كشفت دراسة علمية حديثة عن تأثيرات مثيرة للدهشة قد تحدث داخل الدماغ أثناء ممارسة نوع معين من تمارين التنفس المكثف، بعدما أظهرت فحوص التصوير بالرنين المغناطيسي تغيرات كبيرة في تدفق الدم ونشاط الشبكات العصبية، تزامناً مع دخول المشاركين في حالات وعي غير مألوفة تشبه بعض التأثيرات التي تحدثها المواد المهلوسة.
وعُرضت نتائج الدراسة خلال المؤتمر السنوي للكلية الأوروبية لعلم الأدوية النفسية والعصبية (ECNP)، المنعقد بمدينة ميونيخ الألمانية بين 10 و13 أكتوبر الجاري، بمشاركة باحثين من المعهد المركزي للصحة النفسية بمدينة مانهايم، في محاولة لفهم العلاقة بين أنماط التنفس غير الاعتيادية وطريقة عمل الدماغ وإدراك الإنسان لذاته ومحيطه.
وشملت التجربة 30 متطوعاً يتمتعون بصحة جيدة ولديهم خبرة سابقة في ممارسة تمارين التنفس المكثف، وهي تقنية تعتمد على زيادة سرعة وعمق التنفس بصورة متواصلة. وخضع المشاركون لفحوص دقيقة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي، بهدف مراقبة التغيرات التي تطرأ على الدورة الدموية داخل الدماغ، إلى جانب دراسة طريقة تواصل الشبكات العصبية المسؤولة عن الوعي والتفكير.
وكانت النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام تسجيل انخفاض متوسط بلغ نحو 45.5 في المائة في تدفق الدم إلى المادة الرمادية بالدماغ أثناء ممارسة هذه التمارين، مقارنة بالحالة الطبيعية قبلها، وهو تغير فسيولوجي كبير ترافق أيضاً مع ارتفاع معدل ضربات القلب وسرعة التنفس لدى المشاركين.
ولم تقتصر النتائج على التغيرات الجسدية، إذ وصف عدد من المشاركين تجارب نفسية وإدراكية عميقة، شملت الشعور بالسلام الداخلي والارتباط بالعالم المحيط، إلى جانب ظهور صور ذهنية حية وتغير الإحساس بالذات وحدود الجسد. وهي تجارب وجد الباحثون أنها تتقاطع في بعض جوانبها مع التأثيرات الذاتية لمواد مهلوسة مثل «LSD» و«السيلوسيبين»، وإن كانت التأثيرات البصرية المصاحبة للتنفس أقل وضوحاً.
ووفق الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور كريستيان شميتز، فإن هذه التحولات لا يمكن تفسيرها بمجرد انخفاض كمية الدم المتدفقة إلى الدماغ، بل يبدو أنها ترتبط أيضاً بتغيرات في التواصل بين مناطق عصبية معينة، خصوصاً ما يعرف بـ«شبكة الوضع الافتراضي»، وهي شبكة تلعب دوراً مهماً في التفكير الذاتي واسترجاع الذكريات والإحساس بالهوية الشخصية.
وأظهرت التحليلات الاستكشافية أن المشاركين الذين سجلوا انخفاضاً أكبر في الترابط الوظيفي داخل هذه الشبكة أبلغوا عن تجارب أكثر عمقاً في تغير الوعي. غير أن الباحثين لم يرصدوا تغيراً موحداً ذا دلالة إحصائية في هذه الشبكة لدى المجموعة بأكملها، كما أن العلاقة المرصودة تأثرت بطريقة تحليل البيانات، ما يجعل تفسير هذه النتائج بحاجة إلى مزيد من التحقق العلمي.
وترى الباحثة هانا أدولفي، المشاركة في تنسيق الدراسة، أن تمارين التنفس المكثف قد توفر وسيلة غير دوائية ومنخفضة التكلفة لدراسة حالات الوعي المختلفة، وربما تساعد مستقبلاً على تطوير مقاربات علاجية لبعض اضطرابات الصحة النفسية، إذا أثبتت التجارب السريرية فعاليتها وسلامتها. وأكد الباحثون أن النتائج الحالية لا تعني أن هذه الممارسات أصبحت علاجاً مثبتاً، خصوصاً أن الدراسة شملت عدداً محدوداً من الأشخاص المتمرسين ولم تعتمد مجموعة مقارنة عشوائية.
ورغم الاهتمام الذي أثارته النتائج، فإن انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ بهذه النسبة لا ينبغي اعتباره فائدة صحية بحد ذاته، كما أن التنفس المكثف يختلف عن تمارين التنفس الهادئ المستخدمة عادة للاسترخاء. فقد يؤدي فرط التهوية إلى الدوار والتنميل، وقد يسبب الإغماء أو يثير مشكلات لدى بعض الأشخاص المعرضين للخطر، الأمر الذي يستدعي الحذر وعدم محاولة استنساخ هذه التجارب بشكل عشوائي ودون إشراف مناسب.
وتفتح الدراسة آفاقاً جديدة أمام العلماء لفهم العلاقة المعقدة بين التنفس والدماغ والوعي البشري، إذ تشير إلى أن تغيير نمط التنفس قد يكون مصحوباً بتحولات عميقة في التجربة الذاتية للإنسان، حتى دون تناول مواد تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي. ومع ذلك، يبقى تحديد الفوائد العلاجية المحتملة والمخاطر الصحية لهذه التقنيات رهيناً بأبحاث أوسع وأكثر دقة خلال السنوات المقبلة.
دراسة علمية تكشف تأثيراً غير متوقع لتمارين التنفس المكثف على الدماغ والوعي
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.