القائمة الرئيسية
أخبارنا

حين يصبح الجسد طريقاً إلى الشهرة.. من يضبط سوق الإثارة على مواقع التواصل؟

حين يصبح الجسد طريقاً إلى الشهرة.. من يضبط سوق الإثارة على مواقع التواصل؟

لم تعد الشهرة في زمن منصات التواصل الاجتماعي مرتبطة بالضرورة بموهبة استثنائية أو معرفة أو إنجاز يستحق الاهتمام، فقد أصبح بالإمكان صناعة اسم معروف خلال أسابيع، وأحياناً خلال أيام، إذا نجح صاحبه في فهم ما تبحث عنه الخوارزميات وما يستفز فضول الجمهور. ومن هنا ظهرت معادلة جديدة وبسيطة، كلما ارتفع التفاعل ارتفعت المشاهدات، وكلما ارتفعت المشاهدات اقتربت الإعلانات والعقود والأرباح.

والمشكلة أن هذه المعادلة لا تميز كثيراً بين محتوى مفيد وآخر فارغ، ولا بين الإبداع والاستفزاز، فالخوارزمية تقيس في النهاية قدرة المنشور أو الفيديو على إبقاء المستخدم أمام الشاشة ودفعه إلى التعليق والمشاركة. وقد يكون الغضب والانتقاد والسخرية أحياناً أكثر فائدة لصانع المحتوى من الإعجاب نفسه، لأن الجميع، المؤيد والرافض، يساهم في رفع أرقام المشاهدة.

وهنا تحديداً يصبح استعمال الجسد والإيحاء الجنسي واحداً من أقصر الطرق نحو الانتباه، إذ يدرك بعض صناع المحتوى أن صورة جريئة، أو لباساً مثيراً، أو حركة محسوبة، أو عنواناً موحياً، قد تحقق في ساعات ما لا يحققه محتوى عادي خلال أسابيع. ومع تكرار التجربة تتحول الإثارة من تصرف عابر إلى نموذج تجاري، ويتحول الجسد تدريجياً إلى جزء من صناعة المحتوى ووسيلة لجلب الإعلانات والمتابعين.

ولا ينبغي اختزال النقاش في لباس امرأة أو تصرف مؤثرة بعينها، لأن ذلك سيجعلنا نناقش النتيجة ونترك الآلة التي تنتجها. فخلف المؤثر توجد منصة رقمية، وخلف المنصة خوارزمية، وخلف المشاهدات سوق إعلانية ضخمة، وكل حلقة من هذه السلسلة تستفيد بشكل أو بآخر من استمرار المستخدم في المشاهدة والتفاعل.

ويزداد الأمر حساسية عندما نتذكر أن الجمهور الموجود خلف الشاشة ليس كله راشداً، فطفل في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة يمكنه، بهاتف صغير واتصال بالإنترنت، الوصول إلى المحتوى نفسه الذي يشاهده شخص في الثلاثين أو الأربعين. بل إن الخوارزمية قد تقترح عليه المزيد منه بمجرد أن يتوقف أمام مقطع واحد أو يتفاعل معه.

ومن شأن هذا التعرض المتكرر أن يجعل المثير عادياً مع مرور الوقت، وأن يعيد تشكيل تصور المراهق للشهرة والجمال والجسد والعلاقات الاجتماعية. وقد ينشأ جيل يعتقد جزء منه أن الطريق الأسرع إلى النجاح هو لفت الأنظار بأي وسيلة، وأن قيمة الإنسان الرقمية تقاس بعدد متابعيه، وأن الشهرة في حد ذاتها مهنة حتى عندما لا يكون وراءها محتوى حقيقي.

ومن هنا يبدأ دور الدولة، لكن ليس بالشكل الذي يحولها إلى شرطي يراقب ملابس المواطنين أو يحدد لهم ما يجوز نشره في حياتهم الشخصية، لأن مثل هذه المقاربة قد تفتح الباب أمام تضييق غير مبرر على الحريات. المطلوب هو تحديد الخط الفاصل بوضوح بين الحرية الفردية وبين المحتوى الذي يدخل مجال التجريم أو الاستغلال التجاري أو تعريض القاصرين لمواد غير ملائمة.

ويفترض هذا الدور أيضاً الانتقال من مراقبة صانع المحتوى وحده إلى مساءلة المنصات التي توزع المحتوى وتربح منه، خصوصاً في ما يتعلق بحماية الأطفال، والتحقق من الأعمار، وسرعة الاستجابة للتبليغات، ومحاربة الابتزاز والتحرش والاستغلال الجنسي، فضلاً عن فرض شفافية أكبر على الإعلانات التي يقدمها المؤثرون لمتابعيهم.

كما ينبغي فتح نقاش جدي حول الشركات التي تستعمل بعض المؤثرين للترويج لمنتجاتها، لأن العلامة التجارية التي تدفع المال مقابل جمهور جرى استقطاب جزء منه بالمحتوى المثير لا يمكن أن تعتبر نفسها بعيدة تماماً عن هذه المنظومة. فالمال هو الوقود الحقيقي لجزء كبير من سباق المشاهدات، وتجفيف الحوافز الاقتصادية للمحتويات المخالفة قد يكون أحياناً أكثر فعالية من حذف فيديو بعد أن يكون قد شاهده الملايين.

وفي المقابل، لن تستطيع القوانين وحدها حل المشكلة، لأن كل فيديو يحذف يمكن أن يظهر مكانه عشرات غيره، وكل منصة تخضع للضبط قد تعوضها منصة جديدة. لذلك تصبح التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة ضرورة، ليس عبر تخويف الأطفال من الإنترنت، وإنما بتعليمهم كيف تعمل الخوارزميات، ولماذا تظهر لهم بعض المقاطع، وكيف يصنع التضليل، وكيف تتحول المشاهدة والتفاعل إلى أرباح.

ويبقى الرهان الأكبر هو صناعة البديل، لأن الفراغ الرقمي لا يبقى فارغاً. فحين يكون المحتوى الثقافي والعلمي والفني والرياضي الجيد ضعيف الحضور، تترك الساحة لمن يتقن إثارة الغرائز وصناعة الجدل. ولذلك فإن دعم المحتوى الجيد وإبراز نماذج ناجحة تقدم المعرفة والترفيه الراقي ليس ترفاً ثقافياً، بل جزء من مواجهة الظاهرة.

إن القضية في النهاية أكبر من مؤثرة ترتدي لباساً مثيراً، وأكبر من فيديو أحدث ضجة لبضعة أيام، لأنها ترتبط بنموذج اقتصادي جديد يتاجر بالانتباه البشري. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: لماذا يفعل بعض المؤثرين ذلك؟ بل أيضاً: من يكافئهم عليه، ومن يربح منه، ومن يحمي الطفل الذي يشاهده؟

وبين الحرية الفردية ومسؤولية المجتمع توجد مساحة واسعة يمكن للدولة والأسرة والمدرسة والمنصات والمعلنين التحرك داخلها، دون وصاية أخلاقية على الناس ودون ترك الفضاء الرقمي بلا قواعد. فحرية التعبير قيمة ينبغي حمايتها، لكنها لا تعني أن يتحول الإنترنت إلى سوق مفتوحة بلا حدود، يكون فيها الجسد والإثارة أقصر طريق إلى المال والشهرة، بينما يدفع المجتمع، وخصوصاً أطفاله، الثمن على المدى البعيد.

 

التعليقات

2

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

أزمة أخلاق

بهجة

تعليق 1

تم إيقاف مولات ...... بالمطار قبل سفرها للخارج، هناك أزمة أخلاق للأسف...

حرية خارج النص

مصطفى

تعليق 2

اصبحت الحرية في بلادنا عنوانا للفوضى والفجور . والتحريض ضد الوطن وسب ركائز البلد . وكل من هب وذب . يحمل هاتف ويصور حتى لوكان الامر خرقا لكل الاعراف .

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.