حكومة حتى إشعار آخر

حكومة حتى إشعار آخر

محمد منير

 

 سمعنا في الآونة الأخيرة وفي ظل الأزمة الاقتصادية العالمية عن دول كثيرة اتخذت إجراءات احترازية مهمة للتخفيف من حجم الأضرار الناجمة عنها ، فمنهم مثلا من قلص من مصاريف الدولة على مستوى جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والشبه الحكومية والخدمات الترفيهية والزائدة عن الحاجة الملحة ، وكذلك من تقليص لعدد الوزراء والنواب والموظفين "الساميين" والانتقاص من أجورهم حتى النصف ولم لا أكثر ، فهناك رؤساء بعض الدول من تنازل عن أجرته كاملة أو بنصفها لفائدة مصلحة الأمة كمساهمة ودليل على حمل هم البلد ، ففي مثل هذه المحن والظروف يظهر معدن الإنسان وأصله أما الخبثاء فيطمعون في المزيد ويطالبون بالزيادة في رواتبهم وتقاعدهم والوطن في عز الازمة ، ولابد للفرد في المجتمع أيا كان مقامه أن يحرص على أن تكون له اليد الفوقية والطولى بل ويصبح هذا المشروع واجبا وطنيا لدفع الضرر عن البلاد والعباد ، فلا أحد ينكر ما لمثل هذه البطولات من الأثر البالغ في النفس البشرية وخصوصا عندما يكون قدوتك في التقشف وربط الحزام الحاكم والوزير والنائب والجنرال وجميع المسؤولين الكبار تباعا مما يعطي انطباعا حقيقيا بالفعل لا بالكلام ، وباختفاء مظاهر التبذير والغنى والثراء الفاحش فعندها فقط يتجلى عربون المواطنة الصادقة والمشاركة الوطنية  للحلوة والمرة والثقة المتبادلة بين القيادة والقاعدة.

     ولست أدري لم تصر قياداتنا في هذا البلد السعيد أن تعيش دائما على إيقاع الاستثناءات التي لا تنتهي أبدا ، فمن الاستثناء الجغرافي والتاريخي والحضاري إلى استثناء الربيع العربي وما قيل قبله على ألسنة كثير من وزراءنا الجهابذة في الاقتصاد والدراسات المستقبلية أن لنا حصانة استثنائية من الأزمة الاقتصادية العالمية وأن المغرب بعيد عن آثارها ، لكن الواقع الذي نعيشه يقول غير ذلك وكذب المنجمون والمشعوذون والدجالون وهم الآن يعلقون فشلهم على الأزمة العالمية فلم نر أحدا منهم قط استقال من منصبه إثر فضيحة مالية أو سوء تدبير في مشروع ما ، وكلف البلد والأمة خسائر جسيمة تقدر بمليارات الدراهم نحن في أمس الحاجة إليها مع العلم أن جل مشاريعنا السياسية والاقتصادية بل وحتى الاجتماعية منها فاشلة ، في المقابل نجد دولا عظمى كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرهم دائما ما نسمع عن استقالات لوزراء ورؤساء من  مناصبهم لمجرد أن يتهموا باختلاس مالي أو فساد أخلاقي ، بل منهم من لا يتحمل الضغوطات فينتحر وكثيرون يتابعون قضائيا ، فهل حكامنا ووزراءنا ومسؤولونا أشرف وأفقه أبرئ ذمة من هؤلاء ؟ وهذا استثناء آخر لا محالة تتبعه استثناءات أخرى .

     إن رئيس حكومة لا يستطيع أن يوقف قناة تلفزية عند حدودها بل وصحافية وحيدة وهو الرجل الثاني في البلد إن صح هذا التوصيف الذي لا معنى له في بلدنا لحري به أن يقدم استقالته ، وفي المقابل نجده يتطاول على الفقراء والضعفاء بالزيادات في كل ما له علاقة مباشرة بمعاشهم اليومي ، ويتطاول على المعطلين بالعصا واليد الغليظة ، لعمري إن ممارسات "الحكرة" هذه ستكون بمثابة القاسمة لكل "حكار" فقد قال أسيادنا السابقين "العود اللي تحكرو يعميك" ويقول الله عز وجل (( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمَّرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )).

    ولست أدري ما الفائدة من رئيس حكومة ووزراء تحيط بهم الخطوط الحمراء من كل جانب كدفتر التلميذ الكسول ، ولا يستطيعون اتخاذ قرارات حاسمة وقوية إلا فيما يخصهم من مصالح ، أما مصلحة الأمة فهم في انتظار التعليمات السامية والرعاية المولوية ، غرقنا في الفيضانات ولم يحركون ساكنا حتى نزل الوحي بالأوامر العليا ، تحطمت طائرة انقلب قطار وانهارت عمارات ، احترق الناس وغرق الشباب ، جفت الأرض وجاعت الدواب ، هل رمضان وحل العيد ، الدخول المدرسي وأضحية العيد ، لا حركة إلا بالتعليمات والأوامر السامية ، ألا يوجد مسؤولون قادرون على تحمل المسؤولية كاملة غير منقوصة ، مستعدون لاتخاذ القرارات الحاسمة في الأوقات المناسبة دون انتظار ؟ ألا يوجد في هذا البلد الحبيب رجال صادقون يشتغلون ضمن اختصاصاتهم وما يخول لهم القانون في أي قطاع بما تمليه عليهم المسؤولية الوطنية ؟ ألا يمكن أن نتجرد في عملنا لخدمة هذا الشعب دون التبعية والرجوع لأحد ؟

     مادام الأمر كما ذكرنا وتصرون على هكذا ميوعة في عملكم فلا حاجة لنا في حكومة ولا برلمان ولا أحزاب ، ولندخر هذه الأجور لسد بعض الحاجيات كالبطالة مثلا ، فهذا الأسلوب الذي تنهجونه إنما هو من فعل الموظف الحكومي والغير الحكومي البسيط الذي يحكمه رئيسه أو رب عمله والذي يدفع له راتبه كل شهر يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه وإلا فلا عمل ولا راتب ، إذن فالموظفون "السامون" والكتاب العامون وزملاؤهم في الوزارات قادرون على هذه المهمة بدونكم والتي يمارسونها منذ نعومة أظفارهم ويفهمون ألاعيبها جيدا ويعلمون بشأنها كل شادة وفاذة ، وإنما هم كالسحليات يتلونون بلون وزيرهم ورئيسهم وكلما تغير اللون غيروا فالسحليات تتغذى دائما على الحشرات وإن غيرت لونها ، أما السياسات فهي هي لا تتغير ولا تتبدل إلا لمصالح الحاكم وحده لا شريك له والطفيليات تعتاش على الحواشي .       

 

     

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة