التعليم بطعم السياسة

التعليم بطعم السياسة

محسن زردان

 

يوشك الأمر أن يكون حقيقة اليوم، فلكي نفهم واقع التعليم في المغرب، ونُقرب الصورة أكثر فأكثر، فلسنا في حاجة للاستعانة بعلماء التربية من قبيل بياجيه أو سكينر أو جون ديوي ولا في حاجة للإبحار في نظريات التعلم، بل نحن مدعوون لقراءة كتب السياسة، فعلينا بكتاب الأمير لماكيافيل في حديثه عن حقيقة الانسان و علاقة الأخلاق بالسياسة، وكذا طوماس هوبس وجون لوك.

لقد غدى تدبير التعليم في المغرب قرين بالتدبير السياسي، وبمنطق الأحزاب والتحالفات والصراعات السياسية، مما حدى بسلطات البلاد إلى الاهتداء بتعيين وزراء غير منتمين ولا حاملين لقبعات سياسية، ظنا منها أن ذلك سيبعد السياسة عن التعليم، بالنظر لخصوصية تدبير القطاع، كقطاع استراتيجي وحيوي يفترض تغليب الجانب البيداغوجي على جوانب أخرى.

المتأمل بعمق، لواقع التدبير الإداري للتعليم في المغرب، يستشف أن منطق توزيع الكعكة السياسية لازال حاضرا، فالأحزاب السياسية المشكلة للحكومة، تضغط في اتجاه تثبيت المناضلينوالمناصرين المقربين سواء في المناصب السامية، أو في باقي مناصب المسؤولية، حتى أن مسألة الانتماء الحزبي والنقابي لأغلب المسؤولين أضحت من المسلمات، بل من الضروريات التي لا فكاك عنها خوفا من غدر الزمان وتكالب جحيم الاعفاءات والمتابعات.

من جهة أخرى، نجد أن التزكية، كلمة عجيبة وغريبة، دخلت قاموس إسناد مناصب المسؤولية في المغرب، تحمل مضمونا لا يدع مجالا للشك على أن تقلد منصب معين لا يرتبط أساسا بمبدأ الكفاءة ولا المؤهلات العلمية والمهنية بقدر ما يرتبط بمدى القرب من المسؤولين، وبمدى التوفر على سلوك الطاعة وتنفيذ الأوامر مع عدم تجاوز الخطوط المرسومة، الشيء الذي يشير إلى توقع نوعية سلوك المعني بالأمر، درئا لأية مفاجأة تصدر من طرفه، قد يكون عنوانها المبادرة وصلابة الشخصية والثبات على الموقف، أو إظهار مهارات وقدرات تفوق المسؤولين، فضلا على التوفر على صفة المرونة، التي هي بلغة الإدارة، عدم التشدد في القوانين متى دعت الضرورة لذلك. 

ربما تكتمل الصورة بشكل أدق، عندما نتحدث على ظروف التباري على مناصب المسؤولية، التي في غالب الأحيان يعرف الفائز فيها مسبقا في الكواليس، خصوصا وأنها مرتبطة بشكل حاسم بتزكية ودعم المسؤول الأول على تلك المؤسسة، فما تَبَقى فهو مجرد إجراء روتيني يحمل في خباياه مسرحية مكتملة الأدوار، ليتم استقبال المترشحين الأرانب للدردشة من طرف اللجان ليس إلا.

المتتبع لمجريات الأحداث، سيلاحظ تواتر سلسلة من الإعفاءات لمسؤولين في بعض الأكاديميات والنيابات، نتيجة خضوعها للبحث والتقصي من طرف لجان خاصة من المفتشية العامة، والغريب في الأمر أن هذه الاعفاءات لا تصحبها بلاغات من الوزارة، حول ظروف وحيثيات واسباب هذه الاعفاءات تنويرا للرأي العام، بل تظل الأمور سرية وفي طي الكتمان، مما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة، هل الأمر سري إلى هذه الدرجة؟ هل يراد منه إخفاء حجم الفساد والاختلالات؟ أم ذلك مجرد تصفية للحسابات والتضحية بالمسؤولين الصغار دون الكبار؟

ما يثير الانتباه، أن الاختلالات والاعفاءات في غالبيتها تطال فقط المصالح الخارجية للوزارة، حتى باتت مسألة البقاء في منصب المسؤولية لمدة أطول ضربا من المستحيل، خصوصا في مناصب المسؤولية المتعلقة بالشق المالي وشق الموارد البشرية، فتصبح لعبة التضحية بالأكباش الفداء لمن لا يتوفر علىمظلة سياسية نافذة هي السمة الغالبة، في حين مازال المسؤولون المركزيون ثابتين قابعين في أماكنهم ردحا من الزمن، وكأن الفساد والاختلالات تنخر فقط الجسم السفلي دون العلوي.

أمام هذا الأمر، تبقى مسألة تقلد المسؤولية في تلك المناصب مغامرة كبيرة، لكون شروط النجاح غير متوفرة، بالنظر لحجم المشاكل المتراكمة، وكذا غياب استراتيجية واضحة المعالم، فيصبح الدافع لتقلد المسؤولية في الغالب ليس خدمة الرسالة التعليمية، بقدر اللهاث وراء فتات التعويضات والامتيازات أو الركوب على السلطة لأغراض معينة ليس إلا.

أما من قرأوا التاريخ جيدا واستخلصوا دروسه، فاختاروا عن قناعة وضع مسافة،بدل التورط في وحل المسؤولية في ظل تسييس التعليم في المغرب وتدنيسه.

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة