العرب.. والمغاربة.. واللغة العربية

العرب.. والمغاربة.. واللغة العربية

في تظاهرة ثقافية أقيمت في المغرب، وشاركت فيها دولة خليجية، صعدت «شاعرة» شابة من هذه الدولة العربية إلى المنصة وبدأت في تلاوة شيء قالت إنه شعر، وكانت واثقة جدا من نفسها إلى درجة أنها كانت تتمايل قليلا مع القافية، وكانت قافية تشبه الضربة القاضية.
كانت هذه الشاعرة تنصب المبتدأ وتكسر الخبر وترفع المفعول به وتنصب الفاعل، حتى بدأ من في القاعة يترنحون من هول الضربات، ومن بينهم أطفال ومراهقون مغاربة أحسوا بوطأة وهول هذه اللغة العربية التي لم يعتادوها.
كانت الشاعرة الخليجية تقترف خطأ لغويا بعد آخر في قصيدتها الجانحة، وكان الأطفال المغاربة في القاعة يهمهمون في ما بينهم ويصححون اللغة وهم يبتسمون بمكر من هذه الشويعرة العربية الفحلة.
بعد ذلك، تعاقبت على المنصة شاعرة أخرى ثم شاعر من نفس الدولة العربية، وجميعهم ارتكبوا مذبحة حقيقية ضد اللغة وضد الشعر، غير أنه من حسنات هذه الأمسية الشعرية أن مغاربة كثيرين تسلوا بسماع وتصحيح أخطاء لغوية فظيعة.
الذين بعثوا بأولئك الشعراء العرب الفطاحل إلى المغرب ليلقوا شعرا كانوا بالتأكيد يعتقدون أن المغاربة يتكلمون لغة أخرى غير العربية، وربما ظنوا، من فرط تكرار أن المغاربة يتحدثون الفرنسية، أن الناس في تلك القاعة سيسمعون ويصفقون، لأنهم لن يفهموا شيئا. ما جرى في تلك الأمسية لا يدل فقط على جهل فظيع للدول العربية ببعضها البعض، بل أيضا على وجود ما يشبه الاحتقار، لأن هناك عربا يعتقدون أنفسهم أكثر عروبة من الآخرين، ولغتهم أجمل وأفضل، بينما تلاميذ مغاربة في الصف الخامس أو السابع أو التاسع ابتدائي يصححون أخطاء شعرائهم.
العرب حدث لهم ما حدث للإنجليز الذين كانوا أول من لعب كرة القدم، لكنهم لم يفوزوا إلا مرة واحدة بكأس العالم، بينما تفوقت عليهم أمم عرفت الكرة في وقت متأخر، ولم يبق للإنجليز سوى التفاخر بأنهم مصدرو الكرة إلى العالم، والتفاخر لم يثبت يوما أنه صنع مجدا لأحد.
العرب يعتقدون أنهم هم الذين صدروا اللغة العربية إلى بلدان أخرى، وأنهم سيبقون سادة هذه اللغة، وربما هذا ما يدفعهم إلى الدهشة حين يجدون مغاربة أو جزائريين أو تونسيين يتحدثون ويكتبون أفضل منهم، ومع ذلك يستمرون في غيّهم واعتبار أنفسهم الأفضل والأجود، وهذا مرض عربي بامتياز. مشكلة العرب أنهم يصدرون أيضا أهم ثروة في العالم وهي النفط، الذي بفضله يدور العالم، لكن العرب ظلوا دائما يدورون حول أنفسهم فقط، ولا دور للبترول في حياتهم إلا في مظاهر الغنى البليد والثراء المعطوب الذي فتحوا بفضله فضائيات تشبه الحانات واشتروا فرق الكرة ورموا ثرواتهم ذات اليمين وذات الشمال.
هناك حالة لغوية تشبه الحالة العربية في الظاهر وتناقضها في الباطن. فإسبانيا صدّرت لغتها نحو أمريكا اللاتينية، وذلك بالموازاة مع مذابح رهيبة ارتكبتها في حق السكان المحليين، ومع مرور الوقت ماتت اللغات واللهجات المحلية في هذه القارة وأصبحت الإسبانية، أو القشتالية، هي اللغة الأم، ونبغ فيها شعراء وكتاب لاتينيون كثيرون، ليس أولهم بابلو نيرودا وليس آخرهم غابرييل غارسيا ماركيث. واليوم أصبحت أمريكا اللاتينية مبهرة للعالم كله بأدبها وشعرها، بينما إسبانيا، أم هذه اللغة، لا تتوفر حتى على ربع ما تتوفر عليه أمريكا اللاتينية من أدباء وشعراء ومفكرين. هناك شيء آخر، وهو أن إسبانيا، رغم أنها هي التي حملت لغتها إلى هذه القارة، لا تتعامل أبدا على أنها الأفضل لغويا وثقافيا، وهي عادة ما تبعث أفضل ما لديها من شعراء ومثقفين في أي لقاء بين الطرفين، وفي كل الحالات يكون التفوق لأمريكا اللاتينية.
العرب لم يفرضوا لغتهم على الآخرين بالحديد والنار كما فعلت إسبانيا، لكنهم يتصرفون بعجرفة غير مفهومة، ولو كانت البلدان العربية في المشرق تفكر مثل إسبانيا لما بعثت إلينا بشويْعرين وشويْعرات يتهجون الحروف ويزحزحون سيبويه في قبره. فالعربية لغة مغربية مثلما الإسبانية لغة أرجنتينية أو مكسيكية أو بانامية. صحيح أنها جاءت من بعيد قبل أكثر من ألف سنة، لكنها صارت لغتنا التي توحدنا بامتياز، وستظل كذلك رغم كل التنافر النفسي والعاطفي الذي نحسه في كثير من الأحيان مع عرب المشرق.


أحمد قباج


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.