من هواتف لا تموت إلى شواحن لا تصمد.. لماذا أصبحنا ندفع أكثر مقابل منتجات تعيش أقل؟
لم يكن الهاتف القديم بحاجة إلى شاشة لمس أو معالج خارق أو عشرات التطبيقات ليكتسب ثقة صاحبه. كان يكفي أن يؤدي وظيفته لسنوات، وأن يتحمل السقوط والاستعمال اليومي دون أن يتحول إلى عبء على ميزانية الأسرة. حتى سلك الهاتف الطويل والملتوي، الذي كان يبدو معقداً ومزعجاً أحياناً، كان يصمد أمام الشد والانحناء المتكرر. أما اليوم، فقد أصبح تلف سلك شحن أو تعطل جهاز حديث بعد فترة قصيرة من استعماله مشهداً مألوفاً يثير سؤالاً بسيطاً: لماذا لم تعد بعض الأشياء تُصنع لتدوم؟
المفارقة أن هذا التحول يحدث في زمن بلغ فيه التقدم التكنولوجي مستويات غير مسبوقة. فالهواتف أصبحت أكثر ذكاءً، والأجهزة المنزلية أكثر تطوراً، والمنتجات الإلكترونية أخف وزناً وأعلى أداءً. لكن هذا التطور لا ينعكس دائماً على عمرها الافتراضي، إذ يجد المستهلك نفسه أحياناً أمام جهاز متطور يصعب إصلاحه، أو بطارية تتراجع كفاءتها، أو قطعة صغيرة يتطلب استبدالها تكلفة تجعل شراء جهاز جديد خياراً أكثر إغراءً.
ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة مفهوماً اقتصادياً وصناعياً يعرف بـ"التقادم المخطط"، ويقصد به تصميم بعض المنتجات أو وضع قيود تؤدي إلى تقصير مدة استخدامها أو تشجيع استبدالها. ورغم أنه لا يمكن اعتبار كل عطل دليلاً على وجود هذه الممارسة، فإن صعوبة الإصلاح وارتفاع أسعار قطع الغيار وتوقف الدعم البرمجي لبعض الأجهزة تطرح تساؤلات مشروعة بشأن العلاقة بين مصالح الشركات وحقوق المستهلكين.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن الجودة، التي كانت تشكل أحد أبرز معايير التنافس بين الشركات، أصبحت في بعض الأسواق ميزة تسويقية مرتبطة بالفئات الأعلى سعراً. فالمستهلك قد يجد نفسه مضطراً إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على مواد تصنيع أكثر متانة، أو ضمان أطول، أو منتج قابل للإصلاح بسهولة، وكأن القدرة على الصمود لم تعد خاصية أساسية يفترض توفرها في كل منتج.
غير أن المقارنة بين الماضي والحاضر تحتاج أيضاً إلى قدر من الإنصاف. فليس كل ما صُنع قديماً أفضل مما يُنتج اليوم، كما أن الأجهزة الحديثة تؤدي وظائف أكثر تعقيداً وتحتوي على مكونات لم تكن موجودة في المنتجات السابقة. وهناك أيضاً ميل طبيعي إلى تذكر الأجهزة القديمة التي صمدت طويلاً ونسيان تلك التي تعطلت واختفت. ومع ذلك، فإن هذا لا يلغي حقيقة أن المستهلك أصبح أكثر حساسية تجاه تكاليف الاستبدال المتكرر وصعوبة صيانة بعض المنتجات.
ولا تتوقف آثار هذه الظاهرة عند حدود الإنفاق الفردي، بل تمتد إلى البيئة والموارد الطبيعية. فكل هاتف يتم التخلي عنه، وكل جهاز يُستبدل بدلاً من إصلاحه، يعني استهلاك مواد أولية وطاقة إضافية، فضلاً عن إنتاج نفايات إلكترونية تتطلب معالجة خاصة. وهكذا تتحول دورة الشراء والاستعمال والتخلص إلى تحدٍّ اقتصادي وبيئي، خصوصاً في المجتمعات التي يشكل فيها اقتناء الأجهزة الإلكترونية عبئاً مالياً حقيقياً على الأسر.
وفي المقابل، بدأت المطالبة بحق المستهلك في الإصلاح تكتسب أهمية متزايدة، من خلال الدعوة إلى توفير قطع الغيار، وإطالة فترات الدعم والتحديث، وتسهيل استبدال البطاريات والمكونات المعطلة. وهي مطالب تعكس تحولاً في مفهوم الجودة، بحيث لا تقاس فقط بسرعة الجهاز أو عدد وظائفه، بل أيضاً بمدى قدرته على الاستمرار، وإمكانية إصلاحه، والتكلفة الحقيقية لامتلاكه على مدى سنوات.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.