بضغطة زر واحدة، تحول ملايين المستخدمين حول العالم إلى نسخ من أنفسهم في حقبة لم يعيشوها، عبر ترند "صورتك في الثمانينيات" الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي، مستعينين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي كـ"شات جي بي تي" و"جيمناي" لإعادة تصميم صورهم الحالية بروح تلك الحقبة: تسريحات شعر مميزة، ألوان باهتة تحاكي الأفلام القديمة، إضاءة ناعمة، وحبيبات بصرية تذكّر بالكاميرات التناظرية. لكن خلف هذه الصور "الجميلة" و"المسلية" ظاهريا، يكشف خبراء وباحثون عن فاتورة مخفية يدفعها المستخدمون والبيئة معا، دون أن يشعروا.
ولفهم حجم الظاهرة، يكفي رقم واحد: أُنتجت أكثر من 15 مليار صورة بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي بين سنتي 2022 و2023 فقط، بمعدل ناهز 34 مليون صورة يوميا خلال 2023 وحدها، قبل انتشار ترندات كـ"الثمانينيات" التي ضاعفت هذا الرقم أكثر. وهذا الحجم الهائل من الإنتاج البصري ليس بلا كلفة، سواء على مستوى الفرد النفسي أو على مستوى الكوكب بأسره.
فأول الأثمان المخفية نفسي بامتياز؛ إذ يجد كثير من المستخدمين أنفسهم يقارنون واقعهم اليومي بنسخة "محسّنة" من ذواتهم أنتجها الذكاء الاصطناعي: بشرة أصفى، جسد أنحف، ملامح أكثر جاذبية. وقد حذرت دراسة أمريكية أُجريت سنة 2026 على 291 امرأة تتراوح أعمارهن بين 18 و31 سنة من أن التعرض المتكرر لصور مولّدة اصطناعيا يؤثر سلبا على تقدير المرأة لجسدها ومستوى رضاها عن مظهرها الحقيقي. ولا يتوقف الخطر عند حدود الصورة الشخصية؛ فبحسب دراسات أخرى، تميل هذه التقنيات أيضا إلى ترسيخ صور نمطية جاهزة عن فئات وحقب بأكملها بدل تمثيلها بدقة، كما تبين مثلا في دراسة رصدت أن الصور المولدة اصطناعيا المرتبطة بالاضطرابات النفسية كانت أكثر نمطية ووصما من نظيراتها في الإعلام التقليدي.
ويذهب باحثون أبعد من مجرد القلق الجمالي، محذرين من ظاهرة أعمق يمكن تسميتها "التزييف العميق للماضي"؛ إذ يخلق هذا النوع من الصور حنينا عاطفيا قويا تجاه واقع لم يوجد أصلا، بدل الحنين لماضٍ حقيقي بإيجابياته وسلبياته معا. وأشارت دراسة نُشرت في مارس 2026 إلى أن هذا النمط من المحتوى قادر على زرع تحيزات معرفية راسخة تجاه فترات تاريخية مختلقة بالكامل. والأخطر من ذلك، بحسب دراسات أحدث، هو الاحتمال المستقبلي بأن تتحول هذه الملايين من الصور "الواقعية جدا" إلى أرشيف رقمي يُستخدم لاحقا وكأنه توثيق فعلي لحقبة معينة، في وقت أثبتت فيه أبحاث سابقة أن الصور ومقاطع الفيديو المزيفة لشخصيات تاريخية تؤثر فعليا في دقة الذاكرة الجماعية وقدرة الناس على تمييز المعلومة الصحيحة من المضللة.
لكن ربما يكون الجانب الأقل حضورا في النقاش العام هو الكلفة البيئية الحقيقية لهذه الترندات. فبحسب تقرير صادر عن جامعة الأمم المتحدة سنة 2026 حول التكاليف البيئية الخفية لطفرة الذكاء الاصطناعي، تستهلك مرحلة "الاستدلال" وحدها -أي توليد الصور فعليا استجابة لطلبات المستخدمين- ما بين 80 و90 بالمئة من إجمالي الطاقة التي تستهلكها تقنيات الذكاء الاصطناعي ككل. ولتقريب الصورة أكثر: توليد صورة واحدة فقط يستهلك طاقة كهربائية تعادل نحو 2.9 واط في الساعة (كافية لتشغيل مصباح "ليد" بقوة 10 واط لمدة 17 دقيقة تقريبا)، وينتج عنها 1.22 غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب استهلاك ما بين 28.6 و29 مليلترا من المياه بسبب عمليات تبريد مراكز البيانات، أي ما يعادل ملعقتي طعام كبيرتين تقريبا لكل صورة واحدة، دون احتساب توليد مقاطع الفيديو الذي يستهلك كميات أكبر بكثير.
ويقدّم التقرير سيناريو مستقبليا مقلقا: إذا استمر معدل توليد الصور عالميا عند وتيرة 300 مليون صورة يوميا، مدفوعا بانتشار ترندات مشابهة لـ"صورتك في الثمانينيات"، فإن الكلفة السنوية الإجمالية قد تبلغ نحو 318 غيغاواط ساعة من الكهرباء (ما يكفي لتغطية الاستهلاك الكهربائي المنزلي لنحو 2.5 مليون شخص بإفريقيا جنوب الصحراء لمدة عام كامل)، وانبعاث أكثر من 134 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (يتطلب تعويضها زراعة أكثر من 2.2 مليون شجرة لعشر سنوات)، واستهلاك يفوق 3 مليارات لتر من المياه، إضافة إلى الحاجة لمساحة تناهز 4.8 كيلومترات مربعة لإنتاج الطاقة اللازمة، أي ما يقارب مساحة 665 ملعب كرة قدم.
وأمام هذه الأرقام، يوصي معدّو التقرير باستعمال هذه الخصائص عالية الاستهلاك البيئي (كتوليد الصور والفيديوهات) بحكمة، وقصرها على الحالات التي تحمل قيمة حقيقية، مع تفضيل صياغة أوامر مختصرة وطلب إجابات موجزة كلما أمكن، مؤكدين أن القرارات الفردية البسيطة، حين تتكرر على مستوى ملايين المستخدمين حول العالم، يمكن أن تُحدث فرقا جوهريا في إجمالي الطاقة والموارد المستهلكة كوكبيا.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.