الشرقاوي: الحرب الأمريكية–الإيرانية تكشف عن شرخ هيكلي داخل الناتو
أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة
تتصاعد المخاوف على الساحة الدولية مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يضع هذا الصراع مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي لتصدير النفط، في دائرة الخطر المباشر، ما يثير مخاوف بشأن استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمن التحالفات الدولية. في هذا السياق، يواجه حلف الناتو اختبارًا حقيقيًا لقدراته ووحدته الاستراتيجية، وسط تباين واضح في أولويات أعضائه بين الانخراط العالمي والتركيز على الدفاع عن أوروبا. في هذا الإطار، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يستطيع الناتو الحفاظ على تماسكه الاستراتيجي في مواجهة أزمات متزامنة على أكثر من جبهة، أم أن التباينات الداخلية بين أعضائه ستضعف قدرة التحالف على اتخاذ قرارات حاسمة في لحظة مفصلية؟
وفي هذا الإطار، يرى الدكتور الشرقاوي روداني، الخبير في العلاقات الدولية والأمن الاستراتيجي، أن الخطر الحقيقي الذي يواجه الناتو اليوم يكمن في الانقسامات الداخلية بين الدول الأعضاء حول أولويات التحالف ومجالات تدخلاته. ويشير روداني إلى أن الناتو ليس غريبًا على التكيف مع الأزمات؛ فقد أعاد التحالف تعريف دوره بعد الحرب الباردة كقوة استقرار في محيط أوروبا، وبرز عالميًا بعد أحداث 11 سبتمبر، قبل أن يعود إلى مهامه الأساسية في الردع والدفاع عن الجناح الشرقي لأوروبا مع الأزمة الروسية في أوكرانيا.
في سياق متصل، يرى روداني أن الحرب في الشرق الأوسط تمثل تحديًا مختلفًا، إذ تقع على هامش الأمن الاستراتيجي لأوروبا، لكنها تظل حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، التي ترى في المنطقة مركزًا للمنافسة الدولية على المصداقية والردع والأمن البحري. بينما تفضل العديد من العواصم الأوروبية التركيز على الجناح الشرقي للحلف، خاصة مع استمرار النزاع في أوكرانيا، ما يطرح تساؤلًا حول طبيعة الدور الذي يجب أن يلعبه الناتو اليوم: هل يظل تحالفًا للدفاع الإقليمي أم منصة للتدخل في صراعات عالمية متعددة؟
ويبرز التباين في المواقف من خلال رفض بعض الدول الأوروبية المشاركة في الجهود الأمريكية لحماية مضيق هرمز أو مواجهة إيران مباشرة. في هذا الصدد، يرى روداني أن هذه المواقف ليست مجرد مسألة تكتيكية، بل تعكس إعادة تعريف حدود التعاون داخل التحالف، وتشكل ما أسماه "ثنائية استراتيجية" بين الرؤية العالمية المرنة والانخراط في مسارح متعددة، مقابل التركيز الجغرافي والانضباط الاستراتيجي الذي يحرص عليه الجزء الأوروبي من الناتو.
ويشدد روداني على أن الحذر الأوروبي ليس عشوائيًا، فهو نابع من التجارب السابقة في حروب العراق وأفغانستان، التي تركت آثارًا دائمة وعززت المخاوف من الانخراط في صراعات ذات أهداف غامضة ونتائج غير مؤكدة. ويشير المتحدث ذاته إلى أن أي مشاركة في حرب مع إيران قد تعيد هذه التجربة في بيئة إقليمية أكثر تقلبًا وتعقيدًا، ما يجعل الحكومات الأوروبية مترددة في الانخراط دون أهداف واضحة وخطط خروج محددة.
ويحذر الخبير المغربي من أن استمرار الانقسامات الداخلية قد يؤدي إلى تشتت الموارد وتخفيف التركيز على أوروبا، وهو ما يتيح لموسكو تعزيز نفوذها على الجناح الشرقي، بينما تستفيد بكين من انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على حساب اهتمامها بالمحيطين الهندي والهادي. كما يشير إلى أن حماية مضيق هرمز، رغم أهميتها للأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية، ليست مهمة محايدة، إذ يمكن أن تُفسر من قبل إيران كامتداد مباشر للصراع، مما يخلق خطرًا حقيقيًا للتصعيد ويجعل الحكومات الأوروبية مترددة في الانخراط دون وضوح سياسي واستراتيجي.
ويخلص روداني إلى أن قوة الناتو لم تعد تعتمد فقط على القدرات العسكرية، بل على التوافق حول أولويات التحرك وفهم مشترك لما هو الأهم. وعندما يضعف هذا الفهم، يصبح التنسيق أصعب، وتصبح القدرة على العمل الجماعي أكثر غموضًا. الحرب مع إيران، وفق تحليله، لا تختبر الناتو في الميدان فحسب، بل تختبر هويته الاستراتيجية، وإذا لم يستطع التحالف التوفيق بين ما يُطلب منه الدفاع عنه وما يرغب أعضاؤه في القتال من أجله، فإن الانقسام الحقيقي سيأتي من الداخل قبل أي تهديد خارجي.
