العاطلون الغزاة.. كابوس يُؤرق الغرب

العاطلون الغزاة.. كابوس يُؤرق الغرب

محمد المهدي

 

عندما قرر الغرب غزو العالم، وتوزيع الغنائم من المستعمرات خارج القارة العجوز،حشد جيوشه ،وسنّ حرابه،وعقد عزمه على تسيّـد العالم بالحديد والنار،لكن حجّـته في تسويغ ذلك الغزو ،كانت مغلفة برداء حضاري وثقافي وديني ، وهو إخراج الشعوب المتخلفة والمتوحشة من الجهل والتخلف والفقـر،الذي كانت تغرق فيه.

وقد نال البلاد العربية ما نالها ، تحت هذا الشعار أيضا، فكانت حملة نابليون على مصر ومن ثم نحو الشام والشمال الإفريقي. وبالفعل ،تم ابتلاع الطعـم من قبل حكامنا الجهلة آنذاك "نشر الحضارة وقيم الغرب المسيحي" ، وتم للغزاة ما أرادوا عمليا ،وتوزعت المغانم ، بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واسبانيا و ألمانيا والبرتغال . وشرعت آلة الغرب الاستعماري في نهب كل مقدرات ومدّخرات وثروات الشعوب المستعمرة المادية والمعنوية ، نهب أحدث ضررا لا يمكن تقديره، فيما تم ترحيل جحافلَ من العبيد قسرا إلى الجزر البعيدة في هايتي وغيرها ، كما تم تهريب آثارنا البديعة إلى بلاد الإفرنجة ،حيث لاتزال تزين ميادينهم العامة ومتاحفهم،وهي شاهدة أيضا على حقبة ممعنة في السوء الأخلاقي والإنساني ،كما لا تزال تبعاتها وآثارها المدمرة ،من فقر وتخلف وجهل ومرض ، وإجهاض لأي تطور طبيعي ..

من هنا جاءت الدعوة بضرورة تعويض البلدان المتضررة ، لما أصابها جراء الفترة الاستعمارية .وقد استجابت إيطاليا بالفعل لهذه الدعوة، وقدمت مبالغ مالية ـ لا ندري كيف تم تقديرها ـ إلى ليبيا .. غير أنها تبقى سابقة قانونية يمكن لدول أخرى الاعتماد عليها للحصول على تعويضات مالية نقدية ، أو على شكل مشاريع تنموية ، قد تساهم في إعطاء نوع من الاقلاع الاقتصادي والاجتماعي لهده الدول ، خاصة وأن جيوش العاطلين من إفريقيا وآسيـا ،بدأت تتحرك طوعا،وتتجه شمالا صوب الغرب، راغبة في عبودية جديدة ..

لكن المفارقة العجيبة ،هي أن هذا الغرب الذي جاء يوما باحثا عن العبيد، أضحى اليوم لا يقبل بجيوش العبيد الطوعية التي تدق أبوابه كل يوم.. لأنه ليس ثمة حاجة لأيدي عاملة في هذا العصر التقني ! و يا لها من مفارقة ! تتصدي أوروبا و غيرها من الدول بخفر السواحل لمنع الشباب الإفريقي و الأسيوي من الوصول إلي شواطئ الأحلام ! شباب عُـزلٌ من أي سلاح و من أي دعاوى للغزو أو الثأر أو من أي دعاوي أُخرى ...يغامرون لتحقيق حلم بسيط : قليل من المال أو حلم صغير في عُش صغير ،على طريق مفروش بالآلام غرقاً ،وبرداً و جوعاً، و ربما أسراً طويلاً في معسكرات الإعتقال أو السجون ،أو إرجاعهم على أعقابهم إلى عواصم العطالة و الشقاء !..

أيّة إنسانية وأيّة أخلاق يدعي هؤلاء ؟ وأيّة قيـم ، وأيّة أديان تشرع وتبيح ما حدث ويحدث ؟؟. لقد صّم الغرب الغازي،دائما آذانه عن آهات وآلام هذه الشعوب، التي تغرق في محيط لا حدّ له من العطالة و الهشاشة و المجاعة والأمراض ووو .لكننا بدأنا نلاحظ ـ في الأونة الأخيرة ـ ما يشبه الصحوة الخجولة التي أخذت تدب في الضمير الأوروبي الخرب،في خطوة فارقة من أجل إنقاذ الغرقى من المغامرين ،الطامحين في غد مشرق على أرض الحضارة والتقدم..ثم التفكير بجدية في توفير فرص للعمل والكسب لهم في أوطانهم،ما قد يهيـأ لهم حياة كريمة، تحفظ لهم جزءا كبيرا من كرامتهم كبشـر، وتُجنّب الغرب مخاطر النزوح الجماعي لجيوش من الشباب اليائس ،الهارب من وطأة الفقر والقهـر.

 

تصوروا معي ،لو أن هؤلاء الشباب أقدموا علي حمل السلاح في زوارق سريعة ،لغزو أطراف الشواطئ الأوروبية و إستباحتها، أو للقرصنة في عرض البحار كما يفعل فتية الصومال، الذين يجد لهم البعض مبررات شتي: منها عقاب السفن الأجنبية علي رميها للنفايات السامة و القمامة و المخلفات الخطرة علي شواطئ الصومال الجميلة ! أو لصيدهم الجائر لأسماك أهل الصومال!

ألـم يصفّق البعض في أوروبا "لبوب دينار" و غيره من قراصنة أوروبا الجدد و هم يستولون علي عواصم بعض الدول الإفريقية المسكينة ؟.. أليس في وسع شباب إفريقيا الذين يواجهون الموت ، أن يحملوا السلاح في موجة مرتدة علي دول الغرب المحبة للحياة ؟ سيحدث ذلك دون ريب ،إن استمر الغرب في تجاهل مستعمراته السابقة،وإمعانه في تعطيل محاولاتها للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي وتكريس تبعيتها لـه ،ورهنه لمصير شعوبها بالديون المجحفة ! وعندها ،لن تجدي شعارات التعايش السلمي و الحرب علي الإرهاب!، وغيرها من شعارات التسويق الغربي الفارغة.. ولا أجد هنا أصدق مثال على نفاق الغرب وعنصريته المقيتة ،من التناقض المكشوف في موقفه من إسرائيل و هي تطرد السكان الأصليين من أهل فلسطين ،و تجلب يهوداً من كل أنحاء العالم لإقامة دولة دينية عنصرية – فيما يضع نفس الغرب كل من يأوي إليه من السود والعرب في معسكرات ومعتقلات! بل ترجع الكثير منهم إلي بلدانهم الأصلية.

 

هنالك في صحراء مالي و تخوم النيجر والبوادي والمداشر العميقة مجموعة من الشباب اليائس،يشاهدون المصير البائس لإخوانهم الحالمين بجنان أوروبا ، بحورها و حريرها ،يعقدون العزم على الذهاب إلى العالم الأول، في عقر داره غزاة و فاتحين! غزوات حقيقية سوف تذهل العالم حتماً ،وستعود جحافلهم محملة بالطيبات من شواطئ أوروبا وبالشقروات الجميلات..! وستعبق صحارى إفريقيا بالطيب و الغناء و بالشباب و الفتوة ،و لن تبكي بعدها عجائز إفريقيا على أحلامهن الضائعة!

سيناريو مرعب طبعا..قد يلزمنا لتفاديه، عمل دؤوب على محاور متعددة، منها القانون و الإعلام ،لمخاطبة الضمير الإنساني في تلك الدول و حث حكامهم وعقلائهم، علي التحرك لإنصاف الشعوب التي تعرضت للظلم و العسف ،لتعزيز الديمقراطية في الدول الإفريقية، و ترسيخ الحكم الرشيد ،و توفير فرص الشغل،بتنفيذ مشاريع للتنمية الحقيقية و التعليم الفعال ،و تمويل الشباب لإنشاء التعاونيات الإنتاجية و الخدماتية و الشركات النفعية، مع السماح بالهجرة و حرية الحركة لشباب إفريقيا و آسيا!.

وليتحمل الكل مسؤوليته الوطنية والتاريخية،وليكن المحامون و الإعلاميون و الكتاب في مقدمة المدافعين عن هذا الحق !.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة