترى فيه بدا للمشاورة لما يحمله من مخاطر وتأثيرات على حياة المواطنين ومستقبلهم ومستقبل الأجيال، أو تقديم اقتراح قرار جديد للتصويت عليه في قبة البرلمان، فإن هذا الطلب يجد قبوله على الفور ويتجسد فعليا في الإعلان على الاستفتاء.
نفس الأمر نجده في ايطاليا، التي يسمح القانون لمواطنيها بإلغاء أو تعطيل قرار أو مشروع قانون تم التصويت عليه من طرف البرلمان، كما حدث للوزير الأول السابق سيلفيو برلسكوني، حيث رغم كسبه لثقة حصانة البرلمان والسياسيين من خلال احدى القوانين التي تخول له ذلك ، فإن المواطنين تدخلوا والغوا ذلك القانون وبالتالي خلعه من السلطة بواسطة فيتو كلمة الشعب.
من جهة أخرى، تعتبر كل من دول النمسا، ايرلندا والمانيا وخصوصا سويسرا رائدة في مجال الديمقراطية المباشرة عن طريق الاستفتاء المباشر، مما يخول للمواطنين الاحساس بدورهم ومساهمتهم المباشرة في رسم الاختيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدولهم.
كم نتوخى، نحن بدورنا أن نمارس حرية الاختيار من دون الإحساس بكوننا يتم اقتيادنا لسبل لم نخترها وتصبح مفروضة علينا من غير أن تكون لنا القدرة على وقفها أو تغييرها، تحت مسميات الخضوعللعبة الديمقراطية.
