بعد تصدّر "البام" الانتخابات.. هل تدخل "مدارس الريادة" مرحلة المراجعة؟
أعاد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، بحصوله على 97 مقعدا، ملف عدد من الأوراش الحكومية التي انطلقت خلال الولاية السابقة إلى واجهة النقاش، ومن بينها مشروع "مدارس الريادة" الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية في إطار خارطة الطريق 2022-2026 لتحسين جودة المدرسة العمومية والتعلمات.
ويأتي الاهتمام بهذا الملف بالنظر إلى عدد من المواقف والتدخلات التي صدرت خلال السنوات الماضية عن برلمانيين من حزب الأصالة والمعاصرة بشأن المشروع، رغم مشاركة الحزب في الأغلبية الحكومية.
وتناولت هذه التدخلات عددا من الجوانب المرتبطة بمدارس الريادة، من بينها تكافؤ الفرص بين التلاميذ، ووتيرة تعميم النموذج، والتجهيزات والوسائل البيداغوجية، ووضع المؤسسات القروية، إضافة إلى تقييم نتائج المشروع والمقاربات المعتمدة داخله.
ومع النتائج الجديدة للانتخابات، يطرح مستقبل المشروع ضمن الملفات التي ستتضح توجهاتها بعد تشكيل الحكومة المقبلة والإعلان عن برنامجها، دون أن تعني نتائج الاقتراع في حد ذاتها حدوث تغيير في السياسة المعتمدة حاليا.
مدارس الريادة وتكافؤ الفرص
من بين القضايا التي تكررت في تدخلات برلمانيين من الأصالة والمعاصرة مسألة الفوارق بين المؤسسات المنخرطة في مشروع الريادة وباقي المدارس العمومية التي لم يشملها النموذج بعد.
وتقدم وزارة التربية الوطنية مؤسسات الريادة باعتبارها نموذجا يقوم على مجموعة من العناصر تشمل المقاربات التربوية، وتكوين الأساتذة، والتقييم الموضوعي للتعلمات، وتدبير المؤسسة، إلى جانب توفير الشروط المادية اللازمة. وتهدف الوزارة، وفق عرضها الرسمي للمشروع، إلى تحسين جودة التعلمات وتقليص الهدر المدرسي وتحسين الحياة داخل المؤسسة التعليمية.
وفي المقابل، أثارت البرلمانية قلوب فيطح مسألة استفادة تلاميذ المؤسسات الرائدة من نموذج مختلف عن باقي المؤسسات، مستندة إلى معطيات قدمتها مسؤولة تربوية حول تسجيل نسب تقدم في الفرنسية والرياضيات والعربية لدى تلاميذ مدارس الريادة مقارنة بتلاميذ مدارس أخرى.
وطالبت فيطح بتعميم مدارس الريادة على جميع المؤسسات التعليمية والمستويات، وربطت ذلك بمبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ.
وفي ماي 2026، عادت البرلمانية نفسها إلى الموضوع خلال جلسة للأسئلة الشفوية، حيث اعتبرت أن المعطيات التي قدمها وزير التربية الوطنية بشأن نتائج المشروع تشكل مؤشرا إيجابيا، قبل أن تثير مسألة الفوارق بين المؤسسات الرائدة والمؤسسات الأخرى، وتطالب بتقييم التجربة وتوسيع الاستفادة منها.
وبذلك، شكلت وتيرة تعميم النموذج وشروط استفادة مختلف التلاميذ منه أحد المحاور التي حضرت في النقاش البرلماني حول المشروع.
التجهيزات والوسائل البيداغوجية
وشملت الملاحظات التي أثارها برلمانيون من الحزب أيضا الجانب المرتبط بتجهيز المؤسسات.
فمشروع مدارس الريادة يعتمد، وفق التصور الرسمي للوزارة، على مجموعة من الشروط المرتبطة بالأستاذ والتلميذ والمؤسسة، ومن بينها التكوين والتقييم والمقاربات التربوية وتوفير التجهيزات والشروط المادية.
وفي أكتوبر 2025، تحدث النائب البرلماني محمد الحجيرة، بعد زيارات قال إنه قام بها لعدد من مؤسسات الريادة بإقليمي فاس وتاونات، عن تأخر في تزويد بعض المؤسسات بالحواسيب المحمولة والسبورات والعدة البيداغوجية.
واعتبر الحجيرة في سؤاله الموجه إلى الوزارة أن عدم توفر هذه الوسائل يؤثر على الاستفادة من التكوين الرقمي الذي تلقاه الأساتذة، وطالب باتخاذ تدابير لتدارك الوضع وضمان تنزيل المشروع وفق الأهداف المعلنة.
كما أثارت قلوب فيطح في تدخل آخر مسألة عدم توفر بعض المقررات والكراسات المدرسية، إلى جانب ملاحظات مرتبطة بجاهزية بعض المؤسسات وتجهيزها، وطالبت بإجراء تقييم للمشروع ومعالجة هذه الجوانب.
وتضع هذه التدخلات مسألة التجهيز ضمن النقاش المرتبط بتوسيع المشروع، خاصة أن الوزارة تعتمد توفر الشروط المادية ضمن معايير نموذج مؤسسات الريادة.
المؤسسات القروية ضمن النقاش
وحضر وضع المدارس القروية بدوره في النقاش حول تعميم المشروع.
فالمؤسسات التعليمية المغربية توجد في سياقات مختلفة من حيث البنيات والتجهيزات والخدمات المتوفرة، وهو ما أثار تساؤلات لدى بعض النواب بشأن شروط تطبيق النموذج نفسه في مختلف المناطق.
وخلال تدخلها في ماي 2026، تحدثت قلوب فيطح عن وضع عدد من المؤسسات الموجودة بالعالم القروي، وطرحت مسألة التجهيزات والبنية التحتية ضمن الشروط التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند توسيع المشروع.
وتواصل وزارة التربية الوطنية، من جهتها، تقديم نموذج مؤسسات الريادة باعتباره مشروعا يستهدف في نهاية مسار التوسع تحسين جودة المدرسة العمومية، ضمن خارطة الطريق التي تشمل التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية.
نقاش حول المقاربة البيداغوجية
وامتدت بعض الملاحظات البرلمانية إلى الجوانب البيداغوجية المرتبطة بالمشروع.
ويركز نموذج مدارس الريادة على تحسين التعلمات الأساسية، ضمن أهداف خارطة الطريق 2022-2026، التي وضعت تعزيز التحكم في التعلمات الأساس ضمن أهدافها الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، تؤكد الوزارة أن المشروع يشمل أيضا تنمية الكفايات العرضانية وتحسين رفاه التلاميذ والحد من الهدر المدرسي.
وفي ماي 2026، أثارت قلوب فيطح مسألة حضور مواد أخرى إلى جانب التعلمات الأساسية، ضمن حديثها عن تقييم نتائج النموذج ومكوناته.
كما واصلت الوزارة خلال الموسم الدراسي تنظيم أنشطة موازية داخل إعداديات الريادة مرتبطة، من بينها، بالتكنولوجيا والروبوتيك والمناظرة والخطابة، وهي أنشطة تقدمها الوزارة ضمن مكونات الحياة المدرسية وتنمية مهارات التلاميذ.
تقييم نتائج مدارس الريادة
وشكل تقييم أثر المشروع على مستوى التعلمات محورا آخر في تدخلات برلمانيين من الأصالة والمعاصرة.
ففي سنة 2026، طالبت قلوب فيطح الوزارة بتقديم حصيلة لتجربة مدارس الريادة وبيان مدى مساهمتها الفعلية في تحسين جودة ومستوى التعلمات الأساسية.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التربية الوطنية استمرار عملية تقييم المشروع بالتوازي مع تعميمه، وتقدم مؤسسات الريادة باعتبارها أحد المكونات الأساسية لتنزيل خارطة الطريق الخاصة بإصلاح المدرسة العمومية.
ويعكس ذلك استمرار النقاش حول المؤشرات التي ينبغي اعتمادها لقياس نتائج المشروع، خاصة مع انتقاله تدريجيا من مرحلة التجريب إلى مرحلة التوسع.
مواقف مختلفة داخل تدخلات برلمانيي الحزب
إلى جانب الملاحظات والانتقادات التي سجلها بعض النواب، تضمنت تدخلات أخرى صادرة عن ممثلي الأصالة والمعاصرة مواقف إيجابية تجاه أهداف المشروع.
ففي دجنبر 2024، وصف المستشار البرلماني الخمار المرابط مدارس الريادة بأنها أحد مكونات خطة إصلاح التعليم على المدى البعيد، وثمن أهداف المشروع المتعلقة بجودة المدرسة العمومية، مع دعوته في الوقت نفسه إلى تطوير طرق التدريس والتكوين والموارد الرقمية وتحقيق العدالة المجالية.
وفي تدخلات أخرى، طالب برلمانيون من الحزب بتعميم النموذج على جميع المؤسسات، فيما ركزت مداخلات أخرى على التجهيزات، وتكافؤ الفرص، وظروف التنزيل، وتقييم النتائج.
وبذلك، تناولت المواقف البرلمانية الصادرة عن ممثلي الحزب المشروع من زوايا متعددة، دون أن تتضمن المصادر البرلمانية التي اطلعت عليها "أخبارنا" مطالبة صريحة بإلغاء مدارس الريادة.
ماذا بعد انتخابات 2026؟
تأتي هذه المواقف السابقة في سياق سياسي جديد بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا.
غير أن تصدر الانتخابات لا يعني بمفرده تحديد توجهات الحكومة المقبلة في قطاع التربية الوطنية، إذ يبقى ذلك مرتبطا بالمسار الدستوري لتشكيل الحكومة وبالتحالفات والبرنامج الحكومي الذي سيتم اعتماده.
وأكدت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، بعد إعلان النتائج، أن مسألة تحمل مسؤولية الحكومة المقبلة مرتبطة بالمسار الدستوري والسياسي للمرحلة المقبلة.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.