عيد النساء العالمي بين فاطنة ومنال

عيد النساء العالمي بين فاطنة ومنال

نور الدين الطويليع

 

صباح العيد امتشقت فاطنة حبلها، وقصدت الغابة لتجمع أكوام الحطب، كونت حزمة ثقيلة أن لها ظهرها، وقطعت الوديان والمنعرجات والشعاب وهي تنوء بها، قبل أن تصل بها إلى المنزل، وتشعل النار في جزء من عيدانها لطهي خبز عجنته قبل أن يصبح الصباح، أيقظت الزوج، ووضعت أمامه أواني الشاي، ليحظى بحظوة صب الشاي بيد تمرست في رفع "البراد" عاليا، وإسماع قرقرة إفراغه في الكؤوس، ثم انصرفت إلى حقل القمح لاجتثاث النباتات الطفيلية منه، في حين خرج الزوج للعب الورق مع جيرانه، وبعدما عادت عند الزوال انهمكت في تحضير وجبة غذاء بئيسة..، ولم تكن فاطنة في كل هذا على علم بما يسمونه عيد النساء، فهي لا تعرف من الأعياد سوى "العيد الصغير" و "العيد الكبير"، أما ما دونهما، فهي أيام متشابهة، لا يميزها عن بعضها البعض سوى حجم العبء الذي تحمله على كاهلها، والذي قد يكلفها نصب النهار كله، وبعضا من الليل أحيانا، لم تكن فاطنة لترفض هذا الروتين، أو تتضجر منه، وأنى لها ذلك، فهي تؤمن، وزوجها يؤمن أنها من نسل حواء، وأنها خلقت لتكون رهن الإشارة، وتنفذ الأوامر بطاعة عمياء لا تعرف التلكؤ والتردد.

وعلى بعد كيلومترات وضعت أكاليل الورود أمام  منال الشاعرة المبدعة، وتساقطت الهدايا عليها بعد أن ألقت قصيدة شعرية بحروف من ذهب، صفق الذكور لها، وهي تتناثر من فيها، قبل الإناث، وتولى النقاد تفكيكها، مهنئين إياها على الفتح اللغوي والأدبي، والغزوة المعنوية التي اقتحمت بها عالم الكلمة المبدعة من بابه الواسع، لتتوج في الأخير بأميرة النساء، وتحمل لواء المرأة المناضلة، وتصدر التوصيات عن اللجنة المحتضنة بضرورة تشجيع الطاقات النسائية مثلها ليكن سفيرات التغيير، وقادة الثورة على المجتمع الأبيسي..، انحنت منال شاكرة ممتنة للمكرمين على حسن صنيعهم، وانصرفت إلى غرفتها بفندق مجاور لمكان الاحتفال، وما إن أغلقت الغرفة حتى تواترت الرسائل القصيرة على هاتفها من جمع المذكر السالم تطلب الوصال، وتتسول الموافقة على طلب إقامة ليلة راقصة بملهى الفندق، وقضاء ما تبقى منها بغرفتها فوق ذات السرير، جاءت الرسائل تباعا، وتساقطت كأمطار عاصفية على هاتفها المحمول، وكانت التوقيعات بأسماء من استضافوها وكرموها، تركت منال كل أشيائها بالغرفة، بما فيها أكاليل الورود والأوسمة، ورحلت على جناح السرعة إلى مدينتها، خوفا من افتراس الذئاب.

بين فاطنة التي لا تعرف شيئا عن عيد المرأة، ومنال التي خدعوها فقالوا سيدة السنة، يحضر الجسد الأنثوي، تارة كمنتوج لا يصلح إلا لحمل الأثقال، وتجشم المتاعب، والدوران في حلقة مفرغة لا تخرج عن أن تكون في الأخير سجنا بلا قضبان ولا أحلام، والرضا بخدمة الرجل، وتجنب غضبه، وتقمص دور "رهن الإشارة" لقضاء مآربه..، ويحضر تارة أخرى كموضوع للذة والمتعة الجنسية، وتزجية الوقت، والانتصار للذات الذكورية بمعناها الجنسي،  المتوارية خلف عناوين براقة ظاهرها تكريم المرأة والاحتفال بها أمام عدسات الكاميرات، وباطنها اقتناص الفرصة لممارسة استعباد  واستغلال من نوع آخر.

بين الموقفين يمارس الامتهان في حق المرأة، مع الاختلاف في الأدوات والوسائل ودرجة الجرم والوعي به، الذي ينطلق من الصفر تقريبا في الحالة الأولى، ليصل إلى وعي كامل غير منقوص في الحالة الثانية، مسجلا نكسة من نوع آخر، تتجه إلى تكريس الاستعباد والقهر والاستلاب عن طريق الخداع وبيع الوهم، وازدواجية المواقف، التي تمكن من استدراج نون النسوة والإيقاع بها في فخاخ منصوبة في حقول ألغام مظلمة، إلا من وميض قد يرى من مكان بعيد، ويتطلب الوصول إليه المغامرة والتضحية بالذات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة